صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

15 سبتمبر 2019

أبواب الموقع

 

تحقيقات

كنـوز الـوطـن ـ 2 ـ جبانة البجوات تحكى أسرار التاريخ فى صحراء الوادى

27 يونيو 2019

مغامرة وتصوير : علاء الدين ظاهر




لا أحد ينكر أن الأحداث التى عاشتها الدول العربية خلال 8 سنوات ماضية قد أفرزت بجانب نتائجها التى لسنا بصدد تقييمها، حقيقة مهمة متمثلة فى أننا لدينا وطن، فكم من دول فقدت هذا المعنى بالنسبة لأصحابها ومن عاشوا فيها، لكن مصر قاومت وصمدت وتخطت كثيرًا من الأحداث الوقائع التى تعرضت لها دول أخرى وأدت لتمزيقها وتدميرها.
وبالتأكيد وطن مثل مصر استند فى صموده على تاريخ كبير وحضارة عظيمة وقوية، ربما لا تكفيها لا نبالغ إذا قلنا ملايين الصفحات لنحكى عنها، لكننا سنحكى عن كنوز هذا الوطن التاريخية والأثرية، ربما تكون هذه الكنوز معروف بعضها للكثيرين والآخر بالتأكيد لا، لكننا سنتناولها برؤية مختلفة عبر عدة حلقات.

 

عين الحسود فيها عود..مثل شعبى دائمًا ما نردده لوقاية أنفسنا من حسد وغيرة الآخرين على ما نمتلكه سواء ماديًا أو معنويًا، فما بالنا بكنوز كثيرة ربما لا يمكن حصرها يحسدنا العالم عليها، كونها ملكنا حتى وإن لم نوليها الاهتمام الكافي، وفى هذا التحقيق نكشف حكاية وتاريخ أحد هذه الكنوز، والذى سعينا لكشفه رغم مشقة الطريق إلى الوادى الجديد حيث يوجد هذا الكنز، وتحملنا أكثر من 600 كم فى اتجاهنا إلى جبانة البجوات وهى موضع هذا التحقيق، وصاحبنا فيها وكشف لنا تاريخها أحمد على رضوان مفتش آثار البجوات فى الوادى الجديد.
المنطقة كما رأينها شاسعة، ولم نجد أى سور خارجى يحدد معالمها، وما مكننا من التعرف على ملامحها عدد من اللوحات الإرشادية فى المكان، ووجدنا خلال جولتنا أبنية كثيرة ما بين مهدم جزء منها وأخرى بحالة جيدة وثالثة لم يتبق منها إلا أطلال لتمثل جميعها ملامح واقعية لجبانة مسيحية رائعة، ورغم ذلك لا تملك إلا الانبهار بهذا المكان الذى يحمل بين أروقته ودروبه تاريخًا كبيرًا وعريقًا يتراوح ما بين القرنين 2 – 7 الميلاديين، ومن أشهر معالمها الأثرية مزار السلام، وسمى كذلك لوجود رمز السلام مصورًا فى قبته، ومزار الخروج وبه عدة مناظر مرسومة ترصد قصة خروج بنى إسرائيل من مصر يتعقبهم فرعون بجنوده، كما صورت بعض الرسوم الزاهية الألوان التى تمثل قصصًا مقتبسة من كتاب العهد القديم، وبالجبانة مخربشات تتمثل فى الكتابات والخطوط التى سجلها زوار البجوات بعدة لغات، كما توجد وسط المنطقة كنيسة من 3 أروقة.

10 طرز معمارية

وخلال الجولة كشف أحمد على رضوان مفتش آثار البجوات أن جبانة البجوات واحدة من أهم الآثار القبطية، مؤكدًا أن ذلك ليس فى مصر فقط بل فى العلم كله، معللًا تلك الأهمية بأن الجبانة تمثل الفترة المسيحية المبكرة، وهى فترة آثارها قليلة فى مصر مقارنة بغيرها، موضحًا أن أصل كلمة البجوات يتأرجح ما بين رأيين، الأول وهو السائد أنه من كلمة القباب التى تعلو المزارات، وبلغة أهل الواحات كلمة قبة يطلق عليها جبة, ومن هنا جاءت كلمة بجوات أى قباب، والرأى الآخر بدأ يظهر منذ فترة، حيث قال أحد العلماء إن كلمة البجوات جاءت من قبائل البجا وهى حاليًا فى السودان، ويقال أنها مرت وظلت فى المكان لفترة ولذلك سمى باسمها.
 وقال إن البجوات تعتبر الجبانة الرئيسية للواحات الخارجة من العصور القديمة، وبها 263 مزارًا متبقيًا، وقام عالم الآثار الراحل د.أحمد فخرى بتصنيفها وتمثل 10 طرز معمارية، منها المربع والمستطيل والدائرى وما تتقدمه سقيفة، بخلاف الكنائس البازيليكية والكنيسة القبطية البيزنطية، وهناك واحدة من أهم وأبرز المزارات فى الجبانة وهى مزار السلام ويرجع تاريخها للقرن الخامس، وتسمى المقبرة البيزنطية لأن علماء الآثار قالوا إن رسوماتها فى القبة بيزنطية ولا تميل للفن القبطي، وأغلب رسومات المزارات منفذة بطريقة الفريسكو وهى كلمة إيطالية ومعروفة ومميزة منذ العصور الفرعونية.
وكشف أن رسومات مزار السلام تتضمن العديد من القصص الدينية، ومنها قصة آدم وحواء وخروجهما من الجنة والثعبان الذى يرمز للشيطان، وكل شخصية مرسومة مكتوب اسمها باللغة القبطية، وقصة الذبح والتضحية وإبراهيم وإسحاق، وقصة النبى دانيال فى الجب وبجواره أسدان، وقصة ترمز للعدالة عبارة عن سيدة تمسك بالميزان والعدالة مثل ماعت الفرعونية،  وقصة يعقوب وهو يرفع يديه بالصلاة وقصة سيدنا نوح والسفينة والطوفان، وقصة مريم وبشارة العذراء وتظهر وهى ترفع يديها فى وضع تعبد وصلاة، وقصة بولا وتكلا وهى من القصص الشهيرة فى الواحات، كذلك هناك رسم للطاووس ويرمز إلى الخلود.

الحج ودرب الأربعين

وأكد على تاريخ البجوات وأهميتها، بدليل أنه هناك 1400 قطعة أثرية معروضة فى متحف الميتروبوليتان من البجوات وهيبس، وأغلب المزارات عليها مخربشات وتتضمن حوالى 121 نصًا يونانيًا، وهى كتابات ناس مروا من هنا فى عهود وأوقات سابقة وهؤلاء كتبوا أسماءهم وأدعية للمتوفين، حيث كان هناك كثيرون فى طريقهم للحج من شمال المغرب والجزائر وتونس وليبيا، كانوا يسلكون طريق درب الأربعين أثناء الحج، وكانوا يمرون على البجوات ويريحون الدواب فى المكان ويستريحون داخل القباب من حرارة الشمس، حيث إن الطوب اللبن كان يقى من الحرارة ويمنح البرودة، وكان هؤلاء كانوا يكتبون أسماءهم وبعضهم كان يكتب الشعر والخواطر، ومنها كتابات ترجع للقرن 15 و16 و17، وبعضها مؤرخ بعام 878 هجرية مثل ما كتبه أصيل الصفدى من شعر عن الصداقة، وعبد السلام الفقيه محمد الشيخ عبد الدايم بنفس التاريخ 878 هجري، حيث وثق لحظة وجوده فى المكان.
جزء آخر مهم من تاريخ البجوات عرفناه واكتشفناه فى متحف النسيج المصرى فى شارع المعز، وسألنا عنه د.أشرف أبو اليزيد مدير عام المتحف، والذى قال لنا إن المتحف يقتنى مجموعة رائعة من قطع النسيج الفريدة التى عثر عليها فى مقابر جبانة البجوات، وتظهر تأثر الفن المسيحى الوليد بالفن المصرى القديم فى البداية، ثم اتخاذ ملامحه الخاصة من البساطة ورمزية الزخارف وغيرها بعد ذلك، حيث لعبت منطقة الصحراء الغربية دورًا متميزًا على الدوام فى تاريخ الحضارة المصرية منذ بداية تاريخها، بما احتوته من واحات عديدة تم تقسيمها فى عصر تحتمس الثالث.
وكشف أبو اليزيد أنه كانت الحكومة المصرية قد منحت متحف المتروبوليتان للفنون بنيويورك عام 1907م الإذن بالتنقيب فى المنطقة الشمالية من واحة الخارجة، والتى استمرت حتى أوائل الثلاثينيات من القرن العشرين، حيث اكتشف العالم تشارلز ويلكينسون عام 1930م بعض الدفنات، وعثر فى بعضها على عدد من قطع النسيج المختلفة منها لفائف كتانية لمتوفين وأغطية رأس وقطع ملابس مختلفة، غلب على بعضها استمرار ملامح الفن الفرعونى، مثل استخدام علامة العنخ للتعبير عن الصليب، كما ظهر على بعضها بعض ملامح الفترة الجديدة، ويحتوى متحف النسيج المصرى على مجموعة من نسيج منطقة البجوات التى تبرز تأثر الفن القبطى بالفن المصرى القديم، وذلك من خلال تصوير الصليب على شكل علامة العنخ.

مزارات سياحية

وأوضح أنه منها أيضًا قطعة عبارة عن غطاء رأس لصبى من الكتان مؤرخة بالقرن الرابع الميلادى، وقد نفذت علامة العنخ من الصوف باللونين الأحمر والأزرق، وقطعة تصور الصليب واضحًا بشكل صريح فى وشاح مؤرخ بالقرن الرابع الميلادى، من الكتان السادة ذو شراشيب ومزين أيضًا بعلامة العنخ، ونفذ الصليب الصريح فى المنتصف بالنسيج الوبرى،  مما يعبر عن الامتزاج  بين الموروث القديم والعقيدة المسيحية الجديدة.
وقال: تميزت الملابس التى جاءت من جبانات البجوات عمومًا بالبساطة وقلة الزخرف عليها، كما فى وشاح من الكتان مطرز بأشرطة من الطرفين بخيوط صوف أرجوانية اللون، ويعلوها شريط من النسيج الوبرى ذو شراشيب من كلا الجانبين، وربما تدل قلة الزخارف على هذه القطعة أنها كانت تستخدم للحياة اليومية،  وقطعة تصور الصليب فى المنتصف وعلى الأطراف أيضًا أنها ربما استخدمت كملابس للرهبان ورجال الدين، وقد ساعد مناخ الصحراء الجاف فى حفظ مقابر البجوات واستمرار ألوانها طيلة هذه القرون، والتى يعلو العشرات من هياكلها آلاف الكتابات باللغات الإغريقية واللاتينية والقبطية، تحكى قصصا لتاريخ المسيحية فى مصر.
بعد جولتنا فى المنطقة وما عرفناه من قيمة وتاريخ كبير تحوزه,  لدينا سؤال مهم..أليس هناك تفكير فى مشروع أو مقترح لوضعها على خريطة السياحة بشكل يليق بها لتحقق جذبًا سياحيًا مضمونًا؟، على أن يتخطى هذا المشروع عقبات منها بعد المكان وصعوبة الطريق المؤدى إليها، ويتمكن من توفير خدمات ملائمة للزوار، خاصة أنها تصلح لأن تكون مزارًا يقضى فيه السائح والزائر يومه كاملًا أو على الأقل عدة ساعات للتعرف على تاريخها.
ورغم ذلك لم نجد أى تفاصيل عن مشروع من هذا القبيل تفكر فيه وزارة الآثار، والتى اعترفت فى بيان رسمى لها بتاريخ السبت 1-9-2012 أن البجوات والتى تمثل فترة مهمة من التاريخ المسيحى فى مصر منطقة مهمة جدًا يأتى لها السائحون خصيصًا من مختلف دول العالم وبها أقدم كنيسة فى التاريخ!...أين إذن الاهتمام الذى يتسق مع هذا الاعتراف؟، خاصة أن الوزارة أعلنت فى 21 سبتمبر 2014 أنه تم تخصيص مبلغ 50 ألف جنيه لعمل دورات للمياه واستكمال عمل مظلة للسيارات بالمنطقة الأثرية بالبجوات ضمن أعمال التنظيف والتطوير لتصبح قبلة جديدة للسياحة فى مصر، ورغم أن جولتنا جاءت بعد 5 سنوات من هذا التاريخ، لم نجد حينما ذهبنا إلى المنطقة أى شىء من هذا التطوير.
من جانبه أكد د.جمال مصطفى رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية على أهمية المنطقة، مشيرًا إلى أن هناك بالفعل مشروعًا تم اعتماده من اللجنة الدائمة بإنشاء مركز للزوار فى مدخل المدينة وسيتم تنفيذه وطرحه من قبل المحافظة، لافتًا أن هناك أعمال ترميم جارية حاليًا هناك، مشيرًا إلى عدم انتهاء أعمال الحفائر، وهناك بعثة من منطقة آثار الخارجة أنهت أعمالها الشهر الماضى، كما توجد مساحات تابعة للآثار المصرية جارى العمل بها، حيث إن البجوات منطقة عمل مشترك بين قطاع الآثار الإسلامية والقبطية وقطاع الآثار المصرية.
وتابع:الوادى الجديد عامة من أهم المناطق التى توليها الوزارة والقطاع اهتمامًا خاصًا، حيث إنه ولأول مرة منذ عشر سنوات تخصص بها ثلاث بعثات حفائر مصرية كانت لها نتائج علمية واكتشافات فى غاية الأهمية، وهذه النتائج سيتم الإعلان عنها نهاية الشهر الحالى فى ملتقى حفائر الآثار الإسلامية والقبطية للعام الحالى، هذا بالإضافة لمشروع الترميم الجارى لمدينة بلاط الأثرية بتكلفة 13 مليون جنيه، وأعمال الجرد الحالية وتوثيق وتسجيل كافة محتويات المخازن الأثرية بالمحافظة، مع نقل العديد من الوثائق إلى متحف مدينة الخارجة، وهذا استمرار لأعمال ضخمة تمت على مدار العام الماضى.







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

رئيس الأركان يلتقى رجال الجيش الثانى الميدانى ويتفقد المجرى الملاحى لقناة السويس
واحة الإبداع.. هى
القاهرة _ جيبوتى.. شراكة اقتصادية وأمنية
«اقتصاد مصر».. شكل تانى 2022
للمرة الأولى.. تعاون مصرى - أمريكى فى مجال الطاقة
منطقة ثقافية حضارية غير مسبوقة
«الضبعة».. رمز للصداقة التاريخية بين مصر وروسيا

Facebook twitter rss