الخميس 25 أبريل 2024
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

نتانياهو يمنح أبو حصيرة الجنسية الإسرائيلية بعد 131 عاماً من وفاته






 روزاليوسف اليومية : 02 - 09 - 2011


وسط مظاهرات عارمة أمام السفارة الإسرائيلية خرجت تندد بما حدث علي الحدود وأدي لسقوط شهداء مصريين خرج من بين الغاضبين شاب مصري ثائر يبحث عن قلم أسود سميك ليكتب بشكل عفوي علي لوح كارتون غير متساوي الجوانب "نطالب بتفجير ضريح أبو حصيرة" يقابله في تل أبيب بلاغ ديني يهودي يتسبب في شكوي إسرائيلية دبلوماسية دولية تليها خطة أمنية مصرية عاجلة وتعزيزات عسكرية وطلب يهودي رسمي يعد حاليا لاسترداد رفاة "الحاخام يعقوب أبو حصيرة" وفي الخلفية مناشدة لمصر من هيئة اليونسكو والأمم المتحدة للحفاظ علي الأثر كأثر دولي.
والحجوزات السياحية في إسرائيل سجلت حاليا 15 ألف تذكرة سياحية لزيارة قبر وضريح الحاخام اليهودي "أبو حصيرة" في سبتمبر 2011 وعمليات حجوزات إسرائيلية داخلية وبرامج المزار الديني وزعت بالفعل في تل أبيب والمبيعات تجاوزت المائة مليون دولار أمريكي طبقا لأرقام السياحة الإسرائيلية الرسمية وفي الخلفية وزارة الخارجية الإسرائيلية سجلت فيلما بالفيديو لتجمعات الثوار المصريين حول السفارة الإسرائيلية ومنزل السفير بالمعادي، وهي ترفع شعاراً يطالب بحرق وتفجير ضريح أبو حصيرة وقد أرسلت نسخة منه لهيئة الأمم المتحدة وهيئة اليونسكو مشفوعا بطلب إسرائيلي خاص يطالب مصر برفاة الحاخام اليهودي "أبو حصيرة" علي أساس أنه طبقا للقانون الإسرائيلي يعد حاليا مواطنا إسرائيليا يتمتع بالجنسية الإسرائيلية الكاملة.
وفي حالة تاريخية غير مسبوقة يصدر رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتانياهو" منذ أيام قرار سياديا بمنح الحاخام اليهودي "أبو حصيرة" الجنسية الإسرائيلية بعد وفاته ب131 عاماً لتتمكن إسرائيل من الناحية القانونية بالمطالبة باسترداد رفاة الحاخام لإعادة دفنها في إسرائيل.
القرار في ظاهره الوطنية الإسرائيلية وفي باطنه محاولة اقتصادية لسحب مئات الملايين من الدولارات من مصر يمكن أن تستفيد بها القاهرة سنويا بسبب خرافات مزار أبو حصيرة التي لا يجب أن تقلق أحداً ويمكن استغلالها اقتصاديا في إطار جميع القوانين المصرية.
كثر الحديث خلال الأعوام الأخيرة عن الضريح وصاحب الضريح الحاخام اليهودي المغربي "يعقوب بن مسعود أبو حصيرة" وبداية من 20 ديسمبر من كل عام في قرية "دميتوه" القريبة من دمنهور بمحافظة البحيرة وعلي بعد نحو 156 كم شمال القاهرة.
في عام 2001 طلبت إسرائيل من الحكومة الكندية التي كانت تنفذ في مصر عددا من المشروعات مولتها كندا لصالح هيئة اليونسكو العالمية لترميم عدد كبير من الآثار الدينية في مصر ومنها الآثار اليهودية التي تمثلت في ترميم معبد "بن عزرا" بمنطقة آثار الفسطاط أن يضموا مزار ضريح أبو حصيرة غير أن القانون المصري لم يكن ليسمح بذلك حيث إن الضريح لم يكن ساعتها قد تم ضمه لهيئة الآثار المصرية بشكل قانوني وإداري سليم فطلبت "سوزان ثابت" زوجة الرئيس المخلوع حسني مبارك من "فاروق حسني" وزير الثقافة الذي كان ينفذ لها ما تريده إيجاد حل كي يتمكن اليهود من ترميم ضريح أبو حصيرة، استند حسني إلي مذكرة تفاهم بين الرئيس الراحل أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي "مناحم بيجين" عقب معاهدة السلام في 1979 بشأن الآثار اليهودية في مصر وأصدر وزير الثقافة الأسبق في 24 يوليو 2001 القرار رقم 75 بضم أثر مقبرة الحاخام اليهودي أبو حصيرة في قرية دميتوه لهيئة الآثار المصرية ليصبح الأثر اليهودي رقم 16 بين الآثار اليهودية المصرية رسميا، وفسر يومها فاروق حسني القرار بأنه سيؤدي في النهاية لوقف الاحتفال السنوي بمولد أبو حصيرة غير أن إسرائيل وصفت القرار بأنه تاريخي وأن فاروق حسني الذي كان يستعد لمعركة الترشح لرئاسة هيئة اليونسكو ضم المقبرة لهيئة الآثار المصرية حتي يتمكن من توفير الدعم اللازم دوليا لترميمها والحفاظ عليها للأبد في إطار القانون المصري كي تجبر الحكومات المصرية من بعده علي احترام طلبات الدول الأوروبية وحتي الطلبات الإسرائيلية لترميم الأثر والإشراف عليه علي أساس أنه كنز وتراث إنساني يجب الحفاظ عليه، وهو ما حدث بالفعل فمصر ملزمة دوليا بسبب قرار فاروق حسني بحماية الأثر لأجل غير مسمي تاريخيا.
صراع قانوني عنيف نشأ ضد قرار فاروق حسني وفي 9 ديسمبر 2001 كان رد محكمة القضاء الإداري دائرة البحيرة بمحكمة الإسكندرية واضحا حين أصدرت حكمها التاريخي بوقف قرار وزير الثقافة باعتبار ضريح أبو حصيرة والمقابر التابعة له بقرية دميتوه محافظة البحيرة من الآثار الإسلامية والقبطية واليهودية ووقف الاحتفالية السنوية لمولد أبو حصيرة وهو ما تجاهله حسني مبارك ووزير ثقافته وأصدر وزير داخليته حبيب العادلي قرارا أمنيا داخليا بعدم الامتثال لقرار المحكمة والاستمرار في تنفيذ قرار وزير الثقافة واستأنف حسني الحكم استنادا إلي القانون رقم 117 لوزارة الثقافة والآثار المصرية بضرورة ضم كل مبني تعدي عمره المائة عام لهيئة الآثار المصرية وعليه يصبح قرار ضم ضريح أبو حصيرة ومبانيه قرارا قانونيا بامتياز.
تستمر المحكمة ويساند رفض القرار المشبوه لفاروق حسني 13 عضواً بمجلس الشعب المنحل وتقف مدينة الإله حور "دي من حور" المعروفة باسم دمنهور ضد القرار وفي جلسة 5 يناير 2004 تؤكد المحكمة قرارها ليصبح غير قابل للاستئناف بإلغاء قرار وزير الثقافة فاروق حسني بضم ضريح أبو حصيرة لهيئة الآثار المصرية وإلغاء الاحتفال السنوي بمولده ومعه صراخ وعويل لمئات الآلاف من اليهود الشرقيين هم زوار ذلك المزار اليهودي البائس الذي يتسبب حاليا في مشكلة دبلوماسية وأمنية تتصاعد حدتها بين مصر وإسرائيل تستغلها تل أبيب بخبث والهدف هو استرداد رفاة ذلك الحاخام الذي يتبارك به مئات الآلاف من اليهود من أصول شرقية، فالرجل لديهم يصوره التاريخ اليهودي الديني الحديث علي أنه صاحب كرامات خاصة.
لوح كارتون أمام سفارة إسرائيل علي كوبري الجامعة بالجيزة من أجله قامت عشرات آلاف الأصوات الدينية اليهودية تصرخ من واشنطن إلي روسيا مطالبة برفاة صاحب ضريح دميتوه خاصة بعد أن قتل طعنا بالسكين أن حفيدة الحاخام "إليعازر أبو حصيرة" في إسرائيل في 28 يوليو 2011 إثر فتوي لم تعجب مواطنا يهوديا قرر قتل الحاخام بسببها.
أبو حصيرة كما لقب ولد في 20 ديسمبر عام 1805 ميلادية في مدينة "تفيللالت" جنوب المغرب لعائلة "الباز" اليهودية المتدينة كان يعشق العلوم الدينية لكنه يعمل بالوراثة "اسكافيا" يصلح الأحذية وبالرغم من معارضة الطائفة اليهودية بالمغرب لترحاله لكنه أقنعهم أن ابنه البكر "مسعود" يمكنه تسيير أمور الدين علي أن يتركوه يسافر ليحج في القدس فترك المغرب لفلسطين إلي الشام والعراق بحثا عن العلم والرزق والشهرة الدينية بين تجمعات طوائف اليهود الشرقيين "سفرديم" مستغلا علمه ببعض الكتابات السرية والمؤلفات الدينية اليهودية الكبيرة التي ترجمت للعربية من الإسبانية التي كان يعرفها ونقلت سرا للمغرب عقب سقوط الخلافة الإسلامية في إسبانيا.
بعد أن ترك أبو حصيرة أربعة أولاد وابنة بالمغرب هم "مسعود" و"أهرون و"أبراهام" و"اسحق" وابنته الوحيدة "استير" تحكي الرواية الشعبية اليهودية أنه كان في طريقه من المغرب لفلسطين لزيارة الأماكن اليهودية المقدسة بغرض الحج وفي عرض البحر غرقت السفينة التي كان يستقلها فتعلق في حصيرة كان يحملها وبداخلها عدد كبير من الأحذية المصنوعة من (الفلين) أنقذته وحملته إلي سواحل سوريا حيث انتشرت أخباره والتف حوله من صدق أن ما حدث له ليس إلا معجزة دينية بسبب حفظه التوراة اليهودية ومن دمشق غادر لفلسطين وفي القدس نُصب حاخاما رسميا لليهود الشرقيين.
أبو حصيرة كانت وجهته أساسا أن يزور فلسطين وبعدها يستقر في مصر التي سمع أن بها خيراً كثيراً وفراغاً دينياً عانت منه الطائفة اليهودية المصرية منذ وفاة الحاخام الذائع الصيت "موسي ابن ميمون" الملقب باسم "الرامبام" في 13 ديسمبر 1204 فعلي مدي تلك الفترة الزمنية الطويلة لم تأتي لمصر شخصية يهودية تملأ الفراغ الديني الذي تركه طبيب "الناصر صلاح الدين الحاخام "أبو عمران موسي بن ميمون بن عبدالله القرطبي الإسرائيلي".
في الإسكندرية حط رحاله في عام 1879 ومنها قبل دعوة الحاخام اليهودي "موشي سروسي" رئيس طائفة يهود دمنهور التي كان يوجد بها طائفة يهودية مصرية كبيرة واستقر في قرية دميتوه القريبة من دمنهور وقد لقب بعد نجاته ب"أبو حصيرة".
في دمنهور كانت معركة ثقافات وأديان تاريخية فبها "مسجد التوبة" ثاني مسجد في إفريقيا بعد مسجد عمرو بن العاص وأهم الكاتدرائيات المسيحية وهي كاتدرائية القديسة مريم والقديس أثناثيوس الرسولي وبين الرافضين لوجوده لجأ أبو حصيرة بلغته الهادئة لعلماء الدين من الجانبين فوافقوا علي أن يتركوه يعيش فراح يبحث عن رزقه وبدأ يصلح أحذية دميتوه وقد سمح له المسلمون بالبناء دون الشراء لمنزل صغير يمكنه العيش فيه.
في المدينة الصغيرة تطوع "أبو حصيرة" لحل مشاكل أهل القرية ونجح في حل الكثير فذاع صيته بين نساء المدينة قبل الرجال فيها فتهافت عليه أبناء كل الطوائف الدينية فزاد رزقه وامتلأ بيته بالفاكهة والهدايا وأقام إسكافية كبيرة لتصليح أحذية دمنهور كلها حتي سمع به يهود القاهرة ومحافظات مصر الأخري فسافروا إليه سنويا ليحتفلوا معه بعيد مولده بداية من 20 ديسمبر كل عام.
أبو حصيرة العالم كان قد لمس في أهل القرية البساطة وقلة العلم فراح يفتعل التصرفات التي جعلت أهل القرية يتناقلون روايات عنه تصفه بصانع المعجزات والكرامات.. ومثلا أحضر معه من المغرب زيوتا ودهانات خاصة للمداواة شفت العديد من المرضي وكان في عتمة الليل حيث لم تولد الكهرباء بعد يجد الناس بيت أبو حصيرة ينبعث منه النور، مستخدما الشمع الذي أحضره معه، وكان يعرف الكيمياء والرياضيات، جعله يستخدم بعض التراكيب ليشعل النيران بألوان شتي ويفجر الأصوات علي أساس أنه يقتل الشياطين ورويدا رويدا أصبح أبو حصيرة ساحراً دينياً وفي مصر ذاع صيته أكثر وألف 12 كتابا تعد حاليا تراثا عالميا للديانة اليهودية وتاريخها في مصر.
وعقب موته ترك ليهود دمنهور وصية أن يحولوا منزله لمقبرة وأن يزوروه سنويا ووعدهم إنه سيحل مشاكلهم ويستمع لهم فصدقوه وعلي هذا يتوافدون بالآلاف كل عام كلهم ممن لديه مشاكل خاصة تتنوع بين المشاكل النفسية والاجتماعية والأسرية والصحية وعدد كبير من منظمي الرحلات والمتربحين من الدين اليهودي كي يسهروا علي خدمة الزوار.
ومنذ أن مات أبو حصيرة في دميتوه في 4 يناير 1880 وعلي مدي أعوام طويلة تحولت زيارة قبر أبو حصيرة بمثابة نوع من الحج الديني لدي اليهود الشرقيين في حين أن يهود أوروبا من الاشكناز مثلا يرون في طقوس زيارة قبر أبو حصيرة مسخرة دينية وخزعبلات أسطورية.
في إسرائيل صناعة كاملة اسمها زيارة أبو حصيرة ومن كتيبات وزارة السياحة الإسرائيلية يمكننا أن نتعرف علي حجم الخرافة فسنويا دخل إسرائيل من تلك السياحة ما يقرب من نصف مليار دولار وفي الواقع ليست زيارة أبو حصيرة وحدها هي التي تحقق لهم ذلك الرقم لو علمنا أن قبر حفيدة الحاخام "إسرائيل مسعود بن يعقوب بن مسعود أبو حصيرة" الشهير بلقب "بابا سالي" المدفون في 8 يناير عام 1984في مدينة "نتيفوت" في صحراء النقب يعد مجازا حاليا من عجائب إسرائيل الدينية السبع ويزوره مئات الآلاف من اليهود الشرقيين وغيرهم من حول العالم.
في إسرائيل يعد شهرا ديسمبر ويناير شهري "أبو حصيرة" فالزوار يتنقلون في تلك الفترة بين مقابر عائلة أبو حصيرة فالعاقر تنشد الخلف والمخبول ينشد العقل والمريض نفسيا ينشد الشفاء من الشياطين والمفلس يدعو بالثراء والمجرم يدعو بالعفو واللص يدعو بالمغفرة.