السبت 20 أبريل 2024
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

روزاليوسف ... تسعون عاماً من الثقافة مدرسة أقالت حكومات وناهضت الاحتلال وحمت الحريات




بعد توقف نشر كل من جريدة روزاليوسف اليومية ومجلتى «صباح الخير» و«روزاليوسف»، الذى لم يحدث فى تاريخ المؤسسة منذ نشأتها عام 1926، تبادر فورا للذهن سؤال: ماذا قدمت مدرسة روزاليوسف للثقافة والصحافة المصرية؟ ..
 
يستعرض الكاتب الصحفى لويس جريس رئيس تحرير «صباح الخير» الأسبق قائلا: أهم ما قدمته روزاليوسف هو اهتمامها بفن الكاريكاتير وكانت أول مجلة غلافها كاريكاتير وصفحاتها كلها إما كانت رسم صحفى أو كاريكاتير، تبارى فى المجلة زعماء فن الكاريكاتير وفن الرسم، فمثلا إحسان عبدالقدوس يكتب قصة يرسمها جمال كامل... بهجت عثمان كاريكاتير... جورج البهجورى كاريكاتير... عبدالسميع كاريكاتير ... محيى اللباد ... حجازى .. صلاح جاهين ... ناجى كامل... رءوف .. وطابور طويل من الفنانين الذين أبدعوافن الكاريكاتير، من أهم ما ميز «روزاليوسف» أنها كانت تنشر للشباب، تنشر قصة قصيرة أو رواية للمبدعين من الشباب، فمثلا لا أحد يعلم انها أول من قدمت مجموعة قصص قصيرة لنجيب محفوظ بعنوان «رادوبيس» ! .. أيضا رواية طويلة له، ونشرت أيضا ليوسف السباعي، وإسماعيل الحبروك كان مؤلفا للأغانى وكاتبا صحفيا، وكانت روزاليوسف باستمرار تنشر لكبار المثقفين أعمالا فنية ليست قاصرة فقط على المبدعين المصريين إنما للعرب ايضا، فنشرنا قصصا قصيرة لشباب من العراق ومن الأردن ومن فلسطين ومن تونس ومن ليبيا ... كانت «روزاليوسف» يأتى إليها أعداد كبيرة من الشباب، فهى مجلة مصرية عربية.
 تنوع ما ينشر فى «روزاليوسف» رغم أن السيدة فاطمة اليوسف لم تكن تعرف القراءة ولا الكتابة، لكنها كانت تجيد اختيار من يرأس التحرير، فمثلا ممن تولوا «روزاليوسف» فى بدايتها العظيم عباس محمود العقاد، محمد التابعي، الدكتور محمود عزمي، وعدد كبير من رؤساء التحرير المهمين والمميزين، حتى حين تخرج ابنها إحسان عبد القدوس فى كلية الحقوق ببداية الأربعينيات رفضت تعيينه بالمجلة وطلبت منه أن يتدرب فى أى مكان آخر إلى أن يصبح جديرا بالعمل فى «روزاليوسف»! وبالفعل تدرب فى مجلة «الاثنين والدنيا» تحت اسم سانو، ليرتفع توزيع المجلة إلى أن اقتنعت بتعيينه فى «روزاليوسف»!
 
لفت جريس إلى أنه لا يوجد صحفى لامع فى مصر إلا وكانت بدايته فى «روزاليوسف» وذلك على مدار الخمسين عاما الماضية، مثل الأخوين على ومصطفى أمين وأحمد بهاء الدين وصلاح عبدالصبور وصلاح جاهين وكامل زهيرى وأحمد عباس صالح ومحمد عودة و محمد حسنين هيكل ومحمود السعدنى ومحمود أمين العالم... الخ .. كل هؤلاء العمالقة تخرجوا فى «روزاليوسف»، كما أنها نشرت القصص الأولى للدكتور مصطفى محمود والقصص الأولى للدكتور يوسف إدريس، وأيضا للدكتورة نوال السعداوي، من الميزات الأخرى للمجلة أن معظم المذيعين المعروفين يأتون للسهر بـ«روزاليوسف» بعد انتهائهم من أعمالهم مع إحسان عبدالقدوس، كذلك الحال المطربين، «روزاليوسف» لو تصفحنا مجلداتها سنجدها نشرت لجميع المبدعين المصريين والعرب واهتمت بالقومية العربية حيث كتب لأول مرة أحمد بهاء الدين عنها فى 1954 .. فـ»روزاليوسف» من المدارس الصحفية التى تميزت بالرشاقة فى الكتابة، وإننى أزعم أن عددا من الكتاب قد غير من أسلوبه بعد صدور «روزاليوسف» و «صباح الخير» وفى مقدمتهم كان أديب نوبل نجيب محفوظ، فلو قرأنا كتاباته قبل الصدور وقارناها بما بعد الصدور سنجد تغييراً فى أسلوبه الذى امتاز بالجملة السهلة البسيطة والرشيقة والمريحة للقارئ وللعين، مؤسسة «روزاليوسف» من المؤسسات العريقة التى صنعها رجالها، ومازالت «روزاليوسف» تقدم الكثير من الموضوعات، فالكثير من الجمهورالآن غير متنبه إلى الاتجاه الوطنى الذى تنتهجه «روزاليوسف» .. فأنا أحيى عصام عبد العزيز رئيس تحرير المجلة على أدائه وحرصه على المدرسة التى تربى فيها، أيضا محمد هيبة رئيس تحرير «صباح الخير» الحالى والموضوعات التى ينشرها للشباب الحية والغزيرة المعلومات والتى تثير قضايا هامة بالمجتمع، كذلك الحال أيضا مع جمال طايع رئيس تحرير الجريدة اليومية.. من هنا تتوالى الضربات على «روزاليوسف» لأنها مؤسسة قد لا تكون ضمن المؤسسات الكبرى لكن قامتها كبيرة بأقلام أبنائها، فتحية للرؤساء الثلاثة لاستمرارهم فى تعميق أداء «روزاليوسف» المهنى وخوض الموضوعات الشائكة.
 
من زاوية أخرى يشير القامة الصحفية الأستاذ منير عامر سكرتير تحرير «صباح الخير» الأسبق إلى الإضافة الثقافية والصحفية لمدرسة «روزاليوسف» قائلا: فلنسأل أولا ما الثقافة ؟ ... الثقافة من خلال «روزاليوسف» لا تتعرف فقط من خلال إنتاجالفن والموسيقى العالمية، لكنها تتعرف أيضا إلى المحلى منها، فكان فى «روزاليوسف» باب عنوانه «تذكرة إلى..» الذى يسافر إلى القرى ويعرضها بكل أحوالها، وكان بداية لعلم الأنثروبولوجيا فى الصحافة، فهناك نوعان من العلم، اولهما ينتج ثقافة والثانى يدرس السلوك الجمعي.
 
«روزاليوسف» بداياتها كانت تعتنى بالجانب الفنى الذى اكتشفت من خلال المجتمع السياسى المتحكم فيه، ومن هنا اتجهت إلى السياسة، وبالرغم من أن السيدة فاطمة اليوسف لم تكن تقرأ، إلا انها كانت تعلم كل ما يهم المصريين وحين أسست المجلة أهدتنا أيقونة الصحافة المصرية محمد التابعى والمفكر الاستراتيجى د.محمود عزمي، إضافة إلى أنها جاءت بكل من يريدون بناء مصر من كل التيارات المختلفة، فسيد قطب عمل معنا!
 
أذكر أنه حين اتسعت الهوة بين شعارات حزب الوفد وبين واقعه، حين سيطر عليه عدد من الإقطاعيين كان من الطبيعى ان تنحاز روزاليوسف لمن ابتعد عنهم حزب الوفد، ورفضت سيطرة الأحزاب السياسية بكل أفكارها.
 
اذكر أننى تعرفت لأول مرة على مجلة «روزاليوسف» حين كنت بالروضة بمدرسة نبوية موسى عام 1946، وكانت المجلة تباع فى المدرسة بقرش صاغ بينما كان مصروفى 2 مليم فقط! وكنت أول من أدخل «روزاليوسف» إلى المنزل وبدأت التعرف إلى القراءة أيضا من خلالها وإلى فنون الرسم حيث كان يرسم فيها وقتها أدهم وسيف وانلي، وكانت «روزاليوسف» تجسد الرفض الكامل للنظام الملكي.
 
بدأنا نكبر ووصلنا إلى ثورة يوليو 1952 ووقتها قد ظهر إصدار «الكتاب الذهبي» وبدأنا نتعرف إلى نجيب محفوظ ويوسف السباعي... تميزت «روزاليوسف» أنها كانت ترسل رسالة القارئ إلى الدولة وليس العكس كباقى الصحف.
 
يستكمل عامر قائلا: بعد قيام الثورة بدأت فى محاولات التطويع للصحافة ولكل شىء، لكن «روزاليوسف» ظلت على مبدأها فى رسالة الشارع إلى الدولة، فكان المحرر الذى يصدر منه أى إشارة إلى أنه يريد أن يعكس رأى الدولة كان يرفض تماما، وأكبر مثال على ذلك كان ممدوح رضا الذى تم عزله داخل المؤسسة وانتقل لمؤسسات أخرى وتوفى وهو رئيس مجلس إدارة دار التعاون.
 
يردف عامر قوله: من المواقف التى مرت بها «روزاليوسف»، كنا فى عام 1962 قررنا دراسة وضع الفقراء فى مصر، وتوجهت بعثة من روزاليوسف لإحدى المحافظات لقياس المسافة الحقيقية بين الواقع وبين الميثاق الوطنى الذى وضعه عبدالناصر وقتها، والحقيقة أن البعثة تم التعدى عليهم والتطاول بالأيدى وطردهم من القرية!
 
بدأت الدول وقتها تتنبه إلى أن «روزاليوسف» شىء مزعج جدا، وتم تأميم الصحافة، إلا أن إحسان عبدالقدوس ظل منتصرا لمبدأ الحرية كذلك الحال مع فتحى غانم وحسن فؤاد وصلاح حافظ الذى كان مسجونا لفترة طويلة.
 
يستكمل عامر: حين كان عمرى 21 عاما كلفنى الأستاذ صلاح عبدالصبور بسكرتارية تحرير «صباح الخير» عام 1961، عند تسلمى لقرار التكليف من الأستاذ إحسان عبدالقدوس طلب منى العودة لإعداد مجلة «روزاليوسف» فى عامى 1951 و 1952 لأعيد تقديم باب «أسرار» الذى كان يكتبه صلاح حافظ، وبدأت أتعرف إلى روزاليوسف بشكل آخر وظللت أعمل بكل من مجلتى «روزاليوسف» و«صباح الخير»، كان من تقاليد المجبة ألا يبقى المحرر طوال الشهر بالقاهرة بل عليه قضاء أسبوع فى محافظة من محافظات مصر، ومن خلال هذا التقليد عاصرت مآثر مصر السلبية والإيجابية ... جاء السادات ليطلق على «روزاليوسف» رصاص التغيير للأسوأ، مثل تعيينه لأعداد كبيرة من محررين لم يكتمل تدريبهم صحفيا بعد.
 
الثقافة فى «روزاليوسف» تمثلت فى باب «عصير الكتب» لصلاح عبدالصبور وباب «حكاية» الذى كان ينشر إبدعات أدبية متنوعة، ويكفى أن «روزاليوسف» هى البيت الأصلى لصلاح عبدالصبور وصلاح جاهين وفؤاد حداد وحجازى الذى لا أنسى له مواقف لا أنساها، منها حين طلب عبدالناصر اجتماعا برؤساء التحرير وتوجه لحسن فؤاد رئيس تحرير صباح الخيرآنذاك بانتقاد لرسوم الغلاف وطالبه بتعديلات فى اتجاه معين، وبالفعل عاد فؤاد ليطالب حجازى برسومات معينة، فما كان منه إلا أن رسم كاريكاتيرا يصور جندى يكسر سلاحه! ... كسكرتير للتحرير رحبت جدا بهذا الغلاف إلا أنه لم ينشر لرفض الرقيب له!
 
الموقف الثانى كان عند تولى أحد الكتاب الصحفيين من أبناء «صباح الخير» لرئاسة تحريرها والذى لم يكن مرضيا لحجازى لعدم اقتناعه به فتقدم باستقالته!!
 
يردف: على ذكر الرقيب .. أذكر أنه حين انعقاد المؤتمر الوطنى سجلت حوارا مع نجيب محفوظ علق فيه على المؤتمر قائلا: على أعضاء المؤتمر أن يعلموا أنهم متهمون بالولاء لمناصبهم ولوظائفهم..ومتهمون بخيانة الوطن إن لم يعبروا عن أحلام هذا الشعب بالحرية. .. وطبعا رفضا لرقيب نشر الحوار ونشبت معركة حامية بينى وبينه كدت أن أقتله فيها، فما كان منه إلا أن أجرى اتصالاته التى نتج عنها نشر الحوار كما هو!
 
فروزاليوسف كانت منتجة ومصدرة للثقافة والفن، فكنا نتعلم من الناس ونعلمهم، لكننا ظللنا نرسل رسالة الناس إلى الدولة، فحين استطاع السادات أن يحولنا إلى رسالة الدولة إلى الناس انخفض التوزيع انخفاضا رهيبا!