السبت 15 أغسطس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
احمد باشا

فاروق حسنى رَجُل التنوير

للإبداع أمارات، كما أن للعشق علامات، وأمارة فاروق حسنى أنه عاش إلى جوار البحر فاكتسب منه صفاته، فهو يملك أحلامًا تمتد لحدود السماء، وخيالا باتساع «المالح»، وأفكارا كالموج لا تنتهى مهما مر عليها الزمن دائما فى تجدد.



■ ■

فى الإسكندرية الكوزموبوليتانية كان المولد، حيث المجتمع الذى انصهرت فيه الثقافات والجنسيات المتعددة، هناك تلبسه شيطان الفن، فتحول إلى ساحر يملك القدرة على غواية الناس بمجرد أن يحرك ريشته، أو يستمعوا لبعض كلماته التى لا تخلو أبدا من منطق وحكمة اكتسبها عبر خبرات عدة، جمعها كما يجمع صياد اللؤلؤ محارته من أعماق البحار.

يؤمن بالحسد لأن العيون تلخص روح البشر، ومن خلال العين انطلق إلى عالم الفن بعد أن أدرك معنى وجوده الذاتى وحقيقة الوجود الكلى. 

 وفى تحديد مصيره، كانت والدته هى كلمة السر فى اتجاهه إلى الفن التشكيلى بعد أن هيأت له بيئة منفتحة على جميع الخيارات والثقافات،  فاتسمت أعماله التى تنتمى إلى المدرسة التجريدة بالبساطة والقوة وذلك بعد أن جرب العديد من المدارس، لذا وجدنا المشاهد يذوب معها فى متعة الخيال والواقع، حيث السماء والبحر وذكريات الطفولة، أعمال ترفض الإفصاح عما بداخلها خشية أن تفسد الحالة الفنية التى تقوم على المشاعر والعاطفة بالأساس، والرغبة فى التحرر من كل القيود، والتعبير عما يدور داخل النفس من  هواجس  مرتبطة الحلم، والرغبة للوصول لمرحلة من الكمال الفنى الذى لن يتحقق.

■ ■

صاحب العقلية المستنيرة، والشخصية التى ترفض القيود التحق بكلية الفنون الجميلة، وتفوق فيها فكان من أوائل دفعته، ليتم ترشيحه لمنحة دراسية فى فرنسا، وكأن القدر يعده ليكون أحد رواد التنوير فى مصر، حيث  تم تعيينه ملحقاً ثقافياً فى «باريس» ومديراً للمركز الثقافى المصرى هناك عام 1971، حيث قاد ثورة ثقافية بالمركز، وحوله لملتقى ثقافى كبير، إذ استقدم فرق الفنون الشعبية المصرية، وقدم الأفلام والمسرحيات المصرية، ثم تولى بعد ذلك إدارة الأكاديمية المصرية للفنون فى روما،  لتمتد إليها ثورته الثقافية، وتتحول لمركز للإبداع يستضيف كبار الفنانين والمثقفين المصريين.

فى عام 1987، قلبت مكالمة تليفونية حياة «الفنان»، فبعدها بـ24 ساعة كان فاروق حسنى يؤدى اليمين الدستورية كوزير للثقافة، ورغم اعتراضه فى البداية على تولى المنصب، لأنه كان يعرف أنه سيخوض معركة لنشر الثقافة والفنون فى مصر فى ظل وجود بعض الجماعات التى تريد أن يعيش الشعب فى ظلام الجهل، لكنه كان يتحلى بأخلاق الفرسان وشجاعتهم، وقبل التحدى، ليسهم بعد ذلك فى نهضة ثقافية وفنية، جعلت أنظار العالم  تتجه نحو مصر، وتحولت القاهرة إلى قبلة المثقفين والفنانين فى المنطقة.

هو فنان ومثقف، خاض الكثير من المعارك ليضع الثقافة المصرية على الخريطة العالمية، علاوة على معاركه ضد قوى الظلام والرجعية خلال توليه حقيبة وزارة الثقافة بصفته المسئول عن تشكيل الوجدان الثقافى لدى المصريين وخصوصًا الشباب، ورغم المنصب السياسى إلا أنه كان لا يُعد نفسه وزيراً، بل إنسان صاحب رسالة يؤديها وهى نشر الفن والثقافة وتنوير العقول، لمواجهة قوى التطرف والتخلف.

■ ■

23 عاماً و3 أشهر و13 يوماً، هى الفترة التى قضاها فاروق حسنى فى الوزارة، خاض خلالها الكثير من المعارك، خرج منها منتصراً، لذلك استمر فى منصبه تلك المدة الطويلة، والتى أسهمت من نحو ربع قرن، علاوة على تقديمه الكثير من الإنجازات التى ساهمت فى إثراء الحركة الثقافية فى مصر، ومنها إنشاء «صندوق التنمية الثقافية»، وإنشاء المسرح التجريبي، وتأسيس صالون الشباب، وتدشين برنامج الترجمة حيث ترجم نحو 6 آلاف كتاب من نحو ثلاثين لغة، فضلاً عن 300 مشروع ترميم وتطوير أثر إسلامى وقبطى، وإنشاء 42 متحفًا أثرياً وفنياً وتاريخياً، وبناء 78 قصراً وبيت ثقافة، وتطوير 41 قصر ثقافة، و154مكتبة فى القرى والنجوع، و12 مركزاً إبداعياً، ناهيك عن مهرجان القاهرة الدولى لسينما الأطفال، وسيمبوزيوم أسوان الدولى للنحت، وترينالى القاهرة الدولى للخزف، ومهرجان الإسماعيلية للأفلام التسجيلية والقصيرة، والمهرجان القومى للسينما المصرية، وبينالى القاهرة الدولى للحفر، والمهرجان القومى للمسرح المصري، وصالون الشباب للفنون التشكيلية، وإنشاء المتحف المصرى الكبير والمتحف القومى للحضارة، وتطوير أكاديمية الفنون المصرية فى روما، وترميم متحف الفن الإسلامي، وبناء دار الكتب الجديدة، وإنجازات أخرى كثيرة ما زالت تخدم الحركة الثقافية فى مصر حتى الآن.

■ ■

«الاعتراف بالخطأ» شجاعة قلما تجدها عند مسئول، لكن الوزير فاروق حسنى، كان شجاعاً عندما تقدم باستقالته فى أعقاب حريق مسرح بنى سويف، كما تقدم باستقالته أيضاً بعد الحملة التى قام بها نواب جماعة الإخوان الإرهابية فى مجلس الشعب ضده بعد تحريفهم تصريحاته حول «الحجاب»، وفى كلتا الحالاتين لم تقبل الاستقالة.

الوزير الفنان، امتلك سمعة عالمية كبيرة، جعلته يترشح لمنصب الأمين العام لمنظمة اليونسكو، فخاض معركة كبيرة كسب فيها وخسر اليونسكو.

عطاؤه الذى لا ينتهى دفعه إلى تحقيق الحلم الذى راوده حتى وقت أن كان وزيرا للثقافة فأنشأ «مؤسسة فاروق حسنى للثقافة والفنون» والتى تضم متحفًا لمقتنياته وتنظم مجموعة من الأنشطة الفنية والثقافية وترعى مسابقات فى مختلف الفروع، وذلك لخدمة المجتمع وخاصة الشباب المبدعين  وتكون جزءا من النهضة الثقافية التى تحدث فى مصر.

قبل أيام كان ضيفًا كريمًا على المتحف المصرى الكبير. الدعوة جاءت من وزير الآثار خالد عنانى واللواء عاطف مفتاح مشرف المتحف. دعوة حملت تكريمًا لفاروق حسنى صاحب الفكرة قبل أعوام عدة. تمت دعوته تكريمًا من ناحية وحتى يشاهد حلمه متجسدًا بأياد مصرية وطنية. فى إشارة لا تخلو من دلالة على أن النظام والقيادة السياسية تصون المقامات وتحفظ.. الجميل لكل من خدم الوطن.

ولأنه رمز كبير من رموز الثقافة فى العالم العربى فتحول إلى أيقونة وقيمة فينة شهد لها كبار النقاد العالميين، ولعطائه الممتد الذى هو نهر لا ينضب، لأجل هذا وأكثر استحق عن جدارة فاروق حسنى وسام الاحترام.