السبت 4 أبريل 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
احمد باشا

لا شىء حقيقى إلا الكذب فى «أفراح القبة»

أن تمتلك القدرة على فتح أفق وخيال الفنان لرؤية ما كتبت كما يشاء، أن تمنحه الحرية بالإضافة والحذف مع الاحتفاظ بالمضمون الرئيسى للعمل الروائى، أن تجعله يدرك المعنى ويسير وراء شخصيات خلقتها كى يستكمل ويكمل مسيرتها انطلاقا من خيالك، فمن جملة واحدة أو مجرد إشارة عابرة ذكرها نجيب محفوظ فى روايته «أفراح القبة»، منح بها شفرة أخرى لفتح خيال المخرجين لبناء تاريخ ودراما وخلق شخصيات تحمل الرواية الكثير من الشفرات والإشارات؛ لشخصيات ربما لم يذكرها كثيرا أو يفتح لها مساحة لكنه منحك مفتاح لتصور تأثير وهيكل هذه الشخصية، برغم مرور كل هذه السنوات على روايته «أفراح القبة» تستطيع أن ترى الحقيقة بجوانب متعددة من وجهة نظر شخوصها يختلط لديك الحلم بالواقع والحقيقة بالخيال وفى النهاية يترك لك الحكم هل صدقت كل ما قرأت أو تماهيت معه وإلى أين وصل بك حدود هذا التماهي.



تعدد التأويل لا تقف الرواية عند حد معين من التأويل، والدليل على ذلك رؤية المخرج محمد ياسين لها كعمل درامى متكامل ثم رؤية المخرج المسرحى الشاب محمد يوسف المنصور فى عمل مسرحى مكتمل الأركان كلاهما قدم العمل كما يراه، اتبع المخرجان أصل الحكاية أو الأساس الذى بنيت عليه هذه الرواية أنه ليس هناك شيء ثابت أو حقيقى من حقك أن ترى الحقيقة كما تشاء وتراها أيضا كعمل فنى كيفما شئت، رآها محمد ياسين فى عمل درامى مكون من ثلاثين حلقة بينما رآها محمد يوسف المنصور فى عمل مسرحى من ساعتين..! الخيال والواقع «لا شىء حقيقى إلا الكذب» هذه الجملة التى أطلقها محفوظ على لسان أحد شخصياته فى الرواية تلخص فى إيجاز المعنى من ورائها ففى هذا العمل بالفعل لا شيء حقيقى يمكن إدراكه سوى الكذب، كل شخصية احترفت رواية الحقيقة من منظورها الشخصى ربما رأت الحقيقة كما تمنت أن تكون أو كما حدثت بالفعل لا أحد يعلم من الكاذب ومن الصادق من الطيب ومن الشرير من الذى يستحق الشفقة والتعاطف ومن منهم لا يستحق؛ كلهم فى نظر المتفرج سواء شخصيات خاضعة للشك والريبة والخطيئة لا تمتلك تعاطفا تجاه أحد كلهم مذنبون وكلهم كاذبون ولأن التمثيل هو فن احتراف الكذب كتبها محفوظ فى تمثيلية فبطل الرواية مؤلف مسرحى يروى كل ما حدث فى كواليس هذا المسرح من جرائم وفضائح من وجهة نظره الحقيقة كما شاء أن يراها عباس يونس أو كما كانت بالفعل كتبها ليقدمها فى عمل مسرحى للفرجة. الرؤية الدرامية انقسمت الرواية إلى حكايات على لسان كل شخصية بدأها بطارق رمضان، كرم يونس، حلمية الكبش، ثم عباس كرم يونس؛ كما ذكرنا فتحت الرواية خيال الكتاب والمؤلفين إلى رؤية الشخصيات وإعادة صياغتها دراميا ومن هنا جاء التفرد فى الإبداع ففى عرض «أفراح القبة» لعب المخرج بتكنيك المسرحية داخل مسرحية قدمها يوسف المنصور بإعداد مختلف عن الرواية والعمل الدرامى فى بعض التفاصيل لكنه استعان بالهيكل الرئيسى للعمل الروائى بدأ العرض برواية عباس كرم يونس لما رأه داخل منزل والده ولما حدث داخل المسرح ثم بإعلان سرحان الهلالى مدير المسرح عن قبوله لأول عمل مسرحى مؤلف من عباس والذى سبق أن رفض له عدد لا بأس به من الأعمال المسرحية غير الجديرة بالعرض بينما تحمس وبشدة لآخر أعماله «أفراح القبة» التى تفضح حقيقة شخصيات هذا المكان وتفضح أسلوبه هو شخصيا فى تعاملاته مع نساء هذا المسرح. اختلاف الروايات تتوالى أحداث العمل ونرى الحقيقة والحكاية فى كل مرة من وجهة نظر حليمة التى تسعى لتبرئة نفسها من اتهام ابنها لها بأنها امرأة خائنة باعت جسدها من أجل الاستمرار فى هذا المكان واستمرت حتى بعد أن حصلت على ما تريد ثم حكاية كرم يونس كيف يرى زوجته ولماذا تقبل سرها؛ وكذلك طارق رمضان الذى سعى أيضا لتبرئة نفسه من تحمله وزر انهيار  علاقته بتحية وأخيرا نعود إلى وجهة نظر المؤلف عباس كى يروى قصته ومع الاستمرار فى الاستماع لعباس ولأن محفوظ ترك النهاية لخيال القارئ فى روايته قرر المخرج ومعد النص استخدام خياله فى إنهاء العمل على طريقته ففى العمل المسرحى نكتشف أن سرحان الهلالى قدم العمل بالاتفاق مع عباس الذى وعده بإنتاج المسرحية بشرط أن يعترف على نفسه بقتل تحيه فيغير قلب طارق عليه وتحدث معركة بينهما مما يدفع طارق لقتله وينتهى العمل بخطة أعدها الهلالى للتخلص من الجميع هجوم على المسرح يعقبه مقتل درية التى أصبحت تشكل عقبة فى حياته ثم مقتل عباس على يد طارق ويغلق الستار؛ بينما فى العمل الدرامى أنهى محمد ياسين مسلسله بتحية ممثليه للجمهور الذى ظل مشاهدا للعمل المسرحى حتى نهايته وكأنه اتخذ من جملة محفوظ عنوانا للنهاية بأنه بالفعل «لا شيء حقيقى إلا الكذب» فكل ما حدث كان تمثيلا فى تمثيل وليس هناك شيء حقيقى مما سبق فهى فى النهاية مجرد «مسرحية». الجرأة والخصوصية بعد نجاح مسلسل «أفراح القبة» والصدى الجماهيرى الذى حققه بأبطاله كان من الصعب الإقدام على إعادة صياغة ورؤية هذا العمل من جديد خاصة فى عرض مسرحى قد يقع فى فخ المقارنة كما أنه من المعروف أن رؤية مخرج كبير مثل محمد ياسين بنجوم كبار مثل إياد نصار ومنى زكى وصابرين وصبرى فواز قد تغلق على أى مخرج أو ممثل الخيال فى الإتيان بجديد أو فى تقديم رؤية خاصة بهم؛ وانطلاقا من مذهب الجرأة والخصوصية نجح فريق عمل «أفراح القبة» فى تقديم عرض يخصهم وحدهم فمن الرواية للمسرح هناك قراءة أخرى ووجهة نظر جديدة ومساحة للبوح والاعتراف لإحياء أبطال رواية نجيب محفوظ على خشبة المسرح؛ أغلقوا بتميزهم خيالك عن استعادة العمل الدرامى للذاكرة فمن النادر أن تتوقف عن استعادة عمل له بصمة من ذاكرتك كى تقارنه بعمل جديد! دقة التنفيذ لعب مخرج العرض محمد يوسف بحرفة وذكاء كبير فى تقديم هذه الرواية المعقدة فنيا والتى تحمل الكثير من التفاصيل الدقيقة التى يصعب تنفيذها على خشبة المسرح فى ساعتين فقط، برغم طول مدة العمل المسرحى إلا أنه استطاع وفريق عمله أن يضعك فى حالة من المتعة تطلب معها المزيد ليس هناك مساحة للضيق أو الملل عرض منضبط الإيقاع رغم طول الزمن؛ حافظ على حالة المتعة والترقب فى متابعة الأحداث وتفاصيل تبدل الأزمنة أثناء حكاية القصة برواية أخرى من وجهة نظر كل شخصية مع هذه الرواية يتبدل أداء الممثلين وتراهم فى ثوب آخر غير الذى رأيته عليهم فى رواية أحدهم لنفس الحادثة وهكذا تتكرر المشاهد بمهنية وحرفة فنية عالية يحافظ فيها على شكل الشخصيات وملابسهم سواء فى مرحلة الشباب أو مرحلة متقدمة عن حكايتهم يوم دخول المسرح أول مرة وبعد سنوات من قضاء عمرهم داخله لعبة زمنية شديدة الدقة والخصوصية، يأتى معه مهندس الديكور عمرو الأشرف فى نفس مستوى المهارة والإدراك لصعوبة تنفيذ الصورة المسرحية لهذا العمل متداخل الأزمنة حيث صمم ديكور للمسرح من الداخل وديكورا للعرض المسرحى الذى تدور حوله الرواية بجانب الشكل الجمالى الذى بدا عليه الديكور إلا أنه حرص على تصميمه فى انسياب ومرونة أتاح له إمكانيه التبدل السريع والتداخل مع الأحداث بمشاهد العرض المتكررة والمتغيرة؛ قد يوقع هذا التكرار المخرج وفريقه فى أخطأء صغيرة ودقيقة تقلل من مستوى العمل بينما على النقيض وضح فيه الحرص والدقة والتركيز والمستوى الرفيع خاصة فى لعبة تبدل الأزمنة وتكرار المشاهد بروايات مختلفة وبالتالى يكتب محمد يوسف بهذا العمل شهادة ميلاده كمخرج ومعد محترف لعرض مسرحى سيشير إليه التاريخ قائلا فى يوم ما قدمت رواية «أفراح القبة» بإنتاج تليفزيونى ضخم وفى عمل مسرحى ناضج محترف، كان الممثلون جميعا على قدر كبير من النضج الفنى والمسئولية وشكلوا مفاجأة حقيقية كل منهم مشروع لنجم مستقل بذاته لم يحاول أحدهم ولو من بعيد الدخول فى مقارنة مع أى بطل من أبطال العمل الدرامى وهو ما ميزهم جميعا فى تقديم عمل مختلف لا يقارن بغيره كان على رأس هؤلاء الأبطال محمد يوسف فى دور كرم يونس حرص يوسف على إضافة تفاصيل ونكهة تخصه لهذه الشخصية التى تقبلت الواقع وتعايشت معه رغم مرارته والتى قدمت تنازلات تتوافق مع التاريخ المنحدر لعائلتها هذه التوليفة منحت يوسف تفاصيل خاصة وطعم آخر فى تقديم شخصية كرم يونس تمتع بحضور كبير على المسرح قدمها كما رآها وشعر بها كممثل موهوب وكذلك كانت ياسمين ممدوح وافى والتى كانت مفاجأة كبيرة بامتياز قدمت ياسمين دور أم كرم يونس امرأة تجيد البغاء فهى من شوهت ابنها وجعلت له سرا وماضيا مظلما برغم صغر حجم الدور إلا أن ياسمين تركت بصمة كبيرة فى أداء هذه الشخصية المشوهة والتى أصبحت صاحبة حكمة من هذا التشوه النفسى الذى تعرضت له على مدار سنوات عمرها؛ ثم تتوالى المواهب والاكتشافات حيث بدت موهبة وتميز كل شخصية فى منح طعم ومذاق خاص لأدائها مثل هايدى عبد الخالق فى دور حليمة وفاطمة عادل فى لعب نفس الشخصية وهى فى سن صغيرة وبين تبادل الموهبيتن لأداء نفس الشخصية أبدعت فاطمة بالحركة والغناء على المسرح وبتنوع أدائها التمثيلى بالخروج والدخول من زمن لآخر أثناء الحكى والرواية بأكثر من رؤية ثم تمازج هايدى وفاطمة فى كيان واحد لأنهما امرأة واحدة فى زمن مختلف كان أروع ما قدمه المخرج بالعرض حالة التبادل بين الواقع واستعادة الذكريات مع الشخصيتين لعبها أيضا مع ميدو عبد القادر وسمر علام وجيهان أنور أثناء خيال طارق رمضان وتهيؤاته وهو متقمص للشخصية فى لعب المسرحية عندما تخيل عودة تحية للحياة هذه المشاهد المعقدة المتداخلة أتقنها ممثلوها اتقان كبير وكأنهم انتقلوا بنا من المسرح إلى عقول وخيالات وأحلام هؤلاء المعذبين حافظ ميدو عبد القادر بمهارة واقتدار على الشعرة الفاصلة بين حالة السكر والغياب عن الوعى ومحاولة استرداد وعيه واستعادة الواقع طوال العرض فهذا الرجل فى حالة انفصال دائمة بسبب سكره والإحباط الملازم لشخصيته استطاع ميدو تشخيصها ونقلها للجمهور بحرفة عالية وكذلك كان عبد المنعم رياض فى دور سرحان الهلالى كان مفاجأة واكتشاف للجمهور وعبير الطوخى فى دور أم هانى ومينا نبيل ومحمد تامر وحمزة رأفت فى أدوار عباس بمراحل عمره المختلفة أما من كانت لهم بصمة خاصة برغم صغر حجم أدوارهم باسم سليمان وأحمد عباس ومينا نادر فى دور الخادم الصامت الذى تكلم بصمته برغم وجوده كطيف أو شبح يسير بين الأحداث لكنه كان جوهريا فى تغيير مجراها شارك أيضا فى بطولة العمل يوسف مصطفى، أحمد صلاح، مارتينا رؤف، حسام علاء، وهدير طارق.