الثلاثاء 2 يونيو 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
احمد باشا

طارق عامر يجيب عن الأسئلة الشائكة بشأن مستقبل الاقتصاد

اتخذ البنك المركزى قرارًا هامًا، كان بمثابة الحجر الذى حرك المياه الراكدة.. حيث أعلن البنك المركزى عن حدود للإيداع والسحب من البنوك، فانفرجت الاسئلة لدى المواطن.. هل لدينا أزمة سيولة؟ ولماذا يتم تقييد التعامل بالكاش؟ وإلى أين يتجه اقتصاد الدولة فى ظل الظروف الاقتصادية العالمية شديدة التعقيد.. وغير ذلك من الأسئلة الهامة التى فضل طارق عامر، محافظ البنك المركزي، الإجابة عنها بكل شفافية لتوضيح الحقيقة كاملة، وذلك خلال مدخلة هاتفية مع الإعلامى أحمد موسى فى برنامج «على مسئوليتى» المذاع على قناة «صدى البلد»



 

■  هل توجد أزمة سيولة لدى البنوك المصرية؟

هناك سيولة كبيرة بالبنوك، ونحن نرحب بحصول عميل على مليار جنيه لكن لا نرحب بأن يكون منحها نقدًا، وهنا لابد من الاشارة إلى أن لدى البنك المركزى سيولة تصل إلى تريليون جنيه، كما أن الودائع بالبنوك تصل إلى 5 تريليونات جنيه، وأقل من نصف هذه الودائع هى الموظفة، مما يعنى أن حجم السيولة المتاحة للتوسع فى إقراض المشروعات والأفراد ودعم الحكومة ضخمة جدًا، ولازالت هناك فرص لخفض الفائدة فى الفترة المقبلة لدعم عمليات الاقراض، فى حين أن هناك دولا أخرى وصل سعر الفائدة لديها صفرًا، ولم يعد لديها جديد لتقدمه.

وحقيقة الوضع أن الظروف تقتضى منا أن ننظم الأمور ولابد أن يكون هناك تعاون من الناس كلها والمجتمع.. لكن ليس هناك مؤسسة ستكون فى حاجة إلى النقد ولا تأخذ.

ففى البنوك سيولة هى الأكبر من أى بنوك فى المنطقة، ولدينا سيولة «مش عارفين نعمل فيها إيه عندى تريليون فى البنك المركزى من البنوك.. والله أى عميل عايز ياخد مليار جنيه أهلا وسهلا لكن مش هديهوله كاش، هديهوله فى حسابه».

ولابد أن يتفهم المواطنون أن إجراءات تنظيم الإيداع والسحب هى فقط لتنظيم الأوضاع، فكلنا نعلم أن العدوى تنتقل عبر الكثير من الأمور ومنها النقود، لذا لابد من الاتجاه والتوسع فى استخدام الطرق الالكترونية.

وقرارات تقييد الايداع والسحب الغرض الأساسى منها تقليل التعامل النقدي، لكن الأمر مفتوح للتعامل بكافة الوسائل التكنولوجية المتاحة من البنوك للعملاء.

فعملاء البنوك سحبوا نحو 30 مليار جنيه خلال الثلاثة أسابيع الماضية، وليس من المنطقى أن تسمح البنوك لعملاء يرغبون فى سحب مليون جنيه أو أكثر من خلال شباك الصرف ويعطلون مصالح المواطنين الصغار الذين يريدون صرف ألف وألفين جنيه لاحتياجاتهم اليومية.

والقطاع المصرفى اتخذ إجراءات صعبة خلال فترة الإصلاح الاقتصادى واعترض البعض عليها وتبين بعد ذلك صحتها، وفى الفترة الحالية يتخذ البنك المركزى والقطاع المصرفى إجراءات هامة لمعالجة وتخطى أزمة كورونا.

■  هل ارتفاع الدين الخارجى يمثل عبئًا على البلاد فى الوقت الراهن؟

ديننا الخارجى فى الحدود الآمنة.. ونحن ملتزمون بسداد أقساط الدين فى مواعيدها دون تأخير، فلم نتأخر مرة فى سداد دولارًا واحدًا، وهذا هو مبدأنا.. أما زيادة الدين فقد كانت فى حدود 50 مليار دولار فى السنوات الثلاثة الماضية، لكن فى الوقت نفسه تم توفير 350 مليار دولار لتنفيذ استثمارات للبلاد، وذلك هو الفيصل، والأمر الذى يعكس التطور الذى يشهده الاقتصاد. فلا يمكن النظر للدين بمعزل عن تطور واتساع الاقتصاد، وحجم الدين بالنسبة لما حدث فى الاقتصاد من نمو، لا يمثل أيّة أمور سلبية.

والآن لدينا احتياطى نقدى بقيمة 45 مليار دولار، كما أن لدى البنوك 19 مليار دولار أرصدة بالنقد الأجنبى لم تكن موجودة قبل تحرير سعر الصرف، لذا فنحن فى وضع أفضل وقادرون على الوفاء بالتزاماتنا بدون مشاكل.

كذلك فإن طرحنا لسندات بأسعار عائد جيدة فى الفترات الماضية كان أمرًا جيدًا واستباقًا واستفادة من الاستقرار الذى شهده الاقتصاد، والآن لا يمكن طرح سندات فى ظل أزمة فيروس كورونا، فسوق السندات الدولية الآن شبه متوقفة.

■ من أين ستوفر الدولة الـ 100 مليار جنيه التى وجه الرئيس بتخصيصها لمواجهة «كورونا»؟

الرئيس وجه بتوفير 100 مليار جنيه لمواجهة فيروس كورونا، ولولا التطور الذى شهده الاقتصاد وحجم النمو الكبير الذى شهدته القطاعات المختلفة، والتحسن غير المسبوق فى المالية العامة، لما كان لدينا القدرة على توفير هذه القيمة لمواجهة أزمة كورونا.. والأمر الهام هو أن توفير هذه القيمة من مصادر حقيقية.. والدولة قادرة على مواجهة أية مشكلات فى الوقت الراهن بشكل أكثر كفاءة.

وما أود التأكيد عليه أن الاقتصاد المصرى أصبح قوة، وتم تنفيذ استثمارات وتحقيق نمو أشبه بالحلم.. حيث يتم تنفيذ مشروعات فى الفترة الحالية لم تحدث فى التاريخ، فهناك استثمارات ضخمة فى موانئ يتم إعادة تأهيلها وشبكة طرق لم تحدث فى تاريخ مصر، وشبكة كهرباء ومحطات طاقة متجددة الأكبر فى العالم، وخطوط جديدة لمترو الأنفاق كل هذه مشروعات بمليارات الدولارات بجانب الطرق الجديدة والقطارات، كما لدينا مثلًا 3 معامل تكرير يتم تطويره بقيمة 4 مليارات دولار، هذا لم يكن ليحدث إلا بتفكير جديد وجرأة فى مواجهة المشكلات.

■ هل يمكن أن تواجه الدولة صدمة ارتفاع أسعار جديدة؟

لا يمكن أن تحدث صدمة سعرية جديدة، فى ظل الوضع الاقتصادى الحالي، لكن لابد أن نقلل من الهرولة لتخزين السلع والشراء بأكثر من احتياجاتنا، فذلك يفتح الباب للتجار لرفع الأسعار، أما الأوضاع الاقتصادية المحلية فهى تشير إلى حدوث استقرار فى الأسعار، بل وانخفاضها فى سلع مهمة مثل المواد البترولية، حيث من المتوقع أن تقر الحكومة خفضًا فى أسعار المواد البترولية بنهاية الشهر الجارى نتيجة تراجع أسعار الوقود عالميًا وانخفاض سعر صرف الدولار.

وما يعطينا قدرا كبيرا من الطمأنينة على الوضع الاقتصادي، أن مستويات النمو لدينا كانت وصلت لمستويات عالية من أعلى المستويات فى النمو من أكبر 5 دول فى العالم، وفى ظل الأزمة الحالية فمن المتوقع أن يحدث للنمو الاقتصادى فى دول كبرى بالعالم انكماش، لكن لدينا سيكون الأمر مختلفًا فلن يزيد على تراجع محدود فى النمو الاقتصادي.

لكن هنا لابد من أن تعمل الشركات الكبرى بأسلوب مختلف، وقد وعدوا بأن يوفقوا أوضاعهم لأننا نعمل بأسلوب علمى ولن نقبل أن يقوم الناس بتخزين الكاش.

■  كيف ترى مستقبل الاقتصاد فى ظل الأزمة الحالية؟

كما أكدت فإن ما يحدث فى العالم من تأثيرات سلبية نتيجة انتشار فيروس كورونا، سيؤثر بالطبع على الاقتصاد المصري، لكن الأمر الهام، هو أننا الآن لدينا القدرة على مساندة القطاعات الاقتصادية وهناك سيولة كبيرة متاحة، وما تم اتخاذه من قرارات فى الأيام الماضية من تأجيل أقساط القروض، وإتاحة المزيد من التسهيلات للمشروعات الصناعية، والاصرار على تشغيل المصانع المتعثرة، ومساندة قطاع السياحة والمشروعات الصغيرة، وغيرها، هو دليل على أننا قادرين على احتواء التأثيرات.

■ إلى أين يتجه سعر الدولار أمام الجنيه؟

أوضاع النقد الأجنبى لدينا جيدة، وبالطبع سيكون هناك تأثيرات على التدفقات نتيجة تداعيات فيروس كورنا، لكن لدينا 45 مليار دولار احتياطى نقدى وكذا بالبنوك نحو 19 مليار دولار أرصدة بالنقد الأجنبي، كل ذلك يدعم اتزان سعر الصرف، ولا أستبعد أن يشهد الجنيه المزيد من التحسن أمام الدولار فى الفترة المقبلة.

ولو أننا تطرقنا هنا إلى تأثيرات التعامل بالكاش مثلًا على أرقام تدفقات النقد الأجنبي، سنجد مثًلا أن إجمالى تحويلات المصريين بالخارج الحقيقية تبلغ 34 مليار دولار خلال العام الماضى وليس 26 مليار دولار.

 والمشكلة هنا أيضًا هى الكاش، حيث إن 26 مليار دولار يتم تحويلها من الخارج للبنوك مباشرة، بينما هناك مصريون يجلبون «نقد كاش» أثناء العودة من الخارج، فكيف أعرف القيمة التى تدخل كاش، يتم معرفتهم حينما يقومون بإيداع هذه الأموال فى البنوك فينتج عند البنوك فائض نقد أجنبى تقوم بتصديره للخارج.

ويبحث البنك المركزى مع صندوق النقد الدولى إعادة النظر فى كيفية احتسابه لأرقام ميزان المدفوعات، لتضاف كافة موارد النقد الأجنبى لأنها فى الفترة الحالية لا تعكس الوضع الحقيقى للاقتصاد فى الدولة، وكلما نجحنا فى ضم القطاع غير الرسمى للقطاع الرسمى ينعكس هذا على الاقتصاد ويمكن الدولة من جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

■ فى الأزمات تكمن الفرص.. ما الفرص التى تلوح لمصر فى ظل أزمة فيروس كورونا؟

الأزمة الحالية لها العديد من الجوانب الإيجابية كما أن لها آثارا سلبية على الاقتصاد، ومن الأمور الايجابية أن وفرت مصر 3.5 مليار دولار كان يدفعها المصريون للسفر للخارج سواء للسياحة أو العمرة، كما أنها تدفعنا دفعًا نحو نشر المدفوعات الالكترونية الأكثر أمانًا، والتى تبعدنا عن العدوى، كما أنها فرصة لزيادة الانتاج المحلى من المصانع والشركات للوفاء باحتياجات السوق، وهو الأمر الذى يدعمه البنك المركزى بمبادرات كثيرة لدعم الصناعة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة.

■ هل ينتابكم القلق من حالة الارتباك الاقتصادى التى تضرب العالم؟

لا يوجد قلق، بل إصرار وأمل على المساهمة فى إحداث تغيير نحو الأفضل، ولو أننى غير متفائل لتركت أنا وزملائى العمل لآخرين يتحلون بالتفاؤل، فالمسئول لابد أن يكون لديه التفاؤل، كما لابد أن تكون لديه الثقة والقدرة على المساهمة فى إحداث التغيير المطلوب.

■ هل تعتقد أن بنوك الدولة تقوم بدورها كما ينبغى لمساندة الاقتصاد؟

بنكا الأهلى ومصر يقومان بدور هام جدًا فى مساندة الاقتصاد، فهما يساهمان بقوة فى تمويل المشروعات والأفراد وتمويل الحكومة، كل ذلك لم يكن يحدث لولا الاصلاح المصرفى الكبير الذى عزز من قدرة بنوك الدولة.

وقد توليت فى 2008 رئاسة البنك الأهلى وواجهت وقتها مقاومة كبيرة، خاصة أننى قمت بتغيير الإدارة، إلا اننى استطعت زيادة أرباحه بشكل كبير، وقد نمت هذه الأباح من 200 مليون جنيه فى ذلك الوقت إلى أن وصلت فى الوقت الراهن أكثر من 20 مليار جنيه فى الوقت الحالي.

ميزانية البنك الأهلى كانت 60 مليارا حتى أصبحت حاليا تريليونا ونصف التريليون جنيه، البنك الأهلى «شايل البلد»، حيث إنه يمول القطاع الخاص والحكومى ومرتبات الحكومة والمعاشات ويمول الأفراد والمشروعات، وبنكا الأهلى ومصر مملوكان للدولة بنسبة 100%.

■ لماذا نحن الآن فى وضع مختلف عن ذى قبل؟

نحن فى وضع مختلف بسبب الجرأة فى اتخاذ القرارات، والفكر المختلف لدى القيادة السياسية ودعمها للحلول الجذرية والابتعاد عن أنصاف الحلول، فقرر مثل تحرير سعر الصرف، لم يكن ليتخذ لولا دعم القيادة السياسية، وفى السنوات الثلاث الماضية نفذت البلاد برنامج اصلاح اقتصادى قوي، استطعنا من خلاله إحداث طفرات، سواء فى الميزانية العامة التى كانت تعانى من العجز الكبير إلى تحقيق فوائض أولية فى الوقت الراهن، كما تم تنفيذ مشروعات ضخمة ساندت الاقتصاد فى الوقت الراهن، وستدعم تحقيق نمو مرتفع بعد تجاوز الأزمة الحالية، ونحن فى البنك المركزى لن نتأخر عن اتخاذ كافة الاجراءات المناسبة لدعم الاقتصاد ومساندة أجهزة الدولة المختلفة، فنحن الآن نعمل معًا، كافة مؤسسات الدولة تعمل بتنسيق غير مسبوق.