الإثنين 3 أغسطس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
احمد باشا

قرأنا لك من صفحات التاريخ

الإسلام وأصول الحكم.. دعوة لفصل «الدين» و«الدولة»

أحيانا ما يلعب الدين دوراً حيوياً فى بعث الطمأنينة والاستقرار خلال فترات الأزمات وهو ما يقوم به كتاب «الإسلام وأصول الحكم» الصادر عام 1925 للشيخ على عبدالرازق، والذى أصدرت مؤسسة أخبار اليوم مؤخرا طبعة جديدة منه، وكان عبدالرازق أحد قضاة المحكمة الشرعية المغمورين آنذاك، الذى شن هجوما جذرياً على كل من الوضع المحدد للخلافة والفهم الإسلامى التقليدى لطبيعة المؤسسات السياسية الإسلامية، الأمر الذى فجر واحدة من أكبر المناظرات الدينية/ السياسية التى شهدتها مصر خلال فترة ما بين الحربين.



المقولة الأساسية فى الكتاب هى عدم وجود أساس شرعى للخلافة الإسلامية. ولم يقوده بحثه فى القرآن والسنة إلى أى أساس واضح للمؤسسة، وقد اصطدم مبدأ فصل الدين عن الدولة بحقيقة أن الدين الإسلامى قد جمع منذ الدولة الإسلامية الأولى بين الممارستين والقيادتين الدينية والسياسية فى شخص النبى محمد صلى الله عليه وسلم الذى أسس هذه الدولة فى المدينة. وهو يرى أن المصادر القرآنية إما سكتت أو كانت غامضة،فيما يتعلق بقيادة الجماعة الإسلامية بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم.

ويرى عبدالرازق أن الخلافة كانت نكبة على الإسلام والمسلمين، وينبوع شر وفساد، لأنها كانت مفروضة إما بالقوة أو الخديعة بعد جيل الخلفاء الراشدين، انطلاقا من رغبات البشر لا اعتمادا على تعاليم الإسلام» لقد فشا بين المسلمين منذ الصدر الأول، الزعم بأن الخلافة مقام دينى، ونيابة عن صاحب الشريعة عليه السلام»، ويضيف عبدالرازق: «كان من مصلحة السلاطين أن يروجوا ذلك الخطأ بين الناس حتى يتخذوا من الدين دروعاً تحمى عروشهم وتذود الخارجين عليهم». ويرى عبدالرازق أن الوحدة التى تحققت على يد الرسول صلى الله عليه وسلم كانت وحدة دينية لا سياسية، والمسلمين المحدثين أحرار فى تنظيم شئونهم «على أحدث ما أنتجت العقول البشرية»، فالعرب يشكلون أمما مختلفة سواء فى عهد النبى أو بعد ذلك. فكانت وحدة العرب فى العهد النبوى وحدة إسلامية لا سياسية، «وكانت زعامة الرسول فيهم زعامة دينية لا مدنية، وكان خضوعهم له خضوع عقيدة وإيمان، لا خضوع حكومة وسلطان» كما أن النبى صلى الله عليه وسلم قد لحق بالرفيق الأعلى من غير أن يسمى أحداً يخلفه من بعده، ولا أن يشير إلى من يقوم فى أمته مقاما، بل لم يشر عليه السلام - والحديث لعبدالرازق- إلى شىء يسمى دولة إسلامية، أو دولة عربية. ويدعو الكتاب إلى الفصل التام بين «الدين» و»الدولة» فى الإسلام، فيما يتعلق بالمؤسسات السياسية التقليدية للجماعة الإسلامية صراحة، وضمنيا فيما يتصل بمجمل الشريعة. كما أن الإسلام لا يمنع التقسيم السياسى للعالم الإسلامى إلى وحدات قومية.

وكان على عبدالرازق من المتعاطفين سياسيا مع حزب الأحرار الدستوريين، حيث برزت أسرته فى قيادة هذا الحزب، ومن خلال حوالى مائة وخمسين إشارة إلى «الملك» و«السلطان»، تنتقد معظمها حكاماً فرديين فى التاريخ الإسلامى. هناك مقارنات واضحة مع نظام الملكية الذى ظهر حينها فى مصر، وكذلك تحذيرات ضمنية من تزايد خطر الاستبداد الذى يمكن أن ينجم عن تقوية وضع الملك من خلال الفوز بالخلافة. وفسر البعض الكتاب باعتباره هجوماً سياسياً على الملك وأطماعه فى الخلافة. وسرعان ما تعرض الكتاب لحملة من الانتقادات من جانب الصحافة الموالية للملك التى كانت ترى الكتاب يهدف إلى تقويض العرش المصرى والتاج المصرى، وذات الملك فؤاد.

وأزعج الكتاب علماء الدين المقربين من الملك، فكان الرد بإحالة «على عبدالرازق» إلى لجنة كبار العلماء، بسبب إنحراف آراء عبدالرازق عن الفهم التقليدى لأقرانه، مثل نظرته للشريعة الإسلامية باعتبارها شريعة روحية، وإنكاره للبعد السياسى للرسالة المحمدية، وانتقاده للأسس الدينية لخلافة» أبوبكر الصديق» وسائر الخلفاء الراشدين، واتهم بعد الرازق بتبنى وترويج أفكار محظورة، وبناء عليه تقرر إخراجه من زمرة العلماء.

ونشأت مناظرة بين اثنين من أكبر الأحزاب السياسية المصرية الرائدة فى حينها «الوفد» و«الأحرار الدستوريين»، فسعد زغلول  انتقد الكتاب بشكل شخصى واعتبر عبدالرازق «جاهلاً بأمور دينه» وكان مؤيداً لعقابه من جانب المؤسسة الدينية. كما كان هناك اتجاه لدى زعماء الوفد وسط حالة الفراغ السياسى للعام 1925 لرؤية المناظرة كمعول يمكن استغلاله لشق صفوف غرمائهم من الأحرار الدستوريين، فكان الاتجاه الأولى للوفد الهجوم على الكتاب لتحريفه الإسلام، واستغلال الضجة التى أحدثها الكتاب لإدانة المنافسين «الأحرار الدستوريين» على آرائهم. لكن الموقف الوفدى من الصراع تغير بمرور الوقت، لأن الجدل حول الكتاب أثار قضية مهمة وهى الحجر على حرية التفكير، وأدرك الوفد مغزى القضية فى نضاله ضد القصر، فانتقدت الصحافة الوفدية الهجوم على «عبدالرازق» باعتبارها تهدد حرية التفكير فى مصر.

فى المقابل كان كتاب «على عبدالرازق» فى هجومه على الحكم الفردى والاستبدادى، جزءا لا يتجزأ من النظرة السياسية للأحرار الدستوريين، وانتقدت صحافة الأحرار الإجراءات التعسفية ضد الشيخ، انطلاقاً من أن هيئة العلماء ليس من حقها إصدار قرار فى حق واحد من موظفى الدولة فكان على عبدالرازق يعمل قاضياً بالمحكمة الشرعية، وطرده من هيئة العلماء يترتب عليه بالضرورة عزله من وظيفته. كما أن الإجراءات التى اتخذت فى حق «عبدالرازق» تعد انتهاكاً لدستور 1923،الذى يضمن لكل مصرى حريته فى التفكير.

ويخلص عبدالرازق إلى أن الإشكالية الأساسية فى معظم دول العالمين العربى والإسلامى لا تكمن فى العلاقة بين الدين والسياسة، ولا فى انفصالهما أو ارتباطهما، بل هى الأساس فى توظيف الدين لخدمة السياسة؛ أى توظيف الثابت لخدمة المتغير، وارتهان الدين بكل ما يملك من قوة روحية هائلة إلى عالم السياسة بكل ما يتسم به من مناورات ومساومات وصفقات، وفى ذلك إساءة إلى الدين وإرباك للسياسة بحكم ارتهانها لثوابت يصعب الالتفاف حولها أو الفكاك منها، وهى التى تتسم بالتغير المستمر وتتطلب قدراً كبيراً من المرونة.

وتتمسك جماعات الإسلام السياسى بأن نظام الخلافة هو الشكل الأساسى المقبول للحكم، فالمجتمع الإسلامى فى العهد الأول لا يزال يقدم إلهاما وأجندة عمل للجماعات الدينية السياسية من دون اجتهاد فقهى يأخذ فى الاعتبار تطورات القرون التالية لذلك العهد، بحيث يبدو المجتمع الإسلامى متفاعلا مع عصره ومستوعبا لتطوراته ومتغيراته، وتستخدم معظم هذه الجماعات الإسلام عقيدة للمعارضة؛ إذ تطرح نظام الخلافة كصيغة للحكم، ومن ثم يصبح الدين وسيلة أو أداة للحكم أو المعارضة السياسية.