الإثنين 3 أغسطس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
احمد باشا

روشتة أزهرية للتعامل مع ضحايا التحرش والاغتصاب

حالة من الاحتدام فى وجهات النظر والآراء أثيرت مؤخرًا بسبب تنامى ظاهرة التحرش التى قد تصل إلى الاغتصاب، وضجّت مواقع التواصل الاجتماعى ما بين مؤيد ومعارض حول خروج الفتاة التى تعرضت لأى نوع من التحرش والمجاهرة بذلك فى محاولة لفضح الجاني، فيما فضل آخرون التكتم على ذلك من باب الستر، فيما كان للعلماء رأى آخر وضع روشتة واضحة لكيفية التعامل مع من تعرضن للتحرش أو الاغتصاب. 



وقد تفاعلت المؤسسات الدينية مع الحراك المجتمعى الدائر بشأن قضية التحرش وحرية المرأة على مدار الأيام الماضية، فأصدر مركز الأزهر العالمى للفتوى الإلكترونية بيانا يتضمن 9 توصيات للحد من ظاهرة التحرش، وفيه جاء: «سعى الإسلام بمنظومته التشريعية والقيمية لإقامةِ مجتمعٍ فاضلٍ، تسودُه قِيَمُ العفَّةِ والطَّهارةِ، وتظلُّه شجرةُ الأخلاقِ الوارفةُ، مجتمعٌ يتجنب الموبقاتِ الأخلاقيةَ، والسلوكياتِ الخاطئةَ التى تضرُّ بالفرد والمجتمع على السَّواء».

وجاءت التوصية الأولى فى بيان «العالمى للفتوى» صريحة تنص على: «تدعيم الفتيات حين المطالبة بحقهنَّ، والقصاص من المُتحرش المُعتدى عليهنَّ؛ لا النَّيل منهنَّ، أو الاستخفاف بآلامهنَّ وآلام أُسرهنَّ»، والمطالبة بالحقوق هنا تعنى المساعى القانونية التى قد تتخذها الفتاة وأسرتها ضد المتحرش أو المتهم بالاغتصاب.

من جانبها قالت دار الإفتاء المصرية: إن إلصاقُ جريمة التحرش النكراء بقَصْر التُّهْمَة على نوع الملابس وصفتها؛ تبريرٌ واهمٌ لا يَصْدُر إلَّا عن ذوى النفوس المريضة والأهواء الدنيئة؛ فالمسلم مأمورٌ بغضِّ البصر عن المحرَّمات فى كل الأحوال والظروف. 

الدكتور على جمعة، مفتى الجمهورية الأسبق، وعضو هيئة كبار العلماء له رأى فى قضية التحرش، حيث قال: إن الاستهانة بالمعصية فتحت الباب أمام التحرش الذى لم يكن موجودا فى السابق بهذا الشكل، فقديما كانت مسألة العفاف أساسية والمجتمع المصرى كان ينظر للعفاف على أنه الأصل، وإذا حدث انحراف من الجانبين فإنه خلاف الأصل. وتابع المفتى الأسبق: «هناك حالة من شيوع الاستهانة بالعفاف، فلم يكن هناك تحرش جسدى بالتلامس فى الماضي، بل كان غزلًا فى غير موضعه، وما نحن فيه الآن أشد وأنكى لأنه وصل لمد اليد على جسد الأنثى»، ورغم ذلك لا يرى «جمعة» أن التحرش الجسدى قد وصل لـ«الظاهرة» الذى يتخطى حدوثها نسبة 12.5%.

وأكد الدكتور على جمعة, أن البنت قد تكون مُخطئة بسبب تبرجها الزائد، وهنا يستوجب عقابها من جانب الأهل، لكن ذلك ليس مسوغًا لارتكاب التحرش من جانب الرجل الذى أمره الله بغض البصر، حيث قال: «المعصية لا تواجه بمعصية أخرى، فالبنت التى تبرجت غاية التبرج فليرفضها المجتمع، لأنها فعلت ذلك من باب لفت الأنظار وسماع المدح، وهنا يرفضها المجتمع ويلفظها لكن هذا لا يتيح إطلاقًا وقوع البنت فى المعصية واغتصابها من الولد أو التحرش، والولد يجب أن يضبط نفسه».

وأرجع «جمعة» صعوبة حل مشكلة التحرش فى مصر إلى تعداد السكان الذى تخطى 100 مليون نسمة، والذى يمنع الضبط والربط، موجها حديثه للبنات: «اتق الله فى نفسك عند خروجك من المنزل واحترمى نفسك والآخرين بملابس مناسبة، وكذلك أقول للولد اتق الله ولا ترتكب المعصية التى ستعاقب عليها فى الدنيا والآخرة».

وأمام خيارين أحلاهما مُر، تجد ضحية التحرش أو الاغتصاب نفسها، فما بين الرغبة فى ملاحقة الجانى والمطالبة بعقوبته، تبرز غريزة الخوف من الفضيحة، وترفض الكثير من الفتيات الإفصاح عن قصص تعرضهن للتحرش أو محاولة الاغتصاب، وهو ما توضحه الدكتورة آمنة نصير، أستاذ العقيدة والفلسفة الإسلامية، وعضو مجلس النواب، الذى أكدت قائلة: «إذا وقع المحظور فى حق الضحية، توجب عليها التقدم ببلاغ رسمى لحماية المجتمع من ذلك المتحرش الذى لم يتلق التربية الجيدة، فالبنت فى الشارع لها حرمة كما نص ديننا الحنيف».

وتابعت «نصير» فى تصريحاتها لـ«روزاليوسف»: «الدين لم يطلب من ضحايا التحرش بشكل أو بآخر التستر على المجرم أو الخوف من المطالبة بمعاقبته، لأن هذا التستر فى حد ذاته جريمة، إذ يُمكن المتحرش من الاستمرار فى مزاولة انحرافاته وجرائمه».

ومن ناحية أخرى، طالبت أستاذة العقيدة الإسلامية الفتيات بتقدير مسئولية مظهرهن عند الخروج إلى الشارع، لحمايتهن من العيون الوقحة، متابعة: «القاعدة الأساسية فى الإسلام هى غض البصر للرجل والمرأة، ومع ذلك لا يبيح القرآن التطاول على الفتاة بدعوى تبرجها، ولكن يجب أن تضع الأنثى حسابا للشارع وللعيون التى لا تستحى من الله ولا تأتمر بأمره».

بينما فرّق الدكتور أحمد حسين، عميد كلية الدعوة الإسلامية بجامعة الأزهر فى القاهرة، بين نوعين من جرائم التحرش وهتك العرض والاغتصاب، فقال: «هناك جريمة ليست للفتاة يد فيها، وهذه تُسمى بالحرابة، فمثلا لو أن فتاة تسير وحدها أو بصحبة أخيها وتعرضت للخطف على يد بلطجية قاموا باغتصابها، هنا وجب على الفتاة أن تسارع بالإبلاغ حتى تحصل على حقها ولا مجال للتستر على الجريمة بأى حال من الأحوال، وكذلك هو الحال مع جرائم التحرش التى ليس للفتاة دخل فيها».

وتابع عميد كلية الدعوة: «هناك نوع آخر ينطبق عليه قول إذا بُليتم فاستتروا، وهى الفتاة التى تعرضت لإغراء أحد الشاب ووعدها بالزواج فمارس معها الفحشاء، أو سهّلت له مواعدتها والإنفراد بها فتحرش بها، وهنا الأولى أن تستر على نفسها ولا تبادر بالمجاهرة، لأنها مشاركة فى تعرضها لهذه الجريمة، ويُحل الأمر بشكل ودى بين الطرفين لو تطور للاغتصاب».

وأوضح الدكتور حسين أن كل حوادث التحرش والاغتصاب التى بها مقاومة من جانب الفتاة تندرج تحت مسمى «الحرابة»، وهنا الفتاة مجنى عليها وليست جانية، والدين يشجعها على أخذ حقها بكل السبل من خلال القانون، مؤكدا أن أجهزة الأمن لا تتهاون مع جرائم العرض والشرف. 

جريمة مزدوجة

من جهته أكد الدكتور أحمد كريمة، أستاذ الشريعة الإسلامية والفقه المقارن بجامعة الأزهر, أن التحرش جريمة مزدوجة بين الشاب والفتاة فى كثير من الأحيان، متابعًا: «الأنثى عليها مسئولية لحماية نفسها من جرائم التحرش فى مجتمعنا الحالي، فيجب أن تتحشم ولا تتكسر فى كلامها، وهذا لا ينفى أن التحرش جريمة يجب أن يُعاقب عليها المرتكب مهما كانت ملابس الفتاة، ولا نلقى باللوم على طرف دون آخر».

وتابع كريمة  فى تصريحاته لـ«روزاليوسف» قائلا: «التحرش الجنسى حرام لأنه من مقدمات الزنا وفعل قوم لوط إذا كان بالولد، وهو خطوة من خطوات الشيطان، لذا فإن غض البصر أمر إلهى ورد فى القرآن الكريم بالآية 30 من سورة النور: قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ.. الخ».

وحول ظاهرة التحرش  مجتمعيًا قالت الدكتورة سوسن الشلاح، أستاذ علم الاجتماع: إن تقرير منظمة الأمم المتحدة أكد أن امرأة من كل 3 سيدات على مستوى العالم تتعرض للتحرش الجنسى خلال مسيرة حياتها وهو ما يشير إلى ارتفاع معدلات التحرش فى العديد من دول العالم.

ولفتت أستاذ علم الاجتماع، إلى أن هناك دولًا عديدة تتزايد فيها معدلات التحرش على رأسها باكستان ثم الكاميرون، موضحة أن زيادة معدل التحرش الجنسى يتطلب قوانين صارمة تمنع هذا السلوك، مشيرة إلى أن البعض يحاول تبرير انتشار ظاهرة التحرش بملابس المرأة.

كما تشير إحصائية نشرها موقع (World Population Review) إلى أن حوالى 35% من النساء حول العالم عانين من بعض أشكال التحرش الجنسي، وأن فقط 40% منهن يطلبن المساعدة، وأقل من 10% منهن يلجأن للقانون لإنصافهن.