الإثنين 3 أغسطس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
احمد باشا

قصة قصيرة

صديقى القديم 

قابلنى فى ذلك اليوم فيم كنت هائماً على وجهى فى شوارع المدينة كالعادة،



اليوم هو أول الشهر، عائد من عملى أفكر فى الذهاب إلى أى مكان والترويح عن نفسى قليلاً، العودة إلى شقتى تعنى الوحدة والاستلقاء وسط طنين الذباب المزعج والعرق اللزج حتى الصباح التالى، ذهنى مشوش، لم أقرر بعد إلى أين أتوجه..

رأيته مقبلاً نحوى بنظرة ملؤها الدهشة، ظننت أنه ينظر لشخص ما خلفى فتجاهلته تماماً حتى استوقفنى صائحاً : - والله زمان يا محمد … عامل أيه 

= ها ؟!!.. محمد مين حضرتك ؟ 

- أنت مش فاكرنى ولا أيه ؟

= ما يتهيأليش إنى شفت حضرتك قبل كدا.. ثم أنا مش محمد.. أنا محمود... محمود حسن

- آه محمود معلش.. ازيك يا محمود.. بس أنت مش فاكرنى؟!

= آسف والله.. مين حضرتك؟

- أنا حبيبك وصاحبك من أيام الإعدادية.. محمد.. يا راجل مش فاكرنى!!  دا أحنا كنا بنقعد جنب بعض فى تختة واحدة..

تملكنى حرج غامر ولم أدر ماذا أفعل.. أنا لا أذكر ماذا تناولت فى فطورى وهذا الرجل يريدنى أن أتذكره بعد 20 عاماً..

من الممكن أنه كان لى عشرة أصدقاء يسمّون محمد، تأملت وجهه قليلاً لكنى لم أتذكر شيئاً.

إن ذهنى مشوش هذه الأيام.

لكن وجه الرجل يطفح بالصدق والتأثر وتكاد الدموع تفر من عينيه 

هززت يده وابتسمت ورفعت حاجباى صائحاً 

- أهلااا محمد.. والله زمان يا صاحبى.. افتكرتك دلوقت عامل ايه وكيف أحوالك..

بان الارتياح على وجهه واتسعت ابتسامته وهو يلهج بالحمد وشكر نعمة الله عليه وإذا به يقسم أن نجلس معاً على المقهى القريب.

تبعته فى صمت وأنا أكد ذهنى لتذكر أى شىء بلا جدوى.

لكن ليكن.. ما هى إلا دقائق واتخلص منه.. إن يومى فارغ على أية حال..لن يضيرنى الجلوس قليلا على المقهى.

جلسنا سويا على منضدة على الشارع وأخذ يتأملنى ويتأمل ملابسى فى نظرة ملؤها الحنين وابتسامة واسعة تشع بالطيبة والحب.

أخذ يسألنى عن أحوالى وأحوال أسرتى حكيت له، وأخبرنى هو كيف أنه غادر المدرسة الثانوية وافتتح مشروعه الخاص وكيف أن الحياة ابتسمت له وتزوج وأنجب طفلين، وأنا أتابع حديثه بهزات من رأسى وتمتمات غامضة.

- ربنا أدانى حنان وشيماء، والتالت جاى فى السكة.

جاملته بابتسامة خجلى.

= ربنا يبارك فيهم ويخليهم لك 

- ربنا يخليك، وأنت لسه ما دخلتش دنيا ولا أيه ؟

= لسه والله.. ربنا ييسر 

- ربنا يرزقك ببنت الحلال.. أنت تستاهل كل خير يا محمود والله..

استمر الحديث قليلاً  ثم استعد للمغادرة بعد أن أقسم على دفع الحساب.

أعطانى ورقة مطوية قال إن بها رقم تليفونه، فلابد ان نتواصل ولو كل حين

هززت رأسى مؤكداً ووضعتها فى جيبى وقمت لأودعه.

احتضننى طويلاً وهو يشكر الصدف التى جمعتنا بعد هذه السنوات ثم غادرنى والدموع تتلألأ فى عينيه.

غادرت أنا الآخر وأشرت لسيارة أجرة وقد قررت الذهاب للسينما، جلست والابتسامة تملأ وجهى ويغمرنى شعور بالسعادة والارتياح للقائى مثل هذا الشخص الطيب دمث الخلق وإن كنت لا أذكره 

أحسست بالعار والخجل من ذاكرتى الواهنة وذهنى المشوش.

طافت فى ذهنى خيالات عن محمد صديق الإعدادية.

سأذكر كل شىء حالما أجلس مع نفسى قليلاً.

نعم نعم بالتأكيد.

مددت يدى لجيبى لأنقد السائق أجره لكنى لم أجد حافظة نقودى.

بحثت فى كل جيوبى لكنى لم أجدها.

وجدت الورقة المطوية التى  أهدانى إياها صديقى الطيب تحوى رقم هاتفه.. فتحتها فوجدتها فارغة 

اتسعت ابتسامتى وأنا أغمض عينى واريح راسى للخلف 

ياله من صديق طيب.

إن ذهنى مشوش هذه الأيام.