الثلاثاء 27 أكتوبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
احمد باشا

درس الحرمان

 استيقظت مبكرًا استعدادًا ليوم جديد من العمل بعد أن قُررت عودتنا إلى أعمالنا مع الالتزام التام بالإجراءات الاحترازية، نهضت متثاقلا؛ رغم بقائنا طيلة أسابيع مضت في البيتكانت كافية لتمنحنا الاسترخاء، ولكنه الاسترخاء الظاهري الذي يُكدس الآلام في الجسد هو ما تم تحصيله، فربما هي إحدى تناقضاتنا، وربما هو التمرد على الجبرية ،جبرية ذلك الواقع وفروضه علينا بالبقاء بين أربعة جدران تضيق أو تتسع ولكن تبقى أربعة جدران نتحرك بداخلها دون هدف، أنهيت استعدادي لبدء ذلك اليوم الجديد، تُرى كيف سيكون الحال في الخارج حدثت نفسي وكأنني أعيش أحد الأفلام الأمريكية التي تنبأت بنهاية العالم ومن ثم يخرج البطل في النهاية ليرى من بقي معه وكأن النهايات تخلف أحد وراءها، بسمة ساخرة صاحبت هذه الفكرة قبل أن تختفي نصف ملامحي فور ارتداء ذلك الشيء، يخفي نصفا ويظهر الآخر وكأنه يحمي ذلك النصف ويعاقب الآخر باللامبالاة أو يعاقب الاثنين بتلك الصورة الغريبة التي كونها لهما .



 نزلت إلى الشارع ولكن، لم أكن وحدي من بقي، بل وجدت الآلاف مني ، الهيئة نفسها، الوجه نفسه، رأيتني في كل الوجوه ولم أعد اعرفني، خفت من التيه وسط هذا العدد الهائل مني ،تلمست وجهي لأتاكد من حقيقة نفسي، لم أكن أحلم ولم أكن سرابا، فقط حقيقة غير مفهومة، حاولت الهرولة إلى البيت هربا من هذه النسخ التي تطاردني، ولكن سرعان ما تذكرت بأنه اليوم الأول للعودة ولايمكن الرجوع فقررت المضي في هذا العالم الغريب .

ثم تتعاقب الأيام والاسابيع  ونفس الصباح كل يوم، استيقظت هذا اليوم ولكن بشعور آخر لا أعرفه ولكنه مختلف عن كل الأيام الماضية ،نظرت في تلك المرآة المقابلة لسريري لطالما كان ذاك مكانها ولكنني اليوم أشعر وكأنها قطعة فنية جديدة أضيفت إلى غرفتي،كم كنتي شاهدة على الكثير أيتها المرآة؛ فكم من دمعة  أبت أن تظهر لسواكي، وكم من بسمة ارتسمت خلسة رافقت لحظة ما في صفحات الذاكرة،نظرة إعجاب من أحدنا بنفسه، أوملامح جنون تكسر طيات ملل خانق أصاب أحدنا ، تمعنت فيها “لنلتقي” ، نعم إنه “وجهي” ، كم اشتقت إلى هذا الوجه ،كم اشتقت إليك مكتملا ، آراك طيلة اليوم جزءا، أصبحت صُحبتك مكتملا حُلم بعيد في هذا الكابوس الذي نعيشه، كم تذمرت عليك ضربتك كفا في كل خيبة أو لحظة خذلان، أهملتك ولم أعد أكترث لما خربشته خطوط الضيق على ملامحك ،استنكرت مكوناتك فتمنيت لو أن تلك العيون أكثر اتساعًا أو ذات لون آخر يصبغها جمالًا ،أو أن تلك الأنف أكثر حدة واستقامة، أوأن تلك الشفاة أصغر وأكثر حمرة، ولوأن ذلك السطح الذي يضمهم أكثر بياضا لأكون أكثر جذبا وسحرا أكثر وسامة، ثم زفرت مكشرا وفارقتك بنظرة لامبالية لتلك المكونات التي لم تكن ترضيني،حتى جاء عقابك ، بحرماني من نصفك .

ولكن من أين تعرفت عليه ؟متى قابلته واتفقتما معا علي؟ ذلك الوباء الذي فرض علي إخفاء نصفك ! ذلك الضيف الغريب الذي لم يحل سهلا على بلاد العُرب كعادة العجم ، متى يكون منه الرحيل ومنك الاكتمال؟ ،رجاء أجبني أيها الوجه ،صرت آراك في كل الوجوه ،أصبحت انعكاسا في مرايا الجميع وكأنني ملايين من النسخ الناقصة ،الجميع يشبهني ولكنهم لست أنا ، كم أنه ثقيل عقابك، هل صمت طيلة ما مضى لتباغتني بهذه الصفعة؟ صفعة الحرمان من بعضك لتجعلني نصف لايكتمل ؟

 هاآنذا أقف أمامك عاجزًا فهل سيجدي طلب الصفح؟ تعتقد أنني سأعود كما كنت؟،

 لا لا أنت مخطيء صدقني ،لن يعد شيء كما كان ناقصا يكفي أن تعود مكتملا، لن يكون أي من أولئك الملايين المتشابهين متشابهين مع سابقيهم ليس بعد الآن، فالعقاب كان أقسى من العودة للوراء ،هلا أخبرتني رجاء متى ينتهي درس الحرمان؟ .