الثلاثاء 27 أكتوبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
احمد باشا

مخالفة التوقعات الإفريقية

«جليك».. نسر الشعر الأمريكى تختطف نوبل للآداب

المتأمل لحال الكرة الأرضية ظهر الخميس الماضى كان يرى الجميع متجهًا نحو بقعة فى شمال أوروبا وهى العاصمة السويدية ستكهولهم, حيث مراسم الإعلان عن أبرز جائزة فى الأدب وهى نوبل للآداب.



 كان أهل اليابان مستعدين بالأنخاب فى انتظار لحظة طال انتظارها لتتويج أديبهم الأشهر فى العصر الحديث «هاروكى موراكامى» وكانت قارة إفريقيا تحبس أنفاسها من منطلق أنها  الأحق، بينما تبدو كندا واثقة بالفوز.

لكن الأكاديمية السويدية لم تتخل عن مبدأها الشهير «خالف تعرف» حيث ناقضت كل التوقعات ومنطق التوزيع الجغرافى العادل ودرجة انتشار الكاتب عالميًا عبر الترجمة، واختارت شاعرة أمريكية لم يرد اسمها فى قائمة التوقعات وتوصف بأنها «مجهولة» إلى حد ما عالميًا, حيث لم تتجاوز شهرتها حدود الولايات المتحدة- برأى النقاد رغم أنها تلقب لدى الأمريكيين بـ«أميرة الشعر» و«ملكة الثلج».

 منحت الأكاديمة نوبل للآداب لعام 2020, للشاعرة الأمريكية المعاصرة «لويز جليك» (77 عامًا) عن ديوانها «السوسنة البرية» وأشادت الأكاديمية بـ«صوتها الشعرى المميز، والذى يُضفى بجماله المجرد طابعًا كونيًا على الوجود الفردي». ووصفت الأكاديمية مجموعتها الشعرية «أفيرنو» (الجحيم) بأنها «مجموعة كُتبت ببراعة، وتفسير رؤيوى لأسطورة بيرسفونى ونزولها إلى الجحيم بعد أن يأسرها هاديس إله الموت».

وأشاد رئيس لجنة جائزة نوبل، أندرس أولسون، بصوت الشاعرة «الصريح والصلب والمليء بروح الدعابة والسخرية اللاذعة»، وقال: إن «مجموعاتها الشعرية الاثنتى عشرة» تتميز بالتوق إلى الوضوح، وأضاف مقارناً إياها مع الشاعرة أميلى ديكنسون بـ «صرامتها الأخلاقية وعدم رغبتها فى قبول مبادئ الإيمان البسيطة».

وتعد الشاعرة من ألمع شعراء أمريكا حاليًا وهى تعيش فى بلدة «كامبريدج» بولاية « ماساتشوستس».

أساطير إغريقية وفقدان أخت

ولدت  «لويز جليك» فى 22 أبريل عام 1943 فى نيويورك لعائلة يهودية هاجرت من المجر ونشأت فى حى «لونج آيلاند» لأب يعمل بالتجارة وأم ربة منزل. 

كان لوالديها الفضل الأكبر فى موهبتها الشعرية, حيث اهتمّا بالأدب والكتابة وكان والدها يحلم بأن يصبح أديبًا وتلقت أمها تعليمها فى كلية «وليسلى» وهكذا بدأت منذ نعومة أظافرها فى قراءة الشعر. كما تلقت عن والديها تعليمًا للأساطير الأغريقية مثل الإلياذة والأوديسا والقصص الدينية، وهو ما انعكس على شعرها.

ماتت أخت لها قبل ولادتها ورغم ذلك تأثرت بموتها كثيرًا للدرجة التى ترجع فيها إصابتها فى المراهقة بمرض فقدان الشهية لفقدان أختها وقالت فى إحدى مقالاتها : «لم يكن موتها تجربتى، لكن غيابها كان كذلك».

وكان عليها دومًا نيل رضاء والدتها بينما انصرف والدها الذى وارى حلمه فى أن يصبح أديبًا فى عالم التجارة, حيث كان بقالًا واخترع مع شريك له «سكين» مشهور، بينما ظهرت أختها الأصغر فى أشعارها بصورة متناقضة؛ أحيانًا حليفة وأحيان أخرى منافسة، وهكذا عاشت فى بيت تصفه صحيفة «ذا نيويوركر» أشبه بساحة معركة فى حالة هدنة.

الشعر من رحم المعاناة

وعن مشوارها الأكاديمى، لم تحظ «جليك» بتعليم مستقر بسبب إصابتها فى المراهقة بمرض فقدان الشهية العصبى، ما أجبرها على التخلف الدراسى لمدة 7 سنوات حتى تتمكن من العلاج ولذا لم تلتحق بالجامعة.  

لكنها التحقت بدورة شعرية فى كلية سارة لورانس فى الفترة من عام ١٩٦٣ حتى عام ١٩٦٥، وفى النهاية تدربت على شاعرين: الأول ليونى آدامز، ثم ستانلى كونيتز والتقت بهما خلال فترة وجيزة فى جامعة كولومبيا وفيما بعد قامت هى بتعليم الشعر بجامعة كولومبيا.  كما عملت أستاذة للأدب الإنجليزى فى جامعة ييل الأمريكية، ومحررة لسلسلة المختارات الشعرية (أنثولوجي) «أفضل الشعر الأمريكي» عام 1993.

نشرت ديوانها الأول «البكر» عام 1968 وهى بعمر الخامسة والعشرين بعد تخرجها فى جامعة كولومبيا وسرعان ما اشتهرت وبلغ مجموع دواوينها ومؤلفاتها سبعة عشر ديوانًا منها «وجه يدنو» و«انتصار أخيل» و«السوسنة البرية» و«افيرنو» عام 2006 الذى يعتبره النقاد الأمريكيون الديوان الأهم فى مسيرتها الشعرية. 

نوبل والتتويج

جاءت جائزة «نوبل» تتويجًا لرحلتها الشعرية بعد حصولها على الكثير من الجوائز الأدبية المهمة، إذ حصلت على العديد من الجوائز والتكريم فى بلدها، فقد توجت بجائزة بوليتزر للآداب فى عام 1993 عن مجموعتها الشعرية «السوسنة البرية» وبجائزة الكتاب الوطنى فى عام 2014. وحصلت على جائزة الكتاب لصحيفة لوس أنجلوس تايمز، ولقبت طوال عام بشاعر أمريكا المتوج من 2003 إلى 2004 أى أميرة الشعر الأمريكى, حيث عملت خلال العام كشاعرة رسمية لبلادها بموجب اختيار مكتبة الكونجرس الأمريكى, وحصلت على جائزة بولينجن للشعر، وجائزة الشاعر «والس ستيفنسن» عام 2008، وميدالية العلوم الإنسانية الوطنية فى عام 2015 التى قلدها إياها فى احتفال بالبيت الأبيض الرئيس السابق باراك أوباما .

أعمال ملكة الثلج

تظهر صرامتها وسعيها للمثالية فى نظرتها أن التجارب التى نمر بها هى ترجمة لثنائية السبب والنتيجة. وجاء ديوانها الأول  «الابن البكر» الذى نشر عام 1968 محاولة منها لرأب الصدع الذى يسببه الواقع عبر الفن، أعقبه ديوان «البيت فى مارشلاند».

فى السنوات الأولى من موهبتها كان الشتاء هو «التيمة» الرئيسية فى قصائدها مثل «البيت فى الأهوار» و «الشكل التنازلي» (1980): «جريتيل فى الظلام»، «الأطفال الغارقون و «البركة» و «أطفال المدرسة» ولذا لقبت بملكة الثلج.  

وتردد الموت فى قصائدها كما فى ديوان أرارات» (1990) الذى كتبته عن وفاة والدها فى إشارة إلى الجبل الذى رست عليه سفينة نوح . ووصفت صحيفة «نيويورك تايمز» الديوان بأنه «أكثر كتاب ممتلئ بالحزن والقسوة فى الشعر الأمريكى المنشور خلال ربع قرن».

للشاعرة 12 ديوانًا أبرزها : «البكر» (1968)، «البيت فى مارشلاند» (1975)، «الحديقة» (1976)،»وجه يدنو» (1980)، «انتصار أخيل» (1985)، «أرارات» (1990)، «المروج» (1997)، «العصور السبعة» (2001)، «أفيرنو» (2006) «السوسنة البرية»

ولها عدة كتب ودراسات منها كتاب حول الشعر بعنوان «براهين ونظريات: مقالات فى الشعر صدر عام 1994.

وعكفت الشاعرة إبان الحجر الصحى بسبب وباء كورونا على الكتابة وأنهت فى أغسطس الماضى مجموعة شعرية جديدة بعنوان «وصفات شتائية من المجموع» فى صدورها العام القادم.

جدل سنوى

وكالعادة كل عام يثور جدال بين رفض وتأييد لجائزة نوبل للأدب وينبع اعتراض البعض من أن الكاتبة هى ظاهرة أمريكية فقط؛ فهى ليست بشهرة شعراء أمريكيين آخرين فى الثقافات الأخرى.

ولم تترجم دواوينها للغات أخرى بصورة لافتة مثل الفرنسية أو العربية، فلم يترجم للعربية لها سوى ديوان واحد هو «عجلة مشتعلة تمر فوقنا» ترجمة الشاعر الفلسطينى الأصل سامر أبو هواش، وهو عبارة عن مختارات من أربعة دواوين ضمن سلسلة للشعر الأمريكى المعاصر آل «أبو هواش»على نفسه ترجمتها ونشر الديوان دار الجمل بالتعاون مع دار كلمة الإماراتية عام 2009.

كان من ضمن المرشحين بقوة لنيل الجائزة الكاتبة الأمريكية من أصول إفريقية جامايكا كينكيد  لتناولها قضايا الاستعمار والعنصرية والجنس، وكذلك الكاتب الكينى نجوجى وا توينجو والفرنسية ماريز كوندى أو الروسية ليودميلا أوليتسكايا والروائية الكندية مارجريت أتوود أو اليابانى هاروكى موراكامي. لكن و الشاعرة الكندية آن كارسن أو المجرى بيتر ناداس أو الفرنسى ميشال هوليبيك، ولا ذكر للمرشح الدائم منذ 3 عقود رغم انتظاره قاعدًا على مدرج الأكاديمية.

أميرة الشعر الأمريكى

ولكن لا يخفى على الانسان لمنصف المكانة التى تحتلها الشاعرة فى تاريخ الشعر الأمريكى، حيث لُقبت باسم «أميرة الشعر الأمريكى» وتحظى بتقدير كبير لدى الأمريكيين وذلك لوصفها الدقيق لتفاصيل الحياة اليومية ولغتها السهلة وأسلوبها الخالى من التعقيد.

وتقول لويز جليك عن لغتها الشعرية، كما جاء فى مقدمة ترجمة ديوانها «عجلة مشتعلة تمر فوقنا»، الذى ترجمه الشاعر سامر أبو هواش: «من المتعارف عليه أن علامة الذكاء الشعرى أو الصنعة الشعرية هى الشغف باللغة، التى يعتقد أنها تعنى التجاوب المحموم مع أصغر وحدات اللغة( الكلمة). يفترض أن الشاعر هو الشخص الذى لا يشبع من الكلمات المعقدة، بيد أن تجربتى لم تكن كذلك. لذا فضلت أن تكتب بأبسط الكلمات مرادفاتها ليست واسعة المدى».

وتسود قصيدة النثر فى قصائدها حيث تعتمد على الوزن الشعرى الخافت والإيقاع الموسيقى الداخلى. 

منابع شعرها

تصف موسوعة الشعر الأمريكى: القرن العشرين جذور شعر جليك بأنها نابعة من تجربتها البيولوجية والنفسية والروحية كونها امرأة: ابنة وأخت وعاشقة وأم.

تستمد فى أشعارها رموزًا وشخصيات من الألياذة والأوديسا والأساطير الإغريقية والقصص الدينية خاصة الإناث مثل ساحرات هوميروس وعوليس وأخيل، تطرح من خلالها موضوعات الواقع مثل الزواج الفاشل والطفولة والعائلة والفقد والموت والحنين إلى الوطن.

ولا يمكن وضع الشاعرة فى تصنيف أدبى ينتمى لمدرسى شعرية أو تيار ما مثل أدباء الحداثة أو الاتجاه الرومانسى أو المدرسة الكلاسيكية.

مع أن بعض النقاد يرون أنها عمدت لويز جليك لجعل أشعارها وسيلة لكتابة سيرتها الذاتية، فهى تلقب بشاعرة السيرة الذاتية، ووفقًا لمجلة «ذا نيويوركر» أن فكرة كتابة قصائد بطعم السيرة الذاتية لها أصول منذ بدايات القرن العشرين لدى الشعراء أمثال ويليام كارلوس ويليامز جورج أوبن، وقد ابتكروا هذا الخط الشعرى لمواجهة الأخلاق الأوروبية وللتفاخر الأمريكى، وظهر ذلك واضحًا فى قصاعد لويز جليك المبكرة.

هى ونجيب محفوظ

أوضحت  دراسة لأشعار «لويز جليك» نشرتها مجلة «ذا نيويوركر» عام 2012 بعنوان (فنانة الجسد) أن «لويز جليك» تكتب الشعر منذ أكثر من خمسين عامًا ورغم أن العالم شهد طوال النصف قرن كثير من الأحداث إلا أن الملاحظ أن عالم قصائدها لم يتغير وظل شعرها عبارة عن نشرات خاطفة لمشاعرها الداخلية ومعاناة الإنسانية مع الموت والفقد والهجران.  وظلت الشاعرة ثابتة فى روتين حياتها رغم حصولها على أغلب الجوائز التى يحلم بها أى شاعر أمريكى لم تنجر إلى أي مغامرة فقط تعيش فى منزلها بكامبريدج تهتم بأعمال حديقتها وتدرس الأدب الإنجليزى فى جامعة «ييل» وتواصل كتابة الشعر. فى نظام حياة يشبه النسق الذى عاش عليه أديبنا العالمى «نجيب محفوظ» الحاصل على نوبل عام 1988؛ فهو حافظ على روتين يومى فى الإبداع والحياة.

فقدان الشهية والشعر

عندما كانت فى السادسة عشرة من عمرها، كانت جلوك تعانى فقدان الشهية، وكادت تجوع نفسها حتى الموت. كان تعليمها الرسمى متقطعًا منذ تلك اللحظة وأمضت سبع سنوات خاضعة للعلاج النفسى التحليل النفسي، يبدو أن فقدان الشهية كان عاملًا مبكرًا لتحفيزها على كتابة الشعر وفى قصيدة لها بعنوان «الإخلاص للجوع» تستلهم تجربتها مع مرض فقدان الشهية ترمز بها للفقر.

وكان جسد المرأة هو المرآة التى جسدت بها معاناتها  وكما قالت «تفتح البراعم» هو ما يصف به الكبار تحولات جسد الفتاة لكنه بالنسبة للفتيات هو أشبه بالحيلة.

لويز ونساء نوبل

تنضم الشاعرة الأمريكية لعالم «نساء نوبل فى الأدب» لتصبح الرقم 16 من المبدعات اللائى حصلن على الجائزة التى انطلقت عام 1901 بدأت بـ كاتبة قصص الأطفال السويدية «سليما لاجيرلوف» أول امرأة تحصل على الجائزة، عام 1909، وبعد 17 عامًا أصبحت  الإيطالية «جراتسيا ديليدا» ثانى امرأة تحصل على الجائزة. وفازت بها الأديبة النرويجية - الدنماركية «سيجريد أوندست» بها عام 1928.

وفى 1938 اختارت اللجنة الكاتبة الأمريكية «بيرل باك» عن روايتها الشهيرة «الأرض الطيبة» التى تصور حياة الفلاحين فى الصين بدايات القرن الماضى.

وفى عام 1945، حصلت على الجائزة الشاعرة التشيلية «جابرييلا ميسترال» لتصبح أول امرأة من أمريكا اللاتينية تحصل عليها. وفى عام 1966، تشاركت الشاعرة والأديبة الألمانية «نيللى زاكس» الجائزة مع أديب آخر.

وبعد ربع قرن نحت لجنة الجائزة عام 1991 نوبل  للكاتبة «نادين جورديمير» من جنوب إفريقيا تكريمًا لها على أعمالها المناهضة للتمييز العنصرى فى بلدها رغم أنها بيضاء. وبعد عامين فقط، فازت بها مبدعة من أصول إفريقية أيضًا، عندما اختارت اللجنة الروائية الأمريكية ذات الأصول الإفريقية «تونى موريسون» للفوز بها. وفى عام 1996، منحتها للشاعرة البولندية «فيسوافا شيمبورسكا»  

 فيما فازت بها الروائية النمساوية «إلفريدى يلينيك» صاحبة الرواية الشهيرة «معلمة البيانو» عام 2004، تلتها عقب ثلاثة أعوام الكاتبة والروائية البريطانية «دوريس ليسينج» مؤلفة رواية «المفكرة الذهبية»

وفى عام 2009 حصلت الأديبة الأمانية «هيرتا موللر» على الجائزة، وجاء فوز القاصة الكندية «آليس مونرو» بنوبل عام 2013 تتويجًا لفن القصة القصيرة المعاصرة.

وانضمت للقائمة «سفيتلانا اليكسيفيتش» الصحفية الاستقصائية من روسيا البيضاء عام 2015، وحصلت الأديبة البولندية «أولجا توكارتشوك» على نوبل عام 2018، والطريف أنها أول أمريكية بالجائزة بعد سبعة وعشرين عاماً من فوز الروائية تونى موريسون بها.