الجمعة 22 يناير 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
احمد باشا

فى ذكرى ميلاده الـ 100

الشـرقــاوى المبـدع الثـائر

فلتذكرونى عندما تجد الفضائل نفسها أضحت غريبة.. وإذا الرذائل أصبحت هى وحدها الفضلى الحبيبة.. فلتذكرونى حين تختلط الشجاعة بالحماقة.. وإذا المنافع والمكاسب صارت ميزان الصداقة.. وإذا غدا النبل الأبى هو البلاهة.. وبلاغة الفصحاء تقهرها الفكاهة..بلسان صدق نطق وببلاغة الفصحاء دك حصون الجهلاء والمتشددين .. إنه إمام الشعراء المناضلين عبد الرحمن الشرقاوى الذى تحل ذكرى ميلاده فى العاشر من نوفمبر الحالى.



ولد الشرقاوى فى قرية الدلاتون مرکز شبين الکوم محافظة المنوفية فى 10 نوفمبرعام1920 متلقی تعليمه بالمدرسة الأولية بالبلدة وحفظ أجزاء القرآن الکريم علی يد شيخ القرية وفقيهها. 

کان کلّ إخوته الذّين يکبّرونه يتلقون تعليمهم بالقاهرة، ويعودون إلی القرية کل صيف ومعهم کتب يقضون إجازتهم فى قراءتها، واستطاع أن يقرأ عناوين هذه الکتب وأسماء مؤلفيها وعرف منها أسماء طه حسين وعباس محمود العقاد وأحمد شوقى ودکتور محمد حسين هيکل ومصطفی المنفلوطى وغيرها من الأسماء التى أخذها كنماذج لأعماله السياسيّة والأدبيّة فيما بعد.

بعد تخرجه فى الحقوق سنة 1943 استطاع الشرقاوى عبر تواجده فى القاهرة أن يقترب من المد الفكرى والأدبى الذى تميزت به العاصمة، كما اقترب من معارك فكرية ومدارس ابداعية جديدة. وفى ظل هذا المناخ تعرّف الشرقاوى إلى أديبين كبيرين أثرا فى وجدانه وحياته واستفاد منهما، هما «سعد مكاوي» وهو من نفس قريته، و«محمود البدوي».

وإنضم الشرقاوى إلى جماعة «الفجر الجديد» الأدبية اليسارية، وكانت هذه الجماعة عنصر جذب للكثير من المثقفين والأدباء حينذاك .

 

اشتراكى ماقبل الإشتراكية

 

امتلك الشرقاوى رؤية اجتماعية واضحة وكانت دعواته إلى اقتسام الثروة بين طبقات المجتمع قبل ثورة 23 يوليو قد فتحت عليه هجوما حادا من قبل البعض، وخاض معارك فكرية مبكرة دفاعا عن وجهة نظره وعن انحيازاته.

ولم يستمر الشرقاوى فى عمله بالمحاماة كثيرا حيث اشتغل بها لمدة عامين فقط، ثم عمل مفتشاً للتحقيقات بوزارة المعارف العمومية، واستقال عام 1956، ليتفرّغ للعمل الأدبى بجريدة الشعب، ورأس تحرير مجلة الطليعة الشّهرية التى كان يصدرها إتحاد خريجى الجامعة عام 1945م، حتى أغلقت عام 1946م.

شارك فى تحرير الصفحة الأدبيّة لجريدة «المصري» ونشر فيها الكثير من القصص والمقالات والقصائد، وأشرف علی الصفحة الأدبيّة بجريدة «الشّعب» ثم جريدة «الجمهوريّة» وخاض علی صفحاتها معارك كثيرة، دفاعاً عن الشعر الحديث.

 وعيّن رئيساً لمجلس إدارة مؤسسة، «روزاليوسف» عام 1971م، وعيّن سكرتيراً للمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعيّة بدرجة وزير فى الفترة من 1977- 1979، ثم تفرّغ للكتابة فى جريدة «الأهرام»،

حصل علی جائزة الدولة التقديريّة فى الأدب، ونال وسام الآداب والفنون من الطبقة الأولی عام، 1974م.وانتخب رئيساً لمنظمة تضامن الشّعوب الإفريقيّة والآسيويّة فى مؤتمر عدن عام 1981م كما حصل على جائزة لينين للسلام,

 

معاركه مع المتشددين 

 

لم يكن الشرقاوى مجرد شاعر مجدد أو مسرحى فذ أو روائى متميز، بل كان باحثا ومفكرا ومناضلا تقدميا مرموقا. وقد أثارت كتبه وتناوله المختلف والمغاير لسيرة النبى محمد عليه الصلاة والسلام والصحابة الكرام، غضب عدد من علماء الدين، خصوصا بعد صدور كتابه «محمد رسول الحرية» الذى صدرت طبعته الأولى عام 1962، وتم نشره على حلقات فى جريدة المساء، مما فتح أبواب الهجوم الحاد عليه، الذى وصل لدرجه اتهام البعض له بالكفر.

فقد صور حياة رسول الله  على نحو أدبى عبر مشاهد متتابعة لسيرة النبى الإنسان، من الطفولة ثم زيجاته، ومرحلة تلقيه الوحى، مستعينا بالحقائق التاريخية فى التجسيد الإنسانى للشخصية، وهو ما رأى فيه بعض علماء الدين خروجا عن المتداول والمُستقر، بأن عظمة الرسول تدلل عليها معجزاته وليست إنسانيته فقط. ورغم إشادة طه حسين والعقاد بالكتاب، فقد وُجهت للشرقاوى الكثير من التهم لدرجة مطالبة بعض المتشددين بإعدامه وإحراق كتبه.

وبعد ان علم الرئيس جمال عبدالناصر بالأزمة سأل الشيخ محمود شلتوت، شيخ الجامع الأزهر وقتها عن الكتاب، فأبدى إعجابه به، فصرح عبدالناصر بتداوله والإفراج عنه، بعد أن تم منعه.

 

الحسين ثائراً وشهيداً

 

وبعد سنوات قليلة وفى عام 1969 يخوض الشرقاوى معركة أخرى مع علماء الدين عقب نشر مسرحيته «الحسين ثائرا وشهيدا»، والتى تعد إحدى أيقونات المسرح الشعرى العربى ويواصل خلالها الشرقاوى الارتكاز على التراث العربى والإسلامى وإسقاطه على واقع يسود فيه القمع والظلم.

لكن هذا العمل لم ينج من هجوم شرس منذ أن خرج إلى النور، وفشلت محاولات الحصول على موافقة الأزهر الشريف لعرض العمل على خشبات المسرح لسنوات طويلة، كما كانت هناك معوقات سياسية منعت عرضه.وظل هذا الحلم يراود الفنان الراحل كرم مطاوع الذى حاول تقديم النص تحت عنوان «ثأر الله»، ورغم الانتهاء من البروفات تماما فى عام 1972، إلا أن مظاهرات الطلاب المطالبة بخوض الحرب مع إسرائيل، أجلت تحقيق هذا الحلم.

وفى عام 1976 كرر كرم مطاوع المحاولة، إلا أن الأزهر رفض النص بدعوى عدم جواز ظهور شخصيات إسلامية قديمة بارزة  على المسرح.

وفى آخر سنوات الشرقاوى تولى الدكتور عبدالمنعم النمر أحد كبار علماء الأزهر الدفاع عن آرائه -باعتباره باحثاً محترماً وتحمس للمسرحية. وبالفعل عُرضت المسرحية مرة أخرى على الرقابة التى أحالتها للجنة من علماء الأزهر فأبدوا أربعة تحفظات رئيسية؛ أولها ظهور الحسين، وثانيها ظهور السيدة زينب، وقد تم التحايل على التحفظين بأن يتحدث الممثلون بصيغة المفرد الغائب، أما التحفظ الثالث فكان حذف الأبيات التى تسب «يزيد بن معاوية» باعتباره صحابياً، وأخيراً تغيير اسم «ثأر الله»، فاستقر الشرقاوى على «الحسين ثائراً» عنواناً لجزئى المسرحية (الحسين ثائراً والحسين شهيداً) بعد دمجهما وتمت إجازة المسرحية، لكن عجز المسرح القومى ثم المسرح الحديث عن تمويل العمل، أجل تحقيق حلم الشرقاوى فى أن يرى هذا العمل على خشبة المسرح.

 

إبداع الشرقاوى الأدبى

 

كان التنوع الهائل لإبداع الشرقاوى مثار المتابعة الدائمة من جانب النقاد، فهو الشاعر الذى أصدر مجموعتين هما ديوان شعر يحمل عنوان قصيدته الشهيرة «من أب مصرى إلی الرئيس ترومان»، والثانى يضم مسرحية من فصل واحد ومجموعة قصائد «تمثال الحرّية» و»قصائد منسيّة» 1987.

وهو كاتب الرواية والقصة القصيرة، الذى قدم للمكتبة العربية مجموعته القصصية الأولى «أرض المعركة»، والمجموعة الثانية  التى نشرت تحت عنوان «أحلام الصغيرة». كما قدم أربع روايات هى «الأرض» 1954، التى تحولت إلى فيلم سينمائى و«الشوارع الخلفية» 1957، «قلوب خالية» 1957، «الفّلاح» 1980.

وهو الباحث الجاد والمجدد الذى أثار جدلا واسعا حول كل ما قدمه من جهد فكرى فى تجديد الخطاب الدينى واشتبك مع كل ما كان يراه رجعيا.. وقد ساهمت كتبه «محمد رسول الحرية» و»على إمام المتقين» و»الفاروق عمر» وغيرها فى تحرير  العقل العربى وكانت دوما تنحاز للإنسان فى التاريخ الاسلامى.

ويظل الدور الذى لعبه الشرقاوى فى المسرح الشعرى العربى أحد أهم إسهاماته، حيث إستطاع أن يحول المسرح الشعرى إلى حالة تنبض بالحياة والحيوية.

وقدم الشرقاوى للمسرح العربى «مأساة جميلة»، عام 1962 حول المقاومة الجزائرية للاحتلال والمناضلة جميلة بوحريد، ثمّ «الفتی مهران» عام 1966 ثمّ «الحسين ثائراً والحسين شهيداً» عام 1969م ثمّ «وطنى عكا» عام 1970م  ثمّ «النسر الأحمر» عام 1976 عن صلاح الدين الأيوبى، وأخيراً «عرابى زعيم الفلاحين» عام 1985.

وفى مجال السينما شارك الشرقاوى فى كتابة عدد من الأعمال السينمائية إضافة إلى فيلم «الأرض» 1970 المأخوذ عن روايته وفيلم «جميلة» 1958 الذى أخرجه أيضا يوسف شاهين والمأخوذ عن نص مسرحى للشرقاوى، كما شارك فى كتابة فيلم «الرسالة» للمخرج «مصطفى العقاد» 1976.