الأربعاء 25 نوفمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
احمد باشا

«ديجافو»..فكر وفلسفة وتأمل فى قالب كوميدى ممتع

هذا الحدث وقع من قبل، نعيشه ونراه ونتورط فيه على الدوام أحداث متلاحقة سريعة ومبهمة لا نعلم أسباب وقوعها أو السبب وراء تورطنا فيها، من هنا تنطلق فلسفة «الديجافو»، الكلمة الفرنسية الأشهر والتى تعنى بأن هذا الشىء وقع سابقا؛ اختار المخرج ومعد النص المسرحى أحمد فؤاد أن يقدم معالجة مسرحية للنص السويسرى «إثبات العكس» للكاتب أوليفيه شاشيارى، وأطلق على اسم معالجته للنص الأصلى اسم «الديجافو»، بالمعنى المتعارف عليه لهذه الكلمة تدور أحداث العرض المسرحى والتى توحى ليس فقط بتورط البطل فى أحداث وجرائم ليس له يد فيها ولا يعلم كيف تورط بها بينما تنعكس الفكرة بالأساس على الجمهور الذى يعيش ويتورط يوميًا فى أحداث لم يكن يومًا طرفًا فيها.



من أشهر وأهم الأحداث التى يتورط فيها العالم اليوم ولا يزال؛ فيروس كورونا الذى لا نعلم حتى تلك اللحظة الحقيقة وراء انتشاره واقتحامه لأجسادنا، فى المشهد الأول من العرض المسرحى تظهر مجموعة من المقنعين يرتدون السترات الصفراء التى صنعت للوقاية من الفيروس فى بعض البلدان ويلتفون حول الضحية بطل العرض يقتحمون عليه وحدته ويعكرون صفو حياته وأمانه، يذكرون أنهم يبحثون عن آدم المتورط فى اغتصاب ابنة الصيدلى، بين التورط الحالى والظاهرى فى ملابسهم لنا اليوم، وتورط البطل فى الحدث الرئيسى للعرض تدور عقدة العمل التى تتوالى أحداثه بضرورة مساعدتهم فى العثور على طريق آدم المتهم وإلا قتلوه؛ تزداد حلقة التضييق على الرجل من جيرانه المتلاحقين عليه فى كل مرة يأتون له بقصة مختلفة وحقيقة جديدة ومعلومات غير واضحة أو مكتملة الأركان، قصص تحيطها الغموض مما يساهم فى وقوعه فى دائرة مفرغة غير مفهومة أو منطقية، يتوه بينهم وتتوه الحقائق حتى إنه لا يعلم فى النهاية حقيقة ما وقع هل هو مجرد وهم وكابوس استغرق فيه حتى نال من راحته أو وقع له بالفعل.

بين الرؤية الفلسفية والمعالجة المحرضة على التفكير بجانب القالب الكوميدى الخفيف المصنوع بانضباط وذكاء شديد استطاع أحمد فؤاد تقديم إعداد ورؤية مسرحية تحمل روحًا وفكرًا وايقاعًا فنى شديد الحساسية والبساطة، تمكن فؤاد من تحويل نص سويسرى رتيب وجاف ربما هو أقرب فى قراءته لأفلام الكارتون التعليمية «المملة» لكنه صنع منه رؤية فنية ممتعة دون الإخلال بالمعنى الرئيسى الذى حمله النص والذى يتلخص فى الحقيقة التائهة وأزمة تورطنا فى أحداث وقضايا لا نعلم أصلها أو حقيقتها التفصيلية لكننا نحيا فى هذا التورط الذى أصبح جزءًا من حياتنا اليومية رغمًا عنا.

فى سلاسة وانسياب وقدرة على التبسيط بالوصول للهدف الرئيسى من العرض، كان لأبطاله النصيب الأكبر من تحقيق المتعة فى إبراز رؤيته الفلسفية بمستويات متنوعة من الكوميديا فكل منهم قدم دوره بلمحة ساخرة مع الحفاظ على الشعرة الفاصلة بين الخروج من روح العرض والاستمرار فى إيضاح فكره وفلسفته عن طريق الضحك ومتعة الأداء التمثيلى والذى تفرد به الأبطال جميعًا بدءًا من بطل العرض الرئيسى أو الشخص المتورط فى الأحداث دائما تامر نبيل يقدم تامر نفسه هذه المرة بشكل جديد يجمع بين الكوميديا والأداء الدرامى والذى صنعهما باتزان شديد وميزان حساس يزن به الصعود والهبوط بين الجد والهزل، ثم الفنان أحمد سلكاوى أحد الجيران والذى قدم دوره بسلاسته المعتادة فى تحقيق المتعة والوصول إلى عمق المضمون للعمل الفنى، وكذلك كان محمد يوسف أوزو الذى تنفتح لديه مساحات الضحك بشكل أكبر مع حفاظه  الدائم على روح وفلسفة العرض والدويتو الفنى الذى شكله مع رحمة أحمد مفاجأة العمل والتى تبشر بكوميديانة قادمة بقوة للوسط المسرحى، وبسمة ماهر العنصر المكمل للعقدة الفنية والتى اكتملت بها اللوحة الكوميدية الفلسفية لعبت بسمة كوميديا من مستوى آخر، وبالتالى يقدم المخرج هنا مواهب تمثيلية ذات حرفة فنية عالية قادرة على التلون والتنوع فى مستويات الضحك كل بأسلوبه وادائه الخاص مع إحياء المعنى الأعمق للعرض الذى يدعو لمزيد من التفكير والتأمل، اندمج الممثلون وشكلوا مزيجًا فنيًا منسجمًا ومرنًا فى لحظات الاشتباك والارتباك ثم التوهان فى أحلام قد تبدو حقيقية؛ ربما كان من أهم والأكثر إيحاء بالمعنى وتلخيص مضمون العرض المشهد الذى أصبح فيه البطل تائهًا بين الجميع وبدا وكأنه فى حالة فصام يتخيل ويعيد تذكر كلام جيرانه، قدم المشهد بحرفة فنية عالية سواء على مستوى التمثيل أو الإخراج أو الإضاءة كان أقرب إلى تكنيك السينما من المسرح وكأن العمل انكمش فى لحظة وتحول إلى شاشة سينما بأبطاله، ساهم الإعداد الموسيقى أيضا إلى نقل حالة الإحساس بالمطاردة التى تبدو كارتونية فى شكلها الكوميدى وأحيانا تبعث على الإثارة والتشويق فى ثوبها التراجيدى استطاع محمد عبد الله أن ينقل هذه المشاعر والإحساس بوضع المتلقى فى هذه الحالة التى يعانيها البطل على الدوام وكذلك يعانيها المشاهد معه فى حياته الواقعية نجحت هذه العناصر الفنية على بساطتها فى التأكيد على أننا وآدم شخص واحد، ورط العمل بتفاصيله وأحداثه الجمهور فى نفس الكابوس المبهم والحقيقة غير مكتملة، «ديجافو» تأليف أوليفيه شاشيارى إعداد وإخراج أحمد فؤاد، بطولة تامر نبيل، أحمد السلكاوى، محمد يوسف، رحمة أحمد، وبسمة ماهر، ديكور أحمد أمين، أزياء مروة عودة، إضاءة أحمد الدبيكى، وإعداد موسيقى محمد عبدالله.