الجمعة 22 يناير 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
احمد باشا

معركة الحسم.. أوروبا تستعد لاستئصال الإسلام السياسى

حتى لو كان متأخرًا لكنه عظيم

صفحة أسبوعية يقدمها: سعيد شعيب



 

يبدو أن سَيل الإرهاب بلغ الزبى فى أوروبا، بعد توالى الضربات الإرهابية على أراضيها باسم الإسلام السياسى، معركة بادرت باريس لقيادتها، فى وقت وصلت فيه القارة العجوز لمفترق طرق حاسم ومصيرى كما يرى عدد من الخبراء الألمان.

تزامنا مع محاكمة المتورطين فى الهجوم على صحيفة «شارلى إيبدو» الساخرة عام 2015، وهجمات نيس وفيينا، فرض موضوع تجذر المجموعات الإسلاموية الإرهابية فى أوروبا نفسه من جديد على جدول أعمال عواصم التكتل القاري. وهكذا وضعت أجهزة الشرطة والاستخبارات نفسها فى حال تأهب نظراً لما يتمتع به تنظيما «الدولة الإسلامية» و«القاعدة» من قدرات على إعادة تنظيم نفسيهما. فقد دفعت أوروبا ثمنا باهظا بعد سلسلة من الاعتداءات الإرهابية خلال السنوات الأخيرة .

«الإسلام السياسى» هو مصطلح للتعبير عن جميع التيارات الأيديولوجية والسياسية التى تهدف إلى إقامة دولة (خلافة) تقوم على مبادئ الإسلام، سواء على مستوى الدولة أو على مستوى المجتمع. اليوم، أصبح «الإسلام السياسي» يستعمل فى الغالب كرديف للإسلاموية وبالتالى الراديكالية الدينية، وحتى العنف الإرهابي. والمفارقة هى أن الإسلام السياسى هو مفهوم نشأ فى السبعينات والثمانينات من القرن العشرين لتوصيف ظاهرة عودة الدين إلى المجال السياسي، كرد رد فعل على الأنظمة الاستبدادية العلمانية بالدعوة إلى العودة للشريعة وإقامة دولة إسلامية.

الجذور الأيديولوجية للإسلام السياسى تعود للسياق الاستعمارى، فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر، حين عاد مفكرون إصلاحيون مثل جمال الدين الأفغانى (1838-1897) ومحمد عبده (1849-1905) إلى النصوص الدينية المُؤَسِسة لمواجهة تفوق الغرب العلمى والتكنولوجي، وذلك من خلال محاولة إعادة تفسير التراث الإسلامي. وسعى هؤلاء المفكرون إلى إحياء المجتمع الإسلامى وتعبئته.

غير أن هذا الزخم الإصلاحى الأولى تمت إعادة توجيهه نحو مشروع إسلامى شامل مناهض للغرب، من أبرز وجوهه رشيد رضا (1865-1935)، الذى دعا إلى عودة دولة الخلافة، ولم يعد الأمر يتعلق بـ«تحديث الإسلام» وإنما بـ»أسلمة الحداثة». نهج اختارته جماعة الإخوان المسلمين التى تأسست فى مصر عام 1928 على يد حسن البنا (1906-1949) ويعتبرها المؤرخون مُلهمة الجماعات الإسلامية التى ستظهر فى المنطقة خلال القرن العشرين.

 هجمات فيينا أكدت ضرورة تعزيز سياسة أوروبية مشتركة لمواجهة الإرهاب، فقد طالب المستشار النمساوى زباستيان كورتس التكتل القارى ببذل مزيد من الجهود لمواجهة الإسلام السياسى، وفى تصريحات لصحيفة «فيلت» الألمانية، قال كورتس «أتوقع نهاية التسامح المفهوم خطأ»، وطالب الاتحاد الأوروبى بزيادة التركيز على هذه المشكلة مستقبلا، معربا عن اعتقاده بأن الأيديولوجية السياسية للإسلام تهدد الحرية ونموذج الحياة الأوروبى.

 وأضاف كورتس أن بلاده لديها قوانين صارمة «لكن هذا الهجوم فى قلب عاصمتنا يوضح أن علينا أن نكون يقظين وحازمين». وتابع كورتس أنه على اتصال مع الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون وزعماء آخرين للتنسيق من أجل خطوات مشتركة داخل الاتحاد الاوروبي، ولفت إلى أنه سيطرح هذا الأمر للنقاش فى القمة الأوروبية المقبلة. يشار أن تنظيم داعش أعلن مسئوليته عن هجوم شهدته فيينا (مساء الاثنين الثانى من نوفمبر/ 2020) وأسفر عن مقتل أربعة أشخاص، من بينهم المنفذ، وإصابة 22 شخصا.

موقع «ديغيتال ديلي» الألمانى كتب يوم الثالث من نوفمبر 2020: «فى عام 1782 أحرقت آخر «ساحرة» فى أوروبا، وفى الكثير من كتب التاريخ يُنظر إلى ذلك الحدث كنهاية للعصور الوسطى، حيث أصبح قتل المدنيين الأبرياء بدوافع دينية جزء من الماضى (..) اليوم يتم القتل بسبب رسوم كاريكاتورية فى مدرسة، من منظور العصور الوسطى الإسلامية».

الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون دعا الدول الأوروبية إلى «محاربة الإرهاب بشكل مشترك»، معتبراً أن الهجوم على النمسا عقب الاعتداءات فى فرنسا، يُظهر أنه لا يوجد بلد بمنأى عن الخطر. وأكد ماكرون أثناء زيارته سفارة النمسا فى باريس «تضامن فرنسا المطلق»، مضيفا أنّ الاعتداء يُظهر نيّة «أعدائنا مهاجمة ما تمثّله أوروبا من أرض حرّيات وثقافة وقيَم. لذا لن نخضع». ويتشابه هذا التصريح مع ما قالته المستشارة الألمانيّة أنجيلا ميركل عن «المعركة المشتركة» فى مواجهة «الهجوم على قيمنا الأوروبّية».

 البروفيسور مهند خورشيد، عالم اجتماع وعالم دين مسلم نمساوي، لبنانى من أصل فلسطينى، يعمل أستاذاً فى جامعة مونستر فى ألمانيا، كما يشرف على مركز توثيق الإسلام السياسى، الذى أسسته النمسا مؤخرا بهدف خلق وعى بالبنى التى يتفشى فيها الإسلام السياسى داخل المجتمع. خورشيد أوضح فى مقال نشره موقع شبكة «NDR» الألمانية (30 أكتوبر 2020) حاجة الإسلام إلى إصلاح عاجل وشامل وكتب أن «هجوم نيس الوحشى تسبب فى رعب فى جميع أنحاء العالم».  وحذر خورشيد من أن «الإسلاميين يريدون الإطاحة بالمجتمعات الليبرالية فى جميع أنحاء العالم».

 ودعا خورشيد المسلمين لفهم سور القرآن وأحكامه فى سياقها التاريخى، واعتبر أن هناك سوراً قرآنية بشأن استعمال العنف تتعلق بمواقف حرب فى القرن السابع فى شبه الجزيرة العربية، لكنها لا تشكل بأى حال من الأحوال أوامر لمسلمى اليوم، فهى لا تبرر العنف والإرهاب. «بعد وقت قصير من وفاة النبى محمد، أصبح الإسلام أداة سلطة فى أيدى أولئك الذين يقاتلون من أجل الخلافة. نُسبت الكفاءات الإلهية إلى الحاكم واستمدت المطالبة الشاملة بالقيادة شرعيتها من ذلك، مما أدى إلى انحطاط واختزال الناس إلى مجرد توابع مُطيعة. فتم الابتعاد عن دين المحبة والرحمة. لذا فإن الإصلاح ضرورى اليوم لتحرير الإسلام الذى بات رهينة السياسة  لا يمكن للإسلام أن يطور قدرته على التحرر إلا من خلال الإصلاحات المستمرة»، يقول خورشيد.

اعتبارًا من العام المقبل، ستكون هناك دورة تدريبية جديدة لتكوين الأئمة فى ألمانيا، كما أعلن عن ذلك «إسلام كوليج دويتشلاند» (IKD) (الثلاثاء الثالث من نوفمبر 2020) فى برلين. وفى السنة الأولى سيتم تكوين حوالى 30 مشاركًا انطلاقا من أبريل / نيسان 2021. التكوين سيتم باللغة الألمانية فقط. المشروع تموله وزارة الداخلية الألمانية ووزارة العلوم فى ولاية ساكسونيا السفلى. ويضم الأعضاء المؤسسون لكلية الإسلام علماء دين فى شؤون الإسلام وشخصيات عامة وهيئات إسلامية مثل المجلس المركزى للمسلمين فى ألمانيا». 

 دعت شخصيات ألمانية من المجتمع المدنى وسياسيون فى التحالف المسيحي، المنتمية إليه المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، إلى اتخاذ إجراءات أكثر حزما ضد الإسلام السياسى فى ألمانيا بعد الهجوم الإسلاموى فى مدينة نيس الفرنسية. وكتب الموقعون على بيان نشرته صحيفة «فيلت» الألمانية فى عددها يوم السبت (30 أكتوبر 2020) أن الإسلام السياسى يتجذر بشكل متزايد فى جاليات إسلامية أوروبية. وجاء فى البيان أنه على الرغم من عدم وجود «أحوال فرنسية» فى ألمانيا حتى الآن، ظهرت مشاكل مماثلة هنا أيضا، وأضاف البيان: «هناك مجتمعات مسلمة تعيش منفصلة فى مدننا أيضا، حيث يتبنى الشباب بحماس التطرف الإسلامي. التحريض والاعتداءات المعادية للسامية لا تأتى فقط من المتطرفين اليمينيين، ولكن أيضا من دوائر إسلاموية».

ومن بين الموقعين على البيان الكاتبة والمحامية سيران أتيش، والناشرة نيكلا كيليك والطبيب النفسى أحمد منصور. ووقع أيضا على البيان نائب رئيس الكتلة البرلمانية للتحالف المسيحى كارستن لينيمان، ونائب رئيس الكتلة البرلمانية للحزب المسيحى الاجتماعى البافارى فى البرلمان المحلى بولاية بافاريا فينفريد باوسباك، والنائب فى البرلمان الاتحادى عن الحزب المسيحى الديمقراطى كريستوف دى فريس. وأكد الموقعون على البيان ضرورة تحديد مشاكل مجتمع المهاجرين الوافدين ومعالجتها. وجاء فى البيان: «لقد حان الوقت لمواجهة مشاكل مجتمع المهاجرين بشكل علنى وعدم الخوف من مزاعم لا أساس لها من معاداة الإسلام أو العنصرية ضد المسلمين». وعلى وجه التحديد، طالب الموقعون بإجراء دراسات حول الإسلام السياسى، لا سيما فى المدارس، إلى جانب تأسيس مركز توثيق ووقف تعاون الدولة والمؤسسات السياسية مع منظمات الإسلام السياسى وتشكيل مجموعة خبراء مختصة بهذا الشأن فى وزارة الداخلية الألمانية.

 بهذا الشأن كتب موقع «نوردبايرن» (31 أكتوبر 2020) «يجب على مسلمى أوروبا أن يتحرروا بأنفسهم من أولئك الذين، باسم دينهم، يتحولون إلى قتلة ومجرمين، حيث يؤجج متطرفون مشاعر الحقد والكراهية، يأخذون كلمات فى القرآن، دون تفكير، لتبرير أفعالهم».

 وكتب موقع «تسيتسيرو» الألمانى يوم (11 أكتوبر 2020): «لقد مرت عشر سنوات، حتى الآن، على مقولة الرئيس الألمانى السابق كريستيان فولف التى أكد فيها أن «الإسلام جزء من ألمانيا». جملة أثارت ولا تزال تثير جدلا لا ينتهي. وتساءل الموقع عن ارتدادات هذه الجملة اليوم على ضوء الأحداث التى هزت المجتمع الألمانى منذ ذلك الحين. فقد طالب وزير الصحة الألماني، ينس شبان، بالتكاتف من أجل مكافحة الإسلاموية. وفى إشارة إلى أزمة كورونا الراهنة، قال العضو البارز فى حزب المستشارة ميركل إن «أوروبا تشهد موجة إرهاب فى خضم الجائحة». وأعرب شبان عن صدمته إزاء الهجوم الإرهابى الذى وقع فى العاصمة النمساوية فيينا، وعن مواساته للضحايا. وعن الإرهاب والجائحة، قال الوزير الألماني: «يجب أن نتضامن فى مواجهة الأمرين، وأن نعمل معا على مكافحتهما». وقال شبان إن من الضرورى وضع استراتيجية لمكافحة الإسلاموية» ويجب أن نخوض هذه الحرب بالتعاون مع المسلمين الليبراليين».

 أكد الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون فى خطابه الشهير حول «الانعزالية الإسلامية» أن «هدف فرنسا هو تكوين وتأهيل جيل من الأئمة والمثقفين الذين يدافعون عن إسلام يتوافق مع قيم الجمهورية». ومن المعلوم أن هناك مجموعة من الأئمة الليبراليين ظهروا فى دول أوروبية عديدة، بما فيها فرنسا، فى محاولة للتوفيق بين القيم الأوروبية ومبادئ الدين الإسلامي. وبهذا الصدد كتبت صحيفة «تاغسشبيغل» البرلينية (الثانى من نوفمبر 2020) مقالا تعريفيا بالإمام حسن شلغومى، إمام مسجد مدينة درانسى الفرنسية.

اعتبر المستشار النمساوى سيباستيان كورتس أن أوروبا مدعوة لمحاربة الإسلام السياسي، لافتا أن تياراته تهدّد الحرية فى أوروبا، فى وقت يستعد فيه الاتحاد الأوروبى لمناقشة ظاهرة «الإرهاب الإسلاموى».

دعا سيباستيان كورتس الاتحاد الأوروبى إلى مكافحة «الإسلام السياسى» معتبرا أنه «إيديولوجية» تشكل «خطرا على نموذج العيش الأوروبى»، وذلك ساعات بعد هجوم إرهابى شهدته فيينا، وأوضح المستشار النمساوى فى مقابلة مع صحيفة «دى فيلت» الألمانية: «ينبغى على الاتحاد الأوروبى أن يركز أكثر فى المستقبل على مشكلة الإسلام السياسي»، مشيراً إلى اقتناعه بأن مسألة مكافحة الإسلام السياسى ستفرض نفسها كموضوع أساسى فى القمم الأوروبية المقبلة.

وأضاف: «أتوقع نهاية التسامح الذى يُفهم بشكل خاطئ وإدراكا من كل الدول الأوروبية للخطر الذى تشكله إيدولوجية الإسلام السياسى على حريتنا ونموذج العيش الأوروبى».

وتابع كورتس: «ينبغى على الاتحاد الأوروبى أن يتولى مكافحة الإرهاب الإسلامي، ولا سيما مكافحة القاعدة السياسية التى يستند إليها، أى الإسلام السياسى بكل العزم والوحدة الضروريين».  وأوضح «أنا على اتصال من الآن بالرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون والكثير من رؤساء الحكومات بشأن هذه المسألة لنتمكن من التنسيق بشكل أوثق داخل الاتحاد الأوروبى». وردا على التطورات الأخيرة، أعلن وزير الداخلية الألمانى، هورست زيهوفر، أن الاجتماع المقبل لوزراء داخلية الاتحاد الأوروبى سيركز على «الهجمات الإرهابية الإسلاموية»، وفقا لما اتفق عليه الوزير المنتمى إلى الحزب المسيحى الاجتماعى البافارى، مع نظيره النمساوى كارل نيهامر.

وبناء على هذا المستجد، ستتغير أجندات الاجتماع المقبل، والذى كان سيتطرق لإصلاح السياسة المشتركة للهجرة واللجوء فى أوروبا، وأكد زيهوفر فى هذا السياق أن الأوروبيين لن يمكنهم القضاء على الإرهابيين إلا بالعمل معا. نقلاً عن دويتش فيله