الإثنين 1 مارس 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
احمد باشا

«ملحمة السويس».. قيمة الحب فى سبيل الوطن

جرت العادة فى تقديم العروض المسرحية التى تتناول قضايا وطنية أن تتحدث بصيغة من المبالغة عن البطولات، بسرد قصص وأمجاد تحقق البطولات على مدار أعوام مضت، كيف صنعت وتدرج مراحل صناعتها على يد أبطالها، لكن نادرا ما تتناول هذه الأعمال تلك البطولات بوجه آخر وصورة أخرى تكشف عن كيفية الوصول إلى معجزة البطولة، كيف صدقوا وأحبوا هؤلاء هذا الوطن حتى يصلوا إلى هذه الدرجة من صدق الإيمان المجرد بالحب، وبالتالى تكون النتيجة تحقيق البطولات الأسطورية الخارجة عن حدود العقل والمنطق.



كان المخرج والمؤلف محمد زكى أكثر ذكاء ووعيا وإدراكًا لقيمة إبراز الحب فى سبيل الوطن، هذه المشاعر غير المفهومة والدفينة داخل كل منا ما تجعلنا نصل إلى هذه الدرجة من البطولة المجردة من مصلحة أو هدف، جاء عرضه المسرحى «ملحمة السويس» قصة أو حكاية عن الجهاد فى سبيل الحب، تدرجت مستويات ومراحل الحب بالعرض فى تناول رواية شعب السويس وتضحيتهم فى سبيل الوطن سعيا لنصره، لم يركز العمل على الخوض فى تفاصيل المعارك التى خاضها أهل السويس من أيام حرب الاستنزاف وحتى حرب 73 ، فلم يبرز بطولات بقدر إبرازه لشكل وسرد العلاقات الإنسانية بين أفراد شعب السويس، العلاقات الأسرية والجيرة التى جمعت أهل المكان فى مشاهد متفرقة بين جدران منازل هذه العائلات، وهذا الشارع الذى جمع أطياف مختلفة من البشر لكن فى النهاية جمعهم الحب والإخاء، تناول العرض قصة مجموعة من الأفراد يقطنون أحد أحياء مدينة السويس بينهم صراعات ومودة وقصص حب متفرقة بين شاب وفتاة وصديق وجارته ورجل وإمرأة وأم وابنها، شاب ينتمى لأفراد المقاومة الشعبية من المدينة وفتاة التحق اخاها بالجيش ولم يعد منذ ست سنوات، تغيب عن أهله ومازال والده ووالدته على أمل عودته، يقتلهم الانتظار، ويرفض الأب وبشدة زواج ابنته من هذا الشاب صديق أخيها، بينما يصر هو على الانتظار وإقناع ابيها بكل الطرق مهما دفع من ثمن وتحمل من صبر فى مقابل الاحتفاظ بهذا الحب، نعلم مع مرور الأحداث أن الوالد كان على علاقة حب قديمة بوالدة هذا الشاب مما دفعه للرفض العنيف من زواج ابنته به.

كما ذكرنا تتدرج مستويات وأنواع الحب بالعرض، التى تخدم على القصة الرئيسية حب الأرض والوطن والاستماتة فى الدفاع عنه، باشكال الود وأحيانا العداء التى جمعت بين أفراد هذا الحي، صور المخرج تصوير بالغ الروعة والذكاء فى مشهد مائدة الطعام التى جمعت الأسرتين أسرة أمل الحبيبة وصلاح كل منهم فى منزله يتناول طعامه، بينما بدوا وكأنهم يجلسون معا فى جلسة طعام واحدة، الود والاجتماع على كلمة واحدة عندما يخص او يتعلق الأمر بالمقاومة أو المساعدة فى زواج أحد افرادهم وكأنهم عائلة واحدة لا يفرقهم شيء سوى جدران المنازل، والعداء من جانب الأخ المعترض دائما والساخر من أخيه واصدقائه الذين مازلوا يصدقون فى الانتصار بالإصرار على المقاومة، ثم انتظارهم جيمعا وشغفهم بعودة الغائب من الحرب الذى سنكتشف أنه مات شهيدا بعد أسره، ويعود فى مشهد بديع صنعه المخرج مع مصمم الإضاءة إبراهيم الفرن وزياد هانى كمال وهو يركض وكأنه هرب من العدو ثم يسقط مغشيا عليه بين أيدى أهل المدينة، يعود إليهم محمولا على الأكتاف، وتصرخ والدته بأنها منحت البلد أعز ما تملك، فى نفس المشهد ويوم عودة الإبن الشهيد يقرر الأب إعلان موافقته على زواج صلاح من أمل بعد معاناة طويلة من العند والرفض، مؤكدا أنه ينتظر ثأر ابنه من الأعداء على يد صلاح الذى يثق فى حبه لإبنه، دائرة طويلة من الحب والعشق تدور فيها وحولها أحداث العرض المسرحي، وكأن الحب على اختلاف اشكاله وانواعه هو المحرك الرئيسى لكل الأحداث فى حى السويس كانت هنا المحلمة ليس عن سرد بطولات والتفخار بها بينما جاءت ملحمة فى سرد المشاعر الدافئة وكأنه أراد أن يثبت بأن الحب وصدق الإيمان هما أهم عوامل النصر فى المعارك الكبرى معالجة فنية ذكية ذهبت بنا إلى عكس المتوقع والمألوف.

لكن على الرغم من بعض الهنات التى وقع فيها أحيانا أبطال العمل من الأداء التمثيلى الذى يبدو أقرب للهواة أو للمسرح الجامعى منه إلى عمل محترف إلا أن بعضهم اثبت وجوده بقوة واقتدار ويأتى على رأسهم مصطفى سعيد فى دور توفيق كان الأكثر لفتا للانتباه بأداء شخصيته بمنطق المحترفين متخليا عن اندفاع الهواة فى أداء هذا النوع تحديدا من الأعمال الوطنية التى قد يقع ابطالها فى فخ الحكم والمواعظ والأداء الحنجورى وكذلك شاركه فى نفس الأداء المحترف والمتزن محمد هانى ومن النساء نيهاد سعيد ونيفين أغا كان لهولاء النصيب الأكبر من تحمل مسئولية خروج العرض بشكل أقرب للاحتراف، بينما وقع آخرون فى أداء أقرب إلى اندفاع الهواة من ثقل المحترفين بجانب أزمة الإيقاع الرتيب الذى بدا عليه العرض وهو ما يتناقض مع دفء المشاعر وطاقة الحب التى أراد المخرج تصديرها من خلال عمله الذى يعتبر استثنائيًا فى تناول هذا النوع من القضايا مسرحيا، شارك فى بطولة الملحمة مروان عنتر، محمد خلف، بسام عبد الله، كريم محجوب، اسماء عمرو، سعاد الهواري، فادى القاضى، محمد رشدى، رنا حسن، إبراهيم الزيادى، ديكور مينا رضا، إضاءة إبراهيم الفرن، ملابس وماكياج روان علاء، تأليف وإخراج محمد زكى.