الثلاثاء 2 مارس 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
احمد باشا

أحمد مكى الكبير أوى

الضحك ظاهرة إنسانية بالأساس يصنفها العلماء كوسيلة للتواصل بين الجميع ، لذا ينفق العالم المتقدم مبالغ طائلة على علاج حالات الاكتئاب، ونحن فى مصر يكفينا أن نشاهد الفنان أحمد مكى لـ5 دقائق حتى ننسى كل همومنا، فصاحب عشرات الوجوه يجبرك على الضحك، بعد أن صنع لونه الخاص من الكوميديا، فاحتل مكانة مميزة بين نجومها الكبار وحصل على محبة الملايين.  



 مكى فنان له قدرات فريدة، مذاق مختلف، امتلك مهارة صناعة الضحك، نراه فى الحقيقة إنسانا عاديا، لكنه أمام الكاميرا يتحول وكأن آلهة الإغريق قد أصابته بمس، فأصبحت تحيطه هالة من الكوميديا التلقائية التى ترسم علامات البهجة على وجوه مشاهديه، فأصبح ناظرا لمدرسة كوميدية خاصه به.

متعدد المواهب، تنطبق عليه مقولة سبع صنايع لكن “بخته مش ضايع”، هو مخرج وكاتب وممثل ومغنى، روحه تغذت على الكثير من التجارب الحياتية التى مرت به بقسوتها ومرارتها في الكثير من الأحيان، لذا أرد أن ينقل هذه الخبرة إلى غيره بعد أن صادفت نفسه هوى الفن، فأصبحت الحاجة إليه بكل ما يمثله فى حياة المصريين، مثل الحاجة إلى الطعام والشراب، أى أنه أصبح من الحاجات الأساسية، فمن منا ليس في حاجة إلى بسمة خالصة تصدر من القلب بعد مشاهدته في “ اتش دبور” أو الكبير قوى” بشخصاته.

حضوره يسرق الأنوار، رفع شعار التجربة والمغامرة، لذا نجده يتتبع الفكرة فى لحظات تخليقها الأولى، يتميز عمله بالصدق وصفاء الروح، فلم يكتف بمقعد المتفرج شأن العابرين فى كل العصور، فاختار أن يكون فاعلا فى مجتمع يحتاج إلى التغيير، إلى بسمة تمنح الأمل فى غد قادم، فتحول إلى ملهم ينقذ المئات من مصير مظلم بعد أن عمق وعيهم بالعالم، فقط بكلمات بسيطة خرجت صادقة فدخلت مباشرة قلوبهم.

أحمد مكى، هو خلطة كوميدية خالصة، لو لم تكن موجودة لاخترعناها، بدأ الحفر من أجل تحقيق حلمه قبل عقود، تحدى خلالها الظروف المحيطة، فحوّل هزائم الطفولة إلى انتصارات، بعد أن خاض معركة بينه وبين نفسه، فنجح إلى حد كبير في أن يجعل حياته مطابقة لأفكاره، فارتقى أعلى مستويات الفن بعد أن تلمس فى أعماله أكثر من أزمة أو مشكلة تحتاج حلا لها, فى حين يرى الآخرون أن “كل شىء cool” ، بينما هو يقول هو بلسان الكبير أوى “يا وجعه مربربة”.

 ■ ■

بين مدينة وهران الجزائرية وحى الطالبية في القاهرة، ليس فقط 3700 كلم، لكن هناك اختلافا كبيرا فى الجغرافيا المكانية والاجتماعية والثقافية ، فالأولى ولد وعاش فيها سنوات التكوين والثانية تربى فيها عقب انفصال والديه حتى بداية لمعان نجمه فى سماء الفن، وبينهما محطة غاية فى الأهمية ذات تأثير كبير على تكون أحمد مكى، وهى السنوات التى قضاها في دولة الإمارات، فقد عاش حياة مرفهة جدا فى طفولته حتى تم الطلاق بين والديه فتحولت الحياة لجحيم، لذا كان من الطبيعى أن يختار قدوته الشاعر والممثل الأمريكى أيقونة موسيقى الهيب هوب “توباك شاكورا”، فحياة كلاهما متشابهة، فالمغنى الأمريكى والده ترك أمه واضطر للتعامل مع البشر بدون خبرة.

■ ■

لم يكن من الغريب أن يستطيع ابن برج الجوزاء التكيف مع حياته الجديدة فى القاهرة، فهو غالباً ما يكون على استعداد للتجارب الجديدة والتحديّات المُختلفة، اجتماعى قادر على جذب انتباه الجميع لسماع حديثه والمُشاركة معه، ساعده على ذلك امتلاكه مهارات تواصل مميزة، بالإضافة إلى أنه دائم التعلم وهوما يصقل شخصيته على المستوى الشخصى والعملى.  ■ ■

 “صانع النجوم”، هى أحد سماته الأساسية، فهناك كثير من النجوم الموجودين على الساحة الدرامية والسينمائية قدمهم  مكى، فالجمهور لم يعرفهم إلا من خلال أفلامه ومسلسله الشهير “الكبير أوى”،  ولم يتوقف الأمر عند حد التقديم، بل أعاد اكتشاف فنانين بعد تقديمهم في أدوار غير تقليدية وغير متوقعة بالنسبة لهم وللجمهور.

 حقبة النجاح الكبير جماهيرياً بدأت معه بفيلم “طير أنت”، ثم “لا تراجع ولا استسلام”، وتزامن معها نجاح آخر لا يقل عنها فى مجال أغانى الراب،  التى خلط فيها بين الفن والواقع ليقدم تجربة سحرية ساهمت في تغيير العديد من السلوكيات الخاطئة لدى الشباب، مثلما حدث مع كليب “وقفة ناصية زمان” فمظهره شجع شبابا كثيرا على رياضة كمال الأجسام، كذلك أغنية “قطر الحياة” التى كانت سببا في إقلاع  الكثيرين عن الإدمان.

يؤمن بدور الفن فى تعزيز قيم الانتماء، فقدم أغنية «نلغى المستحيل»، لنعى شهداء الوطن الذين استشهدوا إثر العمليات الإرهابية المختلفة، كما يشارك فى الجزء الثانى من الملحمة الوطنية “الاختيار”، الذى يخرج خلاله من عباءة الكوميديا تماما ليقدم شخصية جادة وهو دور ضابط .

سيظل أحمد مكى لسنوات طويلة وجها من أنضر وجوه الفن التى لا يمكن أن ننساها بسهوله عبر الأجيال، فلن يستطيع التاريخ أن يطوى بين سجلاته شخصيات “إتش دبور” ولا الكبير أوى، وبالتأكيد حزلقوم، فكل هذه المواهب والأعمال كونت قاعدة جماهيرية كبيرة جعلت منه شخصية تستحق عن جدارة وسام الاحترام.