الثلاثاء 2 مارس 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
احمد باشا

قصة قصيرة

عيون لا ترمش

الحب جنون، فما بالكم بحب المجنون! ذاك المشرد الأربعينى الذى يعيش فى الشارع وينام على الرصيف، بملابسه المهترئة المتسخة وشعره المتلبّد وجسده المتسخ، يرتدى فى إحدى قدميه حذاء وفى الأخرى شبشب. وقع فى غرام فتاة جميلة، ممشوقة القوام، شعرها كستنائى قصير، وبشرتها بيضاء ناعمة، وعيونها عسلية ساحرة. ترتدى فستانا أزرق أنيقا جدا، وتقف أمام محل لبيع فساتين السهرة. كان يجلس على الرصيف المقابل للمحل ينظر إليها مشرئبّ العنق، حينا يبتسم لها وحينا يقهقه. ثم يقف عاقدا ذراعيه وراء ظهره، وبعدها يجلس القرفصاء دون أن يكفّ عن النظر والتبسّم لها. 



أمّا هي، فكانت تنظر ناحيته مبتسمة والمسكين يظن أنها تبتسم له. -يقول ابن حزم الاندلسى فى كتاب طوق الحمامة: «وللحب علامات يقفوها الفطن، ويهتدى إليها الذكي. فأولها إدمان النظر، والعين باب النفس الشارع، وهى المنقبة عن سرائرها، والمعبرة لضمائرها والمعربة عن بواطنها. 

فترى الناظر لا يطرف، يتنقل بتنقل المحبوب وينزوى بانزوائه.» تجرأ المحب المجنون ومشى ناحيتها وقلبه يدق بقوة ربما يسمعه من يمر بجواره، وجلس فى منتصف الشارع فكادت إحدى السيارات أن تصدمه لولا أن جذبه أحد المارة من يده وعبر به الطريق. اقترب من الفتاة أكثر وهو يضحك بمرح ويصفق كأنه يحتفل بلقائها، ثم تجرأ ولمس يدها وقلبه يكاد يخرج من قفصه الصدري. لفّ ذراعيه حول خصرها، أحتضنها بقوة.

كل هذا والناس فى الشارع يضحكون من أفعاله، حتى خرج صاحب المحل ممسكا بعصا مكنسة صارخا به: «ابتعد عنها ستوسّخ الفستان». وهمزه فى كتفه فتركها هاربا. حمل صاحب المحل المانيكان وأدخلها إلى المحل، وما كانت فتاة صاحبنا إلا دمية لعرض الملابس.