الإثنين 18 أكتوبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
احمد باشا

«نساء بلا غد» مأساة وطن تجسدت فى حكايات ثلاث لاجئات

مأساة حرب تجسدت فى حكايات ثلاث نساء، اختزلها المؤلف فى معاناة المرأة فالتحم جسدها بجسد الوطن المعذب مسلوب الإرادة، هكذا جاءت حكايات ثلاث لاجئات سوريات من محافظات متفرقة فى العرض المسرحى «نساء بلا غد» للمخرجة السورية نور غانم، المأخوذ عن نص «نساء بلا رب» للمؤلف والمخرج العراقى جواد الأسدي، والذى استطاع بدقة وذكاء تجسيد آلام ومعاناة وطن فى روايات هؤلاء اللاجئات، قدم العرض فى إطار مشروع شباك الفن التابع لمعهد جوتة الثقافى.



«نساء بلا غد» يتناول قصة اللجوء التى عانى منها السوريون فى سنوات ماضية، أثناء الحرب والدمار الذى شهدته سوريا على مدار سنوات متعاقبة، حكاية مريم الفتاة المتدينة الأقرب للمتشددة والتى جاءت من حما وهى إحدى محافظات سوريا التى تأخذ طابع التدين المبالغ فيه، عانت مريم قبل الوصول إلى مكان اللجوء إلى ألمانيا من ويلات الحرب تعرضت للاغتصاب بدعوى جهاد النكاح أكثر من مرة على يد أكثر من رجل، ثم جاءت إلى هذا المعسكر كى تنسى ما حدث وتبدأ حياة جديدة، تبدو فى الظاهر شخصية سوية متدينة لكنها تعانى من صراع نفسى مرير كادت معه تفقد إيمانها، ثم آديل الفتاة الطموحة الحالمة التى تعرضت إلى حادث مرير بمقتل ابنتها برصاصة فى قلبها بعد أن عالجتها من ثقب فى القلب كانت قد ولدت به بينما تفقدها فى الحرب، والممثلة المسرحية المثقفة فاطمة القادمة من دمشق، والتى فقدت بريق نجوميتها مع الحرب وتعرضت أيضا للاغتصاب والإهانة، يتقابلن فى معسكر اللجوء كل منهن تحكى مآساتها للمحقق لعلها تحصل على إثر هذه المأساة على ورقة اللجوء إلى المانيا حتى تستطيع أن تبدأ حياة جديدة. جاء ذكاء المؤلف وإبداعه فى تمثيل ثلاث ثقافات لثلاث بيئات سورية مختلفة، ربما قد لا نعلم عنها الكثير فى مجتمعات عربية شقيقة، استطاع تصوير التباين الثقافى والمجتمعى والفكرى السورى فى هؤلاء النسوة الثلاث، على حد قول المخرجة نور غانم التى أكدت أن جواد الأسدى مثل مستويات المجتمع السورى الجزء اليسارى المتحرر المتمثل فى آديل التى تؤكد أنها من «اللاذقية»، والجزء المتدين المتشدد المتمثل فى مريم وهى من «حما» والجزء المتزن بين التحرر والتدين الوسطى أو الذى يمثل الجزء المتماسك من المجتمع السورى بطبقته السائدة، المتمثل فى «فاطمة» الممثلة المسرحية من دمشق، هؤلاء قدموا مأساة ومعاناة وطن من خلفيات ثقافية واجتماعية متباينة، التقوا الثلاث فى هذا المعسكر، وتسببت خلفياتهم الثقافية المتأرجحة بين التحرر والتشدد ثم الصدق والرياء، فى شجار متصل بينهن ربما كانت مريم الشعلة التى تؤجج دائما هذا الشجار بسبب ازدواجياتها بين رغبتها فى التحرر وممارسة حياتها الطبيعية، وبين تمسكها بتدينها وتشددها الظاهرى بينما نعلم مع مرور الأحداث عن علاقتها بالشاب البوسنى السرية والتى تخجل دائمًا من التحدث فى تفاصيلها.

استطاعت نور غانم كمواطنة سورية، ربما هى الأشد حساسية وشعورا بما كتب جواد الأسدى فى التعبير عن تلك المأساة، بتكثيف غير مخل لهذه القضية وتلخيصها بمهارة شديدة، دون أن تضطر للإسهاب والمطاولة، يخاطب العمل بعذوبة مشاعر المتلقى ويطلعه على أسرار تفاصيل ما تعرضن له هؤلاء النسوة فى فترة معينة دون اللجوء إلى شعارات رنانة أو استخدام عبارات متكررة فى هذا النوع من العروض، بل اكتفت المخرجة والمؤلف بتشريح نفسية وخلفية المجتمع السورى من خلال نسائه المتفرقات، حيث كانت نور أكثر ذكاء وحكمة بالدخول إلى عمق المعنى ومضمون العرض بسلاسة واحتراف فى التعامل مع نص عن قضية سورية خالصة تقدم أحداثها فى مجتمع عربى شقيق، ربما لا يعلم الكثير عن تفاصيلها الإنسانية، تمكنت من جذب هذا المجتمع إلى الدخول فى أعماق قضيتها ومجتمعها وتفاصيل خلفياته الثقافية والاجتماعية، وبرغم تواضع خشبة المسرح بمعهد جوتة الذى قدمت عليه أحداث العرض إلا أن المخرجة استطاعت بدهاء المحترفين التعامل مع أزمة هذا الضعف الفنى الذى بدت عليه قاعة المسرح، بالتركيز على إبراز المحتوى وطاقة الممثلات، اللاتى لعبن على مهارة الموهبة وبساطة الديكور للمنزل الذى حبسن فيه إلى حين الحصول على السماح باللجوء، اختفت أزمة ضعف التقنيات بقاعة العرض لتحل محلها قوة المحتوى المقدم على خشبة المسرح.

صراع نفسى وتشوه إنسانى تعرضت له ثلاث نساء على اختلاف رد فعل هذا التشوه على كل منهن، كان على الممثلات العبء الأكبر فى إبراز هذا الصراع المرير، ومردود هذا الصراع فيما بينهن من علاقة جمعتهن داخل مكان واحد، وهن مطلبات بالتعايش مع كل هذا الخلاف والازدواجية، فكأنهن حطام إنسان اجتمعوا معا فى سجن أبدى خارج وطنهم الأصلى، استطاعت كل منهن أن تبرز روح هذه المعاناة بطريقتها الخاصة كان لبسمة ماهر الحضور الأقوى بالعرض نظرا للشخصية الغنية دراميا التى لعبتها وهى شخصية مريم المتدينة الراغبة فى التحرر من هذا الإيمان، والتدين الزائف الذى يعيق رغبتها فى نيل ما تريد بينما يجبرها المجتمع على التمسك بما اعتادت عليه من وقار وحشمة، تدخل مريم دائما فى خلاف وشجار مع شريكتها آديل المتحررة الكارهة لازدواجياتها وكذبها الدائم، فى لحظات الشجار والصراع تطرح بسمة ماهر نفسها فى هذا العرض بشكل جديد ومختلف تماما عما قدمت من قبل حيث بدت ممثلة لها ثقل وحضور كبير على خشبة المسرح، شاركتها هذا الحضور لونا ابو درهمين فى دور ممثلة المسرح التى آفل نجمها ثم نهال الرملى فى دور آديل الناقمة على وضعها دائما وأضاف الجميع على مهارة التمثيل مهارة التعبير الحركى طوال العرض وهو ما احتاج جهد مضاعف من الجميع، «نساء بلا غد» عمل مسرحى إنسانى بالدرجة الأولى قدمته المخرجة نور غانم فى إعادته الثانية أكثر نضجا وتماسكا وكانت اكثر قدرة فى التعبير عن قضيتها الشائكة بعذوبة واحتراف.