الثلاثاء 18 مايو 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
احمد باشا

واحة الإبداع ..

جنازتى أنا!!

الأعمال للفنان: أحمد عسقلانى



يسيل بجوار النيل فى بر مصر نهر آخر من الإبداع.. يشق مجراه بالكلمات عبر السنين.. تنتقل فنونه عبر الأجيال والأنجال.. فى سلسلة لم تنقطع.. وكأن كل جيل يودع سره فى الآخر.. ناشرا السحر الحلال.. والحكمة فى أجمل أثوابها.. فى هذه الصفحة نجمع شذرات  من هذا السحر.. من الشعر.. سيد فنون القول.. ومن القصص القصيرة.. بعوالمها وطلاسمها.. تجرى الكلمات على ألسنة شابة موهوبة.. تتلمس طريقها بين الحارات والأزقة.. تطرق أبواب العشاق والمريدين.  إن كنت تمتلك موهبة الكتابة والإبداع.. شارك مع فريق  «روزاليوسف» فى تحرير هذه الصفحة  بإرسال  مشاركتك  من قصائد أو قصص قصيرة أو خواطر «على ألا تتعدى 550 كلمة» مرفقا بها صورة شخصية على الإيميل التالى:

[email protected]

 

جنازتى أنا!!

 

قصة قصيرة

 

كتبها - أحمد الحسينى 

 

كان المعهد الأزهرى القديم الذى شهد انتقالى من الطفولة للشباب، عبارة عن مبنيين كبيرين أحدهما للمرحلة الإعدادية والآخر للثانوية، على ناصية شارعين، أحدهما شارع رئيسى مزدحم، والآخر شارع جانبى هادئ.

كانت البوابات فى ذلك الشارع الجانبي، أما ما يوازى الشارع المزدحم، فكان ظهر المبنى محميا بمجموعة من أشجار الكافور الباسقة، يحدها سور يمتد على طول الشارع الرئيسي. تحت تلك الأشجار كان مكانى المفضل فى فترة الفسحة، ومنعزل المذاكرة فى أيام الامتحانات قبل الدخول للجان.

كانت منطقة شبه مهجورة، فالجميع كان يفضل حوش المعهد الأمامى الفاصل بين المبنيين، وأنا وإن كنت ألعب معهم أحيانا، كنت أفضل الانعزال والهدوء والجلوس تحت تلك الأشجار، وحيدا، أو بصحبة قليل من المتأملين الآخرين، يمر بنا فقط الصبية الساعين للقفز من فوق السور والهرب للعب البلاى ستيشن.

هبطت من السيارة مبتسما لمرأى المكان الذى لم أره لسنوات، وقد هيج فى ذكريات الطفولة البعيدة المحببة.

الباب مفتوح، ولمحت بعضا من أصدقائى مجتمعين داخله، زادت ابتسامتى وانقلبت لضحكة واجهت بها «عبد الرحمن»، الذى بدا على وجهه الاستغراب الشديد المختلط بالاستنكار، صافحنى ببرود وعينه لم تفارق وجهى الضاحك، ثم تركنى ومضى.

وجدت خلفه «مصطفى» أقرب أصدقائى وزميل المقعد، قابلنى بالأحضان ثم سحبنى بهدوء لنتمشى تحت الأشجار، وهمس: أنا أيضا افتقدتك، لكن مالك لا تسيطر على ضحكاتك، أم أنك لا تعلم بما حدث؟

- ما الذى حدث؟

= لقد وقع حادث لأتوبيس يقل بعض أصدقائنا من الطفولة وهم فى طريق رجوعهم، ونحن مجتمعون هنا فى انتظار وصول جثمان أحدهم.

توقفت ونظرت حولي.. ما أحمقني!    

لماذا لم أفكر فى سبب اجتماع هؤلاء الآن، هذا «محمد علي» و «محمود» وفى الزاوية هناك بعض فتيات لعلهن من زميلات الإبتدائية، وبعض الرجال الآخرين أعطونا ظهورهم فلم أتبينهم.

لقد تملكنى الحنين للمكان فلم أنتبه إلى أن اجتماع هؤلاء كان يجوز وقتها، ولم أتساءل ما الذى عاد ليجمعهم الآن وكل واحد منهم صار رب أسرة وأولاد وكل منهم صار فى محافظة مختلفة، بل ربما فى دولة مختلفة.

هنا دققت فى الملامح فاختفت منها طفولتها وعادت إليها التجاعيد الخفيفة والشعر الأبيض تناثر فى الرؤوس واللحى.

نظرت لمصطفى أتأمله، وتذكرت ما الذى دفعنى لاستقلال السيارة والمجيء إلى هنا فى المقام الأول، لقد حلمت أمس بهذا المكان خصيصا، وهو ليس الحلم الأول، لكن هذه المرة كأن هناك مناد ينادينى للعودة له.

- من مات يا مصطفى، أفيهم أحد أصحابنا؟

صمت مصطفى وهو يتأمل الضحكة التى تحولت لحزن عارم، والانكسار الذى بدا على وجهي.

عرفت الآن لم قابلنى «عبد الرحمن» بذلك الفتور.

= نعم، هو فى الطريق الآن، ستعرف حين يصل.

- ولماذا نحن هنا، ألا ننتظرهم عند المقابر؟

= لقد كانت وصيته أن يدفن تحت هذه الأشجار، وقد استصدرنا الموافقة بصعوبة وها نحن فى انتظاره.

وأشار لمنطقة معينة، ما أن رأيتها حتى عادت لى ضحكاتى مرة ثانية وانفرجت أساريري. ذاك مكان انعزالى وتأملى المفضل يا مصطفى، أنا من أحببت أن أدفن هنا وأوصيت بذلك.. لابد أنكم بانتظار جنازتى أنا.

وتركته خلفى مصدوما ومضيت، الهواء البارد يلفح وجهي، وتحوطنى ذكريات ماض بعيد. أفقت على مطارق تضرب رأسي، على سريرى المنعزل، فى بلد آخر، يبعد آلاف الكيلومترات عن أشجار الكافور.

يوم آخر من الصداع اللعين، وسنتى الرابعة قاربت على الانتهاء.