الثلاثاء 28 يونيو 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
احمد باشا

من واقع التاريخ

معارك أدبية أثرت الحياة الثقافية المصرية

فى النصف الأول من القرن العشرين كانت بداية انطلاق نهضة ثقافية فى مصر واصلت فيها القاهرة ريادتها كعاصمة للثقافة العربية، وقد نتج عن ذلك التنوّع حركة ثقافية متعددة الانتماءات تميل إلى الحضارة الأوروبية وتنتقد الثقافة الشرقية، وتطالب بالتجديد فى التراث الأدبى؛ والحياة الاجتماعية، والسياسية أيضًا.كانت صفحات الجرائد والمجالات ساحة للنزال بين الرواد الكبار من الأدباء، وإن كانت معاركهم فى النهاية لا تخلو من ود دفين، واحترام متبادل بينهم، لأن الهدف فى النهاية هو محاولة الوصول إلى نقطة تلاق بينهم.. 



فكانت المعارك الأدبية بطبيعتها تنتهى إلى نتائج ترضى جميع الأطراف، ولم يكن النصر فيها أو الهزيمة هما الفيصل، ولما كانت المعارك الأدبية تثرى مناقشات الأدباء والمفكرين حول موضوع أو قضية معينة، وترتقى بمستوى ثقافة قرائهم. وبقدر ما اتسمت تلك المعارك بالخصوبة والغنى فقد أثرت مساحة النقد والفكر والإبداع وكانت محفزا لظهور مؤلفات أدبية وفكرية عديدة بل كانت موضوعا لموضوعات أكاديمية استلهاما من أجواء تلك المعارك وتوسيعا لها من دائرة الصحافة إلى دائرة التأليف.

ومن بين الماضى والحاضر يرى الناقد د.صلاح فضل أن المعارك الثقافية أصبحت شخصية وتافهة، ولا تستثير اهتمام الناس، وينظر إليها على أنها حماقات لا قيمة لها، فى نفس الوقت الذى يجعل من الصعب جدًا ترجمة الصراعات الفكرية الكبرى إلى معارك أدبية. ويضيف «فضل»: عصرنا الحديث لم يعد ملائمًا لنوع المعارك التى كانت تنشب قديمًا بين الأدباء، وتختلط فيها القضايا الحقيقية بالشخصية، إن المعركة الكبرى الحقة التى تتحدى جميع المثقفين الآن أن ندخل العصر الحديث بشروطه وتضحياته، وروحه النقدية، أو نظل أسرى للنموذج السلفى للعصور الوسطى، لا نريد للتاريخ أن يعود للوراء لنعيش فى القرون السابقة، وهذه هى المعركة المصيرية التى يتعين على كل واحد منا أن يحدد موقفه بالنسبة لها. محاولات غضه ليس من الغريب أن نجد أديبًا كبيرًا اليوم يلقى بجام غضبه وسخطه على شاعر صغير لا حول له ولا قوة، كل ما قدمه للحياة الثقافية هو قصائد قليلة تعد على الأصابع.

لا توجد معارك أدبية اليوم ولا يوجد قراء يتابعونها اللهم إلا فى القليل النادر سرعان ما تخبو نارها وينفرط عقد متابعيها وذلك  لضحالة الإنتاج الفكرى والأدبى اليوم قياسا إلى زمن الرواد وشيوع النمط الاستهلاكى وانتشار الكتابة السهلة والقارئ المتسرع، والشللية الأدبية القائمة على المجاملة والرياء والحرص على المكاسب والحفاظ على شبكة العلاقات الاجتماعية والمهنية ولبروز أقطاب جذب أخرى مثل وسائل التواصل الاجتماعى، بل إن الفكر ذاته فى أزمة وفى مخاض عسير ونفق طويل.

وعن أهم المعارك الأدبية فى الماضى يشير «فضل»: كان الدكتور طه حسين من أصحاب المذهب الجديد، الذين يطالبون بإعادة النظر فى التاريخ الأدبي، وإجراء دراسة نقدية لذلك التراث. لأنه يشك فى ذلك التراث كله ولا يؤمن به ويطالب الباحثين بتجديد مناهجهم العلمية حين يبحثون فى الأدب العربى؛ وطالب بتطبيق المنهج الديكارتي، وقد ذكر تحوّله إلى الثقافة الغربية وانتماءه إلى تلك الثقافة الأوروبية واعتزازه بها مقابلةً بنقده التاريخ العربى بأدوات منهجية غربية مستحدثة.

وفى كتابه «فى الشعر الجاهلى» يؤكد هذه النظرية، ويطبق المنهج الديكارتى الشكى على الشعر الجاهلى ليتوصل إلى نتيجة: «أنه شِعرٌ منحول». ويُطالب الأستاذ «طه حسين» بالتجديد فى الأدب العربى من خلال مذهب مستنير جديد؛ وينتقد أنصار المذهب القديم ويصفهم بـ«الساذجين».

وفى المقابل ينتقد الرافعى هذا المذهب الذى يدعو له طه حسين وأدعياء التجديد مثله، ليمتد بينهم السجال الفكرى حول ماهية المذهب الجديد.

يرفض الرافعى المذهب الجديد، ولا يُقِرّ به على الطريقة التى يدعو إليها جماعة المجددين فى الأدب واللغة، ويخالفهم فى عدة مسائل وينتقد أطروحتهم فيما يتعلق بالقديم والجديد، ويشير إلى أن هذه العبارة غير واضحة الدلالة، وأن القديم لا يتناقض مع الجديد بل كل منهما هو مكمّل للآخر.

وخاض الرافعى معركة ضد غريمه العقاد وجمع بعضا من مقالاته فى كتاب جعل عنوانه «على السفود» وقد قدم له تلميذه محمد سعيد العريان، وقد زعم الرافعى أن قلمه كالسفود يشوى جلد العقاد، وكان العقاد يسمى الرافعى خفاش الأدب وأن السوط فى يده وجلد الرافعى خلق لمثل سوط العقاد، ولربما كانت مى زيادة  الملهمة للأديبين فقد كان كلاهما يحبها ويعتقد أنها تحبه وحده وفى الإبداع لا يمكن إهمال تأثير المرأة على الأديب وأنها مصدر للإلهام ولا يمكن التغاضى عن الجسد وشهواته ونوازعه الدفينة والمكبوتة ورغبته فى الإشباع بسبب جاذبية الجسد وسلطته، وأن الأديب فى النهاية هو كائن بشرى يحب ويشتهى ويرغب فى السيطرة والإخضاع ويريد الشهرة والريادة. وقد زعم العقاد أن الرافعى كذب حين وضع إطراء سعد زغلول لكتابه «وحى القلم»  الذى جاء فيه: «كلام كأنه تنزيل من التنزيل أو قبس من نور الذكر الحكيم»  وقال إنه كتبه هو ونسبه لسعد زغلول وأنه عقبة فى طريق الكتابة يجب إزالتها فتصوره للأدب قديم.

عندما ألف زكى مبارك كتابه «النثر الفنى»، والذى خالف فيه رأى المستشرقين ورأى طه حسين فى كتابه الأشهر «فى الشعر الجاهلى»، ليدبُّ الخلاف بينه وبين أساتذته فى جامعة السوربون، محل حصوله على الدكتوراه، ثم يعود إلى مصر مواصلًا الحملة على آراء المستشرقين، ويصدر كتابه «النثر الفنى» فى مصر ليلقى عاصفة نقدية.

بمجرد قراءة طه حسين للكتاب ثارت ثائرته وتذكر ذلك الطالب الذى انتقده أمام مئات الطلاب، والذى عاد من جديد ليهاجم رأيه وينكره بل ويتهمه بالاعتماد على مصادر غير معروفة، فكتب يسفه من الكتاب ويقلل من قيمته حتى إن البعض صار يتندر بالجملة التى كتبها وهى : «كتاب من الكتب ألفه كاتب من الكتاب»، رافضًا ذكر اسم زكى مبارك.

غضب زكى مبارك بسبب هجوم طه حسين الذى لم يستند على رد علمى دقيق وفقًا لرأيه، فكتب يقول: «كنت أنتظر أن تفرح بكتابى، لأنه كما تعلم جهد أعوام طوال، ولكن خاب الظن وعرفت أنك وسائر الناس تغضب وتحقد، وكنت أرجو أن يكون عندك شىء من تسامح العلماء».

وتابع: «تعالى نتحاسب يا ناسى العهد ويا منكر الجميل، لقد مرت أعوام لم يكن يذكرك فيها بخير أحد غيري، وهل كان فى أصحاب الأقلام من انبرى للدفاع عن طه حسين غير تلميذه زكى مبارك لقد ذكرتك بالخير فى جميع مؤلفاتى. فهل يضيع عندك كل هذا المعروف لأنى بددت أوهامك فى كتاب (النثر الفنى)؟».

ومضى زكى مبارك في هجومه العنيف: «لقد انكشف أمر طه حسين منذ أصدرت كتاب (النثر الفنى) فقد بيّنت أغلاطه وسرقاته، وتحديته أن يدافع عن نفسه، فتخاذلت قواه ولم يملك الجواب، وعرف الأدباء فى المشرق والمغرب أنه لا يملك شيئًا أصيلًا، وأن مؤلفاته ليست إلا هلاهيل انتزعها من كلام الناس، وأن ما يدعيه من الآراء ليس إلا صورًا ملفقة انتزعها مما يقرأ ويسمع، لأن قلمى ليس إلا محنة صبها الله على طه حسين، ولعله انتقام من الله على طه حسين»، حسب كتاب «مشاهير القرن العشرين»

أما الناقد د.ماهر شفيق فريد فيقول: أعتقد أن الإبداع الفنى اليوم يقل من حيث الكم والكيف عما كان يكتب بالأمس بل لقد ظهرت أعمال هامة فى الشعر والمسرح والقصة لأدباء الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، ومن ثم لا يمكن القول بأن الطرح الإبداعى ليس على مستوى النقد .

ولا نستطيع أن نبرئ النقاد من تهمة الشللية، فهناك شلل فى كل مكان يتفاوت حظها من الموضوعية والنزاهة، وهناك أيضًا نقاد ذوو ضمير فجروا قضايا أدبية، وبعثوا قيما نقدية مهمة، والمسألة فى النهاية تعتمد على حيوية المناخ النقدى، وارتفاع الإبداع إلى مستوى النقد ووجود جمهور قارئ يرغب فى متابعة المعارك الفكرية والنقدية.

ويبرر د.فريد أن غياب المعارك الأدبية يرجع إلى غياب النقاد الكبار عن الساحة، هناك بشائر خير، ونقط مضيئة، ولكن لا أملك رغم ذلك إلا أن أقول رحم الله مندور، ولويس عوض، وغنيمى هلال، وزكى نجيب محمود، وعبدالحميد يونس، وأنور المعداوى، فمنذ رحيلهم عن هذه الدنيا.. اضطرد الهبوط فى مستوى النقد إلا من عصم ربك، فالبعض يسمى ثرثرته دراسة نقدية.

أما الناقد والمترجم د.محمد عنانى فيرى أن المعركة التى تشغله هى الثقافة فى القرن القادم، ويتمنى أن ينشغل بها كل المفكرين والمتحدثين فهى قضية المستقبل، بمعنى أن نسأل أنفسنا.. هل نتقدم إلى الغد أم نتقهقر إلى الوراء؟.