الأربعاء 19 يناير 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
احمد باشا

بريد روزا

عقدة من صنع أبى

تحية طيبة لبريد روزا وبعد... 



أنا سيدى الفاضل موظفة بإحدى الهيئات الحكومية قاربت من سن المعاش، توفى زوجى منذ عدة سنوات وكان يعمل طبيبًا حرًا، ترك لى ثلاث بنات، اثنتان منهنَّ يدرسنَ بكلية الطب والثالثة بالشهادة الثانوية هذا العام وهى من تمثل مشكلتى الكبرى فى هذه الدنيا لأنها لا تكف عن مضايقة شقيقاتها الأكبر منها وتحاول دائما التنمر بهن فى أى شيء، وتدفعهن للبكاء أحيانًا أو الاختلاء بعيدا عنها، مما جعلنى لا أطيقها ولا أحتمل تصرفاتها التى لا توصف - بلغت بها الوقاحة لمعايرتهن بجمالهن المتواضع مقارنة بجمالها وأنوثتها وأنها ستتفوق عليهن فى كل شيء وليس الشكل فقط، ولا محالة من دخولها كلية الطب مثلهما. لا يفوتنى أيضًا أن أذكر حقيقة معاناتها وهى صغيرة من تدليل ومحاباة أبيها لشقيقتيها على حسابها، بل ضربها كثيرًا إذا تجاوزت حدودها فى أى شىء، السبب الخفى فى هذا الظلم هو أنها كانت أمله الأخير فى إنجاب الولد الذى كان يحلم بأن يحمل اسمه، إلا أنه أصيب قبل ولادتها بمشاكل صحية منعتنا من إنجاب أطفال آخرين، بعد ولادتها استقبل خبر أنها أنثى بالاكتئاب واعتبرها نذير شؤم، حيث أصيب قبلها بتليف الكبد ومضاعفات صحية أخرى أدت إلى ضغوط نفسية لا حصر لها، ربما هذا ما دفعه لتصدير الإحساس بأن وجودها فى حياتنا جلب همومًا ومشاكل لا حصر لها، أستطيع القول إنه لم يكن أبًا جيدًا ولا عادلًا، كذلك إيمانه ضعيف ورضاه بقدره معدوم، انعكس ذلك على ابنتنا فأصبحت مثله تماما عنيدة لا تحب النصح.. لها صديقة وحيدة تفضفض وتحكى لها كل كبيرة وصغيرة منذ طفولتهما عن كره والدها وأدق التفاصيل، حتى أن تلك الصديقة حذرتنا وهما بالمرحلة الإعدادية بأن ابنتنا تفكر فى الانتحار، لكن رحمة الله وحكمته كانت أسرع وأشمل عندما اختار زوجى إلى جواره فأراحه من آلامه وأطفأ نارها رغم محاولاته المتأخرة من التقرب منها. منذ أيام زارنا معيد بكلية الطب معجب بأخلاق ابنتى الكبرى ويريد التقدم لخطبتها فصدمته الصغرى قائلة بتهكم على أختها «نفسى أعرف أيه اللى عجبك فيها» فرد الرجل قائلًا: «أخلاقها وروحها الطيبة التى تدعو لك بأن تحققى أمنيتك وتصبحى طبيبة»، المقلق حقًا هو تأكيدها بأنها ستعلق مشنقة بغرفتها يوم ظهور نتيجة الثانوية العامة لتنتحر إذا فشلت فى تخطى مجموع شقيقتيها حيث لا يكفيها مجرد دخولها الكلية التى تريدها، أعيش الآن مأساة كبيرة أستاذ أحمد بسببها وأخشى عليها من نفسها الأمارة بالسوء ومن تنفيذها لتهديدها بالانتحار إذا لم تحقق ما تريد رغم تفوقها الدراسى، كذلك فشقيقتاها يعيشان كابوسًا جاسمًا وحاولا كثيرًا مساعدتها والتقرب منها إلا أنها ترفض العيش معهما فى سلام، فماذا أفعل!؟ 

 

عزيزتى ن. س تحية طيبة وبعد …

لا أتخيل حقًا كم الأهوال والضغوط التى تعرضت لها ابنتك فى طفولتها على يد أبيها رحمه وسامحه الله، فمن غير المنطقى أو المقبول معاقبة زهرة صغيرة لازالت بنيتها النفسية تتشكل وفى أمس الحاجة للحنان والاحتواء الوجدانى على شىء لا ذنب لها فيه وهو قدر والدها وابتلائه بالمرض أو حرمانه من إنجاب طفل ذكر، ثم يكرس لديها عقدة الذنب بأنها نذير شؤم. فى اعتقادى أن زوجك كان يعانى هو الآخر من ضغوط نفسية جعلته ينتهج القسوة مع ابنتكما رغم بلوغه أعلى درجات العلم كطبيب. المشكلة الآن أصبحت مركبة تحتاج مجهودًا كبيرًا منكِ للوصول لبر الأمان بفتاتك الصغيرة من جهة وتحسين العلاقة بينها وبين شقيقتيها من جهة أخرى، حاولى التقرب منها بالتدريج وافعلى كل ما يجعلها سعيدة حتى تحتويها وتحولى دورك السلبى قبل رحيل والدها إلى دور إيجابى كأم، ادفعيها للفضفضة وتفريغ كل الطاقات السلبية المكبوتة حتى تفتح قلبها لكِ مثل صديقتها الوحيدة التى وجدت ضالتها فيها حين تقلص دورك بسبب والدها، اجعليها تحكى ذكرياتها الأليمة وضمدى جراحها العميقة بالتشجيع على النجاح فى حياتها، أكدى بأنك كنتِ ترفضين تصرفات والدها وحاولتى منعه كثيرًا من مضايقتها لتكسبى ثقتها وتحصلى على معلومات وافية ستحتاجينها عند زيارتك لطبيب نفسى مشهود له بالكفاءة، أنصحك بالذهاب دونها قبل أول جلسة بصحبتها وفى الوقت المناسب حسب توجيهاته، اطلعيه على جميع تفاصيل حياتها بدقة، التى عاشتها قبل رحيل والدها وكذلك حصيلة الفضفضة بينكما إذا نجحتِ فى الوصول لانطباعاتها الداخلية وتطلعاتها للمستقبل - سواء كانت تلك التطلعات مقبولة أو بها بعض الاضطرابات المنعكسة من عقدتها، ومن جهة أخرى يجب أن تتبعى تعليمات الطبيب وتطبيق رؤيته فى طريقة تعامل شقيقتيها معها لأنه أدرى بما يجب أن يكون حتى تتحسن حالتها ومن ثم علاقتها بهن، غالبا ستحتاج لعلاج دوائى إلى جانب السلوكى يجب الانتباه إلى جرعاته، والأهم أن تسألى طبيبك عن كيفية إقناعها بزيارته، سيكون القول الفصل فى هذا الأمر مترتب على توفيقك وحصولك على دور مؤثر فى حياتها، وربما تخضع فى النهاية لأنها تشعر بأهمية دورك لكنها تكابر بحكم فترة المراهقة التى تعيشها إلى جانب ظروفها سالفة الذكر، إذا حدث ذلك أرى بأنه سيكون هو التوقيت المثالى لنصحها بالتقرب إلى الله والمواظبة على الصلاة فى أوقاتها وقراءة القرآن لتهذيب نفسها وثقلها بالسكينة والطمأنينة.. فى النهاية أود التوجه بنصيحة مهمة لقراء «بريد روزا» وهى ضرورة الاهتمام بأبنائنا خلال مراحلهم الحاسمة وهى الطفولة والمراهقة لأنها أهم وأخطر المراحل العمرية، يجب الحرص على التقرب منهم واحتوائهم وثقلهم بالخبرات وتقبل اختلاف طباعهم وعدم التفرقة بينهم، كل تلك الأمور بالغة الأهمية لنصل بهم لبر الأمان. 

دمتِ سعيدة وموفقة دائما ن. س