الأربعاء 29 سبتمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
احمد باشا

علاقات استراتيجية بين مصر وجنوب السودان

قناديل مصرية تضيئ سماء «جوبا»

قبل عشر سنوات، وتحديدًا فى التاسع من يوليو 2011، استقلت دولة جنوب السودان رسميًا عن شماله، بعد تصويت الغالبية العظمى من الجنوبيين بالانفصال فى استفتاء تقرير المصير قبلها بستة أشهر، ومنذ ذلك الحين تواجه أحدث دولة فى العالم تحديات جمة ومتعددة، أصعبها تحدى السلم والأمن إلى جانب التنمية وتوفير احتياجات المواطنين الغذائية رغم ما تملكه دولة الجنوب من قدرات وموارد.



على مدى عقد من الزمن تقلب الوضع فى جنوب السودان من السلام إلى الصراع ومن ثم إلى السلام الذى ما زال الجميع يترقب تنفيذ بنود اتفاقه، وكان لذلك آثار متعددة ما بين ضحايا يتساقطون، ولاجئين ينزحون لدول الجوار، ومعاناة من تحديات كثيرة فى الغذاء والصحة ومواجهة السيول، وعليه كان الدعم الخارجى حائلًا دون تفاقم الأوضاع لأسوأها، وضربت مصر نموذجًا لذلك فى الدعم المتواصل والمتعدد لدولة الجنوب دون انقطاع.. لم تقم جنوب السودان أى احتفال رسمى فى الذكرى العاشرة لاستقلالها، وإن كان المبرر هو تفشى الإصابة بفيروس كورونا، لكن لم تحتفل دولة الجنوب بذكرى الاستقلال، الذى يوافق سنويا 9 يوليو، منذ 2014 حتى الآن بسبب الأوضاع الداخلية.

 

«السند».. حضور تاريخى ودعم مصرى متواصل بالجنوب

 

على مدى عقد من الزمان، لم تغب شمس الدعم المصرى عن سماء جوبا عاصمة الجنوب، بل كان الدعم سابقا عن الاستقلال بحكم روابط تاريخية وصلات شعبية ممتدة لجذور أهل الجنوب، أبلغها تلقى كثير من قيادات الجنوب تعليمهم فى مصر.. لكن يحتسب الجنوبيون لمصر أنها من أوائل الدول التى سارعت فى إعمار وتنمية الجنوب بعد اتفاقية السلام فى 2005، وبدى ذلك فى أكثر من مشهد تاريخى كالزيارة التى قام بها الرئيس الأسبق حسنى مبارك فى نوفمبر 2008 إلى جوبا كأول رئيس دولة يزور جنوب السودان، كما أن مصر أول من افتتح قنصلية فى جوبا.

الدور المصرى كان حاضرًا بقوة مع تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى رئاسة الجمهورية، حيث دائمًا ما كانت الدولة المصرية داعمة لدولة الجنوب فى كل تحدياتها خلال السنوات الأخيرة، ما بين مساعدات ومنح وقوافل طبية وغذائية وصحية، ودعم فنى وتعليمى وتدريبي، وقبل ذلك الدعم المتواصل لإبرام اتفاق السلام فى الجنوب بالتواصل المستمر مع كافة أطراف الصراع.

وتجلى الحضور المصرى فى الزيارة الأولى من نوعها للرئيس عبدالفتاح السيسى لجوبا فى نهاية نوفمبر الماضي، والتى التقى خلالها قيادات الجنوب وأكد على الدعم الكامل وغير المحدود لاستقرار الجنوب باعتبارها امتداد للأمن القومى المصرى.

وقدمت مصر نحو 12 مساعدة إنسانية وطبية وغذائية ودوائية ولوجستية وشاركت جنوب السودان في 135 دورة تدريبية بإجمالي 300 متدرب في مختلف المجالات، بجانب 250 منحة تعليمية سنوية و50 منحة دراسات عليا بالجامعات المصرية.

وهذا الأسبوع، كانت القاهرة شاهدة على الانعقاد الأول للجنة العليا المشتركة بين البلدين، برئاسة الدكتور مصطفى مدبولى رئيس الوزراء والدكتور جيمس وانى إيجا نائب رئيس جنوب السودان، حيث تم مناقشة عدة ملفات على مستوى العلاقات الثنائية والتجارية والاقتصادية، بجانب التوقيع على عدة اتفاقيات مشتركة.

 

مشروعات الرى الأكثر عراقة وإنشاء 13 محطة مياه

 

تحتفظ بعثة الرى المصرية بحضور تاريخى فى دولة الجنوب، ذلك أنها الأعرق والأقدم فى مدينة جوبا منذ عقود، وهى من أقدم المشاريع والبعثات فى الجنوب شأنها فى ذلك شأن دول حوض النيل ويأتى مقر البعثة الرسمية فى الجنوب بمدينة ملكال باعتبارها نقطة تجمع أنهار الجنوب، لكن يوجد أيضا مقر للبعثة فى جوبا وهناك كثير من المشاريع المائية المشتركة مع وزارة الري. 

وفى نهاية يونيو الماضي، زار وزير الرى الدكتور محمد عبدالعاطى جوبا لبحث التعاون مع جنوب السودان فى مجال الري، حيث أشار وزير الرى إلى أن مصر نفذت العديد من المشروعات التنموية بدول جنوب السودان بما يعود بالنفع على المواطنين، وبما يسهم فى تحقيق التنمية المستدامة ورفع مستوى معيشة المواطنين.

وقامت الوزارة بإنشاء 6 آبار جوفية بنطاق مدينة جوبا، وأيضا إنشاء 7 محطات مياه شرب جوفية أخرى، فى المؤسسات الحكومية، كما تم تركيب وحدة رفع لنقل مياه الأنهار للتجمعات السكانية القريبة من المجارى المائية بمدينة واو، بالإضافة لمساهمة وزارة الرى فى إعداد دراسات الجدوى الفنية والاقتصادية لمشروع سد «واو» المتعدد الأغراض، من أجل توليد الكهرباء وتوفير مياه الشرب لأكثر من 500 ألف نسمة فى إطار دعم مصر لدولة الجنوب.

وفى مجال خدمة السكان المحليين وتحسين أحوالهم المعيشية، فقد تم الانتهاء من إنشاء بعض الأرصفة النهرية لربط المدن والقرى الرئيسية بدولة جنوب السودان ملاحيا.

كما أقامت وزارة الرى المصرى مشروعًا لتطهير المجارى المائية بحوض بحر الغزال فى المسافة من مدينة «واو» وحتى مدينة بنتيو، وصولا إلى بحيرة «نو»، والتى ستسهم فى خلق فرص عمل وتطوير أحوال الصيد وإنشاء مزارع سمكية، بالإضافة لحماية القرى والأراضى الزراعية من الغرق نتيجة ارتفاع مناسيب المياه أثناء الفيضانات.

 

المركز الطبى الأكثر انتشارًا و24 طن أدويةدعمًا خلال «كورونا»

 

الدعم الصحى والطبى من أبرز مجالات التعاون والدعم الذى تقدمه الدولة المصرية لجنوب السودان، وتتعدد أشكاله وصوره ما بين معونات ومنح وقوافل طبية، وصولا لإنشاء مركز طبى مصرى فى جوبا فى 2008، وتم تطويره والتوسع فى الخدمات المقدمة به فى 2020.

وفى أغسطس 2020، افتتح الوزير عباس كامل رئيس المخابرات العامة ووزيرة الصحة الدكتورة هالة زايد المركز الطبى المصرى الجديد بجوبا، لتقديم الخدمة الطبية فى تخصصات «الأطفال والباطنة، وجراحة العظام، والأنف والأذن، والرمد، والأسنان، والجراحة العامة، والجلدية»، وهو من أضخم المشروعات الطبية فى الجنوب والتى تحظى بإقبال واسع من الجنوبيين ثقة فى الخدمة الطبية والصحية المقدمة من الأطباء المصريين.

ولعل خير دليل على الإقبال الكبير على المركز الطبى بجوبا، ما تحدثت عنه وزيرة الصحة  خلال زيارتها لجنوب السودان فى بداية شهر يوليو الحالي، بأن 5186 مواطنا من جنوب السودان ترددوا على المركز الطبى المصرى خلال شهر يونيو الماضى فقط.

وأشارت إلى أنه تم توفير 3 سيارات إسعاف مجهزة على أعلى مستوى بالمركز الطبى المصرى فى جوبا، وكشفت أن مصر حرصت على إرسال مساعدات لجنوب السودان منذ تفشى جائحة كورونا وصلت إلى 24 طن أدوية ومستلزمات طبية  وألبان أطفال على مدى عام ونصف، هذا بجانب فحص فحص آلاف المواطنين فى دولة جنوب السودان، وتقديم العلاج بالمجان لـ500 مصاب بفيروس سى منذ إطلاق مبادرة الرئيس السيسى لعلاج مليون مواطن أفريقى من فيروس سي.

 

«صنع فى مصر».. أول معرض للمنتجات المصرية بالجنوب

 

التعاون الصناعى والتجارى من المجالات المهمة فى العلاقات المصرية مع جنوب السودان، ففى يناير 2018، تم توقيع بروتوكول تعاون بين مصر وجنوب السودان لإنشاء أكبر منطقة صناعية مصرية بالعاصمة (جوبا) على مساحة 116 كيلو مترًا مربعًا لتساهم فى زيادة حجم الصادرات المصرية وتتيح فرص عمل للشباب.

فى منتصف شهر يوليو الجاري، افتتح وزيرا التجارة والصناعة نيفين جامع، والتموين والتجارة الداخلية  على المصيلحي، فعاليات معرض «صنع فى مصر» المقام لأول مرة فى مدينة جوبا بجنوب السودان على مدى خمسة أيام، فى إطار استراتيجية الدولة لمضاعفة الصادارات المصرية للأسواق الخارجية وخصوصا السوق الإفريقية.

المعرض ضم معروضات لـ 27 شركة مصرية فى قطاعات الصناعات الغذائية، والأجهزة المنزلية، والملابس الجاهزة، والمستلزمات الطبية، وقطاع المطاحن ومنتجات الدقيق، وقطاع الخدمات واللوجيستيات، فضلاً عن جناح لجهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر ويضم منتجات يدوية وحرفية تشمل منتجات ملابس وجلودا ومفروشات وتحفا من نحاس وصدف.

 

مزرعة مصرية متكاملة فى جنوب السودان

 

التعاون فى مجال الزراعة من الملفات الأساسية مع جنوب السودان فى ظل ما تمتع به من قدرات وإمكانيات، وفى هذا الإطار تم توقيع مذكرة تفاهم للتعاون الزراعى بين البلدين، لإنشاء مزرعة نموذجية مشتركة تقوم على نظام الرى .

وتعد المزرعة المصرية بجنوب السودان هى الأحدث فى إفريقيا، حيث أعلن وزير الزراعة عن انشاء مزرعة متكاملة على مساحة 1000 هكتار فى جنوب السودان، وتقديم مقترح لعمل مزرعة لإنتاج التقاوى فى دولة السودان على مساحة 500 فدان.

وقام وزير الزراعة خلال زيارته لجنوب السودان فى التاسع من إبريل بتوقيع مذكرة تفاهم مع نظرائه وزيرة الزراعة والأمن الغذائى ووزير الثروة الحيوانية فى جنوب السودان لإنشاء مزرعة متكاملة فى مجال الإنتاج النباتى والحيوانى.

ويستهدف إنشاء المزرعة النموذجية المشتركة إلى الارتقاء بأساليب البحث والعمل على تحسين الإنتاج الزراعى والحيوانى باستخدام التقاوى عالية الإنتاجية، والسلالات الحيوانية عالية الجودة وتطبيق الأساليب الزراعية والتكنولوجية المصرية المتطورة.

 

خطوط الطيران المباشرة: تزيل قيود السفر بين القاهرة وجوبا

 

تأكيدا على الإنفتاح المصرى مع جنوب السودان، حرصت الدولة المصرية على فتح خطوط جوية مباشرة من القاهرة لجوبا، حتى قبل الإنفصال، حيث بدأت الشركة الوطنية مصر للطيران فى تسيير رحلاتها لعاصمة الجنوب، وضاعفت تلك الرحلات بعد الاستفتاء على الانفصال، وهى من الخدمات التى لاقت استحسانا من الجنوبيين لأنها سهلت عليهم كثيرًا من مشقة السفر للخارج بعد أن كانت الخرطوم محطة الذهاب والإياب الأساسية لهم.  وفى نوفمبر الماضى ترأس نائب وزير الطيران المدنى منتصر مناع وفدا رفيع المستوى لجوبا لبحث سبل تعزيز التعاون مع دولة جنوب السودان فى مجال خطوط الطيران.

وخلال الزيارة تم توقيع مذكرة تفاهم للشراكة فى مجال خطوط الطيران، يتم بمقتضاها حصول شركات الطيران المصرية على حقوق النقل داخل جنوب السودان وخارجها، كما تم مناقشة تفعيل إتفاقية ثنائية للنقل الجوى بين البلدين، وكذا دراسة إقامة شراكات اقتصادية مع دولة جنوب السودان.