الإثنين 18 أكتوبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
احمد باشا

شريهان فى عودة مسرحية لم تكتمل

«كوكو شانيل»..المتعة المعزولة وراء الشاشات

لا شك أن عودة النجمة شريهان للمسرح كانت مفاجأة سارة، ينتظرها الجميع بفارغ الصبر، نظرًا لما تتمتع به شريهان من حب جماهيرى كبير، وذكريات ارتبطت بها أجيال فى فوازير رمضان والمسرح الاستعراضى الذى كانت شريهان ملكته فى يوم من الأيام، تعود الملكة اليوم متحدية الزمن والظروف القاسية التى تعرضت لها على مدار رحلة حياتها الفنية والإنسانية، بحضورها الجسدى المعهود ولياقتها البدنية وحيويتها فى مجال الاستعراض، لكن كيف عادت شريهان للمسرح، وبأى شكل قررت أن تكون هذه العودة التى لم تكتمل! فى تجربة «كوكو شانيل» إخراج هادى الباجورى، قرر المنتج الفنى جمال العدل إنتاج مسرح بمنطق السينما، على أن يتم تصوير مشاهد المسرحية بشكل متقطع وباستخدام أحدث كاميرات السينما والمونتاج للعرض على شاشة إحدى المنصات «شاهد vip»، وبالرغم من المقصد الجمالى والتقنية الجديدة فى تقديم المسرح بالتصوير السينمائى، وصناعة خدع تليفزيونية فى بعض المشاهد خاصة فى مشهد تحليق «كوكو شانيل» مع عشيقها الضابط الألمانى أو مشهد عزلتها ونفيها خارج فرنسا، ورقصة «السلويت» مع حبيبها، كل هذا الجهد لم يحفظ للمسرح متعته أو لم يحتفظ له بخصوصيته، متعة المسرح تكمن فى حميمية اللقاء الجماهيرى، وخصوصية صناعة الخدع والإبهار بين الجماهير، حتى يبدو مثيرًا للتساؤلات كيف صنع هذا على خشبة المسرح، كما تمتلك السينما متعتها الجمالية، يمتلك المسرح أيضا أسراره البصرية!



لم تفقد شريها بريقها، بينما فقد المسرح أركانه ومتعته وبريقه فى «كوكو شانيل» باستغلال هذه المنصة الجديدة فى تقديم إنتاج يبدو مسرحى على شاشتها، بداية من الضحك الجماهيرى وصوت التصفيق المصطنع فى خلفية المشاهد، مرورًا بمنطق التصوير الذى اتبعته شركة الإنتاج فى تقديم هذا العمل بعيدًا عن الحالة المسرحية المعهودة، فإذا ما قورن العمل بكلاسيكيات المسرح المصرى المصورة والأعمال الخالدة التى مازالنا نشاهدها بنفس المتعة والشغف، ستجد فروقًا جوهرية تنزع عن «كوكو شانيل» صفة المسرح من الأساس، أولها وأهمها الروح والطاقة فى «سك على بناتك»، أو «مدرسة المشاغبين»، «ريا وسكينة»، والأعمال التى قدمتها شريهان نفسها «شارع محمد على» أو «علشان خاطر عيونك» كلها أعمال مسرحية مصورة، شاهدتها الجماهير وانفعلت واستمتعت بها على خشبة المسرح، ثم على الشاشة الصغيرة، حيث تم تصويرها على أنها مسرحيات مصورة احتفظت بصفتها الأساسية وبالحضور الجماهيرى والتفاعل الحى معه، وفى تجربة الفنان أشرف عبد الباقى الأخيرة «اللوكاندة» التى أراد بها تقديم ست كوم على خشبة المسرح وقدمت للتصوير التليفزيونى، لم يشأ عبد الباقى أن يعزل المسرح عن الجمهور أو يقدم الضحك مفتعلًا فى خلفية العرض، برغم أن فكرة الست كوم قائمة على هذا الافتعال، بل أراد أن يحتفظ للعمل بصفته المسرحية وفتحت تلك العروض موسمًا كاملًا للحضور الجماهيرى واعتمد فيه على الضحك الحقيقى من جمهور حقيقى.

ماذا لو كانت عادت شريهان بين أحضان الجماهير؟!.. كان سيشهد العمل نجاحًا جماهيريًا كبيرً، وذلك برغم ضعف الكتابة الدرامية للدكتور مدحت العدل، التى عالجت أو مرت على رحلة حياة أشهر مصممة أزياء فى العالم «كوكو شانيل» مرور الكرام بشكل سطحى للغاية، لم يتعمق الكاتب فى تقديم أثرها الحقيقى على الشعب الفرنسى فى تلك الفترة، سواء فى جانب صناعة الأزياء والثورة التى صناعتها «شانيل» بأزيائها فى عالم الموضة، أو الأثر الذى أحدثته سياسيًا ومدى حقيقة علاقتها بالألمان فترة الحرب، تعامل مدحت العدل مع القصة أو الحدوتة كما لو كانت بالفعل تروى للأطفال الصغار، مثلما بدأ العرض مع الفنانة حنان يوسف بروايتها لقصة «كوكو شانيل» لفتاة صغيرة، بينما كان للعمل إبهار آخر، تجسد فى روح شريهان نفسها، بأدائها للاستعراضات بهذه الرشاقة والحيوية والتصميم الحركى المتجدد والممتع، والملائم لعمل يليق بعودة ملكة فن الاستعراض لمصممه هانى أباظة ودقة تدريب واختيار الراقصين لأداء تلك الاستعراضات، ثم التأليف الموسيقى للملحن إيهاب عبدالواحد، ففى العمل عناصر منفصلة قدمت بجودة عالية سواء فى تصميم الأزياء أو الديكور أو صناعة الخدع، لكن العمل بالكامل يظل يعانى من فقدان الروح والطعم المسرحى حتى بدا وكأنه مسلسل تليفزيونى صورت مشاهده بشكل متقطع، كل تلك العناصر سالفة الذكر، إذا قدر لها وقدمت على خشبة المسرح أمام الجماهير، ويكفى حضور شريهان بينهم لكان له شأن آخر على عدة مستويات، أولها أثره فى الدخول حلبة المنافسة بهذه القوة وبنجمة فى حجم شريهان بإعادة إحياء القطاع الخاص بمنطق معاصر يناسب الوقت الحالى، وبالتالى سيفتح المجال لعودة القطاع الخاص، ويسد ثغرة عدم وجود فرق فنية فى هذا المجال إلا بشكل شحيح للغاية فهى مجرد محاولات فردية لكايرو شو، أشرف عبدالباقى، وهانى رمزى، كانت فرصة كبيرة أن تكتمل الصورة أو يكتمل هذا المربع الفنى، بعمل موسيقى استعراضى ضخم بطولة «شريهان»..! يعيد للقطاع الخاص رونقه وبريقه، ويفتح المجال لجذب الجماهير وتحفيز رغبته على المشاهدة، بدلا من تحديد إقامة الجماهير لمشاهدة مسرح بالمنازل، كان أولى أن يفتح شباك التذاكر لتحريض الجمهور على الخروج ووضع المسرح على أجندة حياته الترفيهية.

بالرغم من الشكل الأنيق الذى بدا عليه «كوكو شانيل» فى منطق الصناعة وبناء المشاهد والإخراج السينمائى الرائع لهادى الباجورى، لكن عفوا.. ليست هذه مسرحية، جمال المسرح فى سر احتفاظه بمتعة صناعة إبهاره بين الجماهير، وليس باستخدام تقنيات السينما فى تصويره، من الجائز أن يستخدم المخرج تقنية السينما على خشبة المسرح، لكن لماذا تدخل صناعة السينما لتفسد حيوية المسرح؟!.. ويصبح الجمهور معزولًا وراء الشاشات لمتابعة عمل تليفزيونى انتحل صفة المسرحية!