الأربعاء 8 ديسمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
احمد باشا

حكـاية سنـاء جميـل

إعداد - سوزى شكرى 



لكل منا سرداب يخفى فيه حكايات عن سنوات من العمر، ليست حكايات معيبة أو مخجلة بل اوجاعا نريد لها الاختفاء ولا نبوح بها حتى لأنفسنا، حكايات عنيدة عصية على الاستدعاء. المخرجة والكاتبة « روجينا بسالى « بعد نجاح فيلمها «حكاية سناء «2016 أكملت رحلة البحث التوثيقية بفتح إدراج سردايب ثريا يوسف عطا الله الشهيرة بـ«سناء جميل» (27 أبريل 1930 – 22 ديسمبر2002)، بحث ليس للنبش فى الخصوصية بل محبة وتقدير لقيمة وقامة سناء جميل ابنة الصعيد المتمردة ورحلة التحدى. 

اكتشفت روجينا أن التنقيب والبحث عن حكايات سناء ينتهى بمعلومات متضاربة ضبابية، وان سناء اخفتها عمدا، ربما بهدف النسيان أو الكتمان كلاهما لغز. برغم ما توصلت له بعد رحلة بحث ارشيفية ولقاءات ومقالات نقدية وحوارات تلفزيونية وأوراق ومستندات رسمية إلإ انها وجدت أن حكاية سناء ما زالت منقوصة، كما اشار فى مقدمة الكتاب الكاتب عمرو خفاجى انها سيرة النقصان، حتى حين تبوح سناء عن ماضيها فإنه بوح حذر، رصدت المخرجة روجينا مسيرتها الفنية واعمالها وايضا سردت سيرتها الذاتية، كما هى بكل مصداقية وشفافية مصحوبة ببعض الاسئلة المشروعة وذلك بكتابها «حكاية سناء» الصادر عن بيت الياسمين للنشر والتوزيع. الكتاب يقع فى ٢٨٦ صفحة، ويضم ملحقًا خاصا ووثائق وصورا.  

ما قبل الحكاية 

 حين كانت روجينا فى المرحلة الاعدادية شاهدت بالتلفزيون جنازة سناء جميل، ومشهدا مؤثرا لزوج سناء جميل الكاتب الكبير لويس جريس وهو يقول اثناء نزولها المقبرة: «سيبوها ما تنزلوهاش». لم يمحَ ذلك المشهد من ذاكرتها وقررت انها يوما ما ستقدم عملا عن تلك السيدة التى جعلت رجلا يتعلق بها لهذه الدرجة. درست روجينا بالمعهد العالى للفنون المسرحية ودبرت لها الصدفة اللقاء الاول بالاستاذ لويس جريس وتعددت اللقاءات واذا بالمشهد المحفور بذاكرتها يستيقظ ويفرض وجوده. فبعد فيلم «حكاية سناء» شغفها بقيمة وقدر سناء جميل لم ينته. تحمست أن تستكمل رحلة البحث والاكتشاف ورصدتها بكتابها التوثيقى المختلف تماما فى محتواه عن فيلمها. 

تساؤلات بلا أجوبة 

علاقة سناء جميل ابنة ملوى الصعيدية بأسرتها محل غموض، حين كانت طفلة ذات التسع سنوات دفعت أسرتها كافة المصروفات مقدما لسنوات دراستها بالمدرسة الداخلية «الميردى ديو» للراهبات بالقاهرة. وتخرجت وحصلت على شهادة «الباشو» التوجيهية .

تساءلت روجينا أسئلتها المشروعة هل والداها هما من اودعاها بالقاهرة، أو أن الاسرة بأكملها جاءت الى مصر لان الاب كان يعمل محاميا وعاشوا فى حى «غمرة « ثم توفيا وأصبح شقيقها هو المسئول عنها. ومتى جاءت ثريا وشقيقها الى مصر ؟ وكم كان عمر شقيقها ليتحمل مسئوليتها ؟ ولماذا حرصت اسرتها على تعليمها ؟ ولماذا دفعت اسرتها المصروفات مقدما ؟. فهل كان شقيقها يزورها بالمدرسة ام كانت تذهب لزيارته بشقة «غمرة»، شقيقها الذى لم تذكر سناء اسمه فى أى حوار.

سناء تصريحاتها متناقضة فيما يخص اسرتها وكانت تقول انها لا تتذكر التفاصيل حيث كانت طفلة ذات تسع سنوات. رغم أن الاجابة الواضحة كانت سوف تحد من الشكوك والحيرة وتكشف سبب قطيعة اسرتها لها. قال زوجها لويس جريس إنه ربما حدث امر جلل جعل اسرتها تحميها وتبعدها عن الصعيد.  ومن واقع دفاتر رسمية وجدت روجينا مستخرجا رسميا لشهادة ميلاد» ثريا يوسف عطا الله» بطلب من شخص يدعى «محمد على محمد» عام 1955. من هو هذا الشخص وما علاقته بأسرتها.

تزوير من اجل الفن

بالمدرسة الداخلية بدأت قصة عشقها لخشبة المسرح وجدت ثريا فى التمثيل منفذا لتفريغ طاقتها وتعويضا عن احساسها بالوحدة. بعد تخرجها ذهبت للإقامة مع شقيقها، فخفق قلبها لاول مرة لجارها «صلاح سيد أحمد» طالب بالكلية الحربية وحكت له عن حلمها وحبها للتمثيل وطموحاتها، فمنحها المشورة وحمل على عاتقه مساعدتها بدراسة التمثيل بمعهد التمثيل. إلإ انها لا تستطيع اخبار شقيقها بأنها سوف تدرس الفن مؤكدة انها كانت تعلم رفضه للفن، كان شرط التقديم بالمعهد موافقة ولى الامر على الالتحاق بالمعهد، فقرر صلاح أن يعرض حياته للخطر ووقع فى الاوراق الرسمية بديلا عن شقيقها، شعرت ثريا أنها فرصة لا تعوض من اجل تحقيق حلمها. 

الدراسة بمعهد التمثيل باللغة العربية وثريا تتقن اللغة الفرنسية، فعلمها صلاح اللغة العربية وحفظت مشهدا لتستعد للجنة الاختبار، وفى اختبار المعهد وقفت امام زكى طليمات رئيس اللجنة وقدمت ما حفظته، إلإ أن طليمات طلب مشهدا آخر، فاعترفت انها لا تقنن اللغة العربية ،ابلغها طليمات انها موهوبة وتم قبولها بالمعهد، ولا بد أن تبذل مجهودا فى اللغة العربية. وظلت خائفة أن يعرف شقيقها انها بمعهد التمثيل.

صفعة حريق القاهرة 

علم شقيقها بانها التحقت بالمعهد واعتبر هذا عارا أن تكون واحدة من العائلة مشخصاتية، هددها اما ترك المعهد أو الطرد من البيت بلا رجعة، رفضت ثريا التراجع وتمسكت بحلمها. فلطمها على خذها تلك اللطمة التى افقدتها طبلة الأذن «اليمنى» وتسببت لها فى ازمة لازمتها طوال العمر. تركت منزل شقيقها الى الشارع وكان ذلك يوم 26 يناير 1952 ليلة حريق القاهرة. 

ساعات قضتها ثريا بالشارع بلا هدف إلى أن ارشدها عقلها للذهاب الى زميلها بالمعهد الفنان سعيد ابو بكر وزوجته الايطالية وهما على علاقة طيبة بها. ودعمها طليمات فى توفير مكان لإقامتها بجمعية الشابات المسيحيات. 

وضمها طليمات الى فرقته ومنحها مكافأة تعينها على المعيشة. ولكن لا يكفى فقررت ان  تبحث عن عمل آخر يعينها على المعيشة ذهبت الى مدام «سيلى» صاحبة بيوت ازياء آمنت لها وظيفة التطريز وزخرفة المفارش، كالتى تعلمتها ثريا بمدرسة الراهبات وكانت توقع عليها أول حرفين من اسمها(S.G). 

وايضا قامت بتفصيل ملابسها بنفسها. ضاقت بها الإقامة فى بيت الطالبات انتقلت الى شقة بالبدروم بمساعدة صديقتها الفنانة نعيمة وصفى. غرفة منحتها حريتها وراحتها نامت ثريا على «مُلة» السرير وهذا ما سبب لها الانزلاق الغضروفى وآلام الظهر التى رافقتها حتى وفاتها. كل هذه المرارة تحملتها من اجل حلمها.

طه حسين  يشهد بموهبتها 

منحها طليمات اول مواجهة مع الجمهور ودور فى مسرحية «ابن جلا». وغير اسمها من ثريا يوسف عطا الله الى «سناء جميل» حفاظا عليها وحتى لا يعرفها اهلها بالصعيد، وظلت سناء تعترف بجميله طوال حياتها. كما اسند لها دور «الخادمة سوزان» بمسرحية «زواح الحلاق» أو «زواج فيجارو» وفى ليلة العرض حضر عميد الادب العربى طه حسين ثم كتب عن العرض وخصها بفقرة أن من قامت بتمثيل دور سوزان اجادت بدرجة عظيمة جعلته يشاهد المسرحية بإحساسها وليس لأحد على تمثيلها سبيل. اشادة طه حسين وثيقة عبور لعالم التمثيل والمسرح. وقدمت مع فرقة طليمات عروضا مميزة. واثناء عرض مسرحية «سلطان الظلام» رآها المخرج صلاح ابو سيف بعد أن تعرف عليها من قبل صديقه سعيد ابو بكر .

فاتن حمامة ترفض « نفيسة»

رشح صلاح ابو سيف الفنانة فاتن حمامة لدور «نفسية» بفيلم «بداية ونهاية» إلإ أن فاتن رفضت واعتذرت عن الدور. فاختار ابوسيف سناء جميل وكان عمرها 31 سنة وهى ليست نجمة شباك أو من الحسناوات السينما بمقياس لغة السينما فى توقيتها.

 نجح الفيلم وأصبحت شخصية «نفيسة» سبب شهرتها، حتى إن فاتن قالت أن سناء موهبة جديدة فى عالم السينما. واصبحت كل ممثلة جميلة تتمنى أن تمثل دور نفيسة على حد قول سناء.

جائزة التمثيل من مهرجان موسكو !

مهرجان موسكو السينمائى الدولى ودورتة الثانية1961 عرض فيلم «بداية ونهاية» اشيع أن سناء جميل حصلت على جائزة التمثيل. بحثت روجينا بارشيف جوائز المهرجان لم تجد اشارة لحصول سناء جميل جائزة التمثيل أو ما يسمى الجائزة الثالثة كما اشيع، ولا توجد حتى الآن فى لوائح اى مهرجان ما يسمى بالجائزة الثالثة. 

وتساءلت روجينا من الذى اشار على سناء أن تدعى انها حصلت على جائزة تمثيل. هل كان اقتراحا من المخرج صلاح ابو سيف ليدعم موقفه باختياره بطلة جديدة أو ربما حصل الفيلم على شهادة مشاركة وأحدث هذا لبسا فى الفهم. ورغم نجاحها بفيلم بداية ونهاية لم يعرض عليها فيلم طوال اربع سنوات. ثم عملت مع يوسف شاهين فيلم «فجر يوم جديد». وعودة مجددة الى صلاح ابو سيف فيلم «الزوجة الثانية» .

مطلقة.. وأعيش وحدى !

وجدت روجينا حوارا تم اجراؤه مع سناء جميل بمجلة روز اليوسف 1961 ذكرت معلومة «انها تعيش وحدها لأنها مطلقة ولا تنوى الزواج». ولغرابة المعلومة أن تصف سناء جميل نفسها أنها مطلقة!. 

كما وجدت مقالة مجلة الكواكب 1963 بقلم صالح مرسى يحكى فيها أن سناء جميل بعد أن تحسنت احوالها المادية تزوجت من شاب وكانت تدخر خمسين جنيها لطش تحويشة عمرها. 

من المستحيل أن تكتب معلومة مثل هذه دون الرجوع اليها خصوصا أن المقالة نشرت بعد زواجها من لويس جريس بنحو عامين. 

وبالبحث الدقيق ثبت بالفعل انها تزوجت من شخص يدعى «سامى» شقيق فنان شهير .

لويس حب العمر كله

الباحثة خديجة صفوت تقيم حفلا بمناسبة انتهاء فترة تدربيها بروز اليوسف والحفل بمنزل صديقتها سناء جميل وبين الحضور كان لويس جريس.. شعرت سناء نحو لويس بالإعجاب واقتحمت الحوار معه طوال فترة الحفلة. وقبل مغادرة الحفلة طلبت منه أن يكلمها فى التلفون رقمها 20148، ودق قلبها وتعددت اللقاءات فى روزاليوسف واعجب لويس بجراءتها وحضورها الطاغى وقوة شخصيتها. 

وقررت اقتحامة وسالته: «لويس هو أنت لما قلت لى انتى عايشة لوحدك وانا عايش لوحدى ما تيجى نعيش مع بعض كنت تقصد الجواز يعنى». ولان اغلب كلامها كانت تقول «وحياة النبى» اجابها لويس: «انتظرى لما اشهر اسلامى». وضحكت سناء: وليه تشهر اسلامك انا قبطية». واعدت سناء فستان زفافها بنفسها وبدون طرحة.

فى يوم الزفاف لم تدع سناء احدا من اسرتها اما لويس فكان معه شقيقه المحامى فايز جريس وصديقه النحات آدم حنين شهود، رفض القسيس تزويجهما لأن لا تقام شعائر الزواج بالصيام. اشار عليها لويس الذهاب الى الكنسية البروتستانتية حيث اختلاف الطقوس ويسمح لهم بالزواج، لكنهما واجهوا مشكلة أن ليس معهما إلإ شاهدان فقط وطلب قس الكنسية حضور جمهور كركن الإشهار. 

استأجر لويس سيارات تاكسى واحضر 35 شخصا من عمال مطابع من مجلة روز اليوسف يذهبون معه لإتمام مراسم الزواج. واتم الزواج رغم كل العراقيل. ومع مرور الوقت حاول البعض بث افكار أنه لا يجب لرجل شرقى صعيدى أن زوجته تعمل فى مجال الفن. إلإ أن كل المحاولات فشلت وساندها ودعمها فى مسيرتها الفنية ورفض النظرة الدونية للفن. وقالت عنه سناء: لويس حب العمر كله صديقى واهلى واستاذى وابنى».   

ندمت على قرار عدم الإنجاب 

حلم الإنجاب كان يراودها صراع وشعور قاس بين مشاعر الامومة وحلم الفنانة والتوازن بينهما ليس سهلا ومسئولية. مع مرور الزمن بدأت سناء جيمل تراجع قراراتها فندمت على قرار عدم الانجاب واعترفت فى حواراتها بذلك انها حين كانت وحيدة مريضة فى البيت بالانزلاق الغضروفى وسفر لويس للخارج شعرت انه لو كان معها ابنتها لأنقذتها. انتابها شعور بالندم. ولم يقف لويس ضد قرارها تعبيرا عن حبه لها .

3 أيام فى «ثلاجة الموتى» بدون أهل 

اصيبت بسرطان الرئة لم تعد تحمل المقاومة وفى 22 ديسمبر 2002 رحلت وترك زوجها لويس جريس جثمانها فى «ثلاجة الموتى» ونشر الخبر فى كل الصحف ربما الموت يعيدها الى اسرتها، وبعد ثلاثة ايام انتظار لم يحضر أحد من اسرتها اضطر لويس التسليم بالامر الواقع.

خرجت الجنازة يرافقها اصدقاء وجمهور باعداد مهولة. وتتسأل روجينا حتى يوم وفاتها ظلت اسرتها مقاطعة فما الذى ارتكتبة سناء حتى تعانى طوال حياتها ومماتها. انها سناء جميل التى اختارت الطريق الاصعب واختارت التحدى ونسجت صدق ادائها من الجراح والمعاناة .

موهبة خالصة حقيقية لعبت جميع الادوار المراة الشعبية والصعيدية والفقيرة والغنية الصبورة الارستقراطية المعلمة (المعلمة فضة المعدواى). هى «سيدة الاحساس».. كما اطلق عليها الكاتب مفيد فوزى. خمسين عاما من العطاء تركت ارث فنى 145 عملا فنيا ما بين سينما ومسرح وتلفزيون واذاعة.