الإثنين 27 سبتمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
احمد باشا

«هلاوس».. فن المايم فى تجربة مسرحية مكتملة على خشبة الهناجر!

تحد كبير وقرار صعب اتخذه المخرج شادى سرور مدير مسرح الهناجر والمخرج الشاب محمد عبد الله، بإطلاق أولى تجارب مسرح المايم فى مسرحية مكتملة الأركان، تجربة انتصرت للاستثناء فى عناصرها الفنية، عن طريق اللعب بالملابس والديكور المصممة بمرونة بحيث يسهل تحريكها واللعب بها أمام الجمهور ليندمج مع حركة الجسد والإيماءات الموحية، رغم صعوبة تقبل تلك التجارب جماهيريًا ربما لعدم استيعاب الجمهور لها فى بدايتها، إلا أن شادى سرور مدير الهناجر، لم يتردد فى خوضها والإصغاء لمخرج العمل وأحد أهم لاعبى المايم الفنان محمد عبد الله.



المعروف عن فن المايم أنه فن إيحائى بالدرجة الأولى، يعتمد محترفوه على الحركة بالإيماءة والصمت للتعبير عما يجول بخاطرهم أو لمحاكاة أشكال حركية وتعبيرية فى الحياة بعيدًا عن الكلام المنطوق، كيف استغل المخرج وصناع العمل هذا الفن فى تقديم عرض مسرحى متكامل تحاورت فيه أجسادهم وخواطرهم بالإيحاء بدلًا من الحوار المكتوب، فى «هلاوس» استعان المخرج بمهارة أبطال عرضه الجسدية والتمثيلية فى تقديم قصة مسرحية مكتملة بحوار الأعين وتواصل الخواطر فى صمت الطويل.

«هلاوس».. تناول حالة مؤلف ظل فى سبات عميق مع بداية دخول الجمهور لقاعة العرض، ثم يهم مستيقظًا ويبدأ فى كتابة خواطره أو هلاوسه لقصة فريق مسرحى اجتمع فى كواليسه، وبدأوا فى الإعداد لتقديم عرض «تاجر البندقية» هذا الفريق تنضم إليه فتاة بطلة الفرقة ويتنافس للفوز بحبها أعضاء الفريق، وبين هذا الصراع وصراع «شايلوك» داخل «تاجر البندقية» تدور أحداث العمل بالتبادل بين الدخول والخروج من مسرحية شكسبير لأحوال وعلاقات الفريق الإنسانية والعاطفية.

وعلى الرغم من مهارة أبطال العرض وتوافقهم العضلى والعصبى جميعا فى أداء حركات الجسد والإيحاء المتواصل على خشبة المسرح بكل تفاصيله، إلا أن العمل لم يخل من بعض الأزمات التى تمثلت فى حالة التشويش مع بداية العرض بين أعضاء الفريق المسرحي، انشغل الأبطال فى البداية باستعراض مهاراتهم الحركية أكثر من التركيز على توضيح شكل العلاقات فيما بينهم، ثم وقوع المؤلف صاحب الهلاوس الرئيسية فى بؤرة منعزلة بمقدمة المسرح على اليسار، وكأنه كيان منفصل عن العمل، وبالتالى ظل هذا الرجل فى هلاوسه منفردا إلى ما قبل نهاية العرض حتى بدأ فى الدخول والتواصل مع خشبة المسرح، فلم يكن له حضور بين أبطال العرض، مما جعله بعيدًا عن اهتمام ونظر المتلقى أو ربما قد لا يربط بينه وبين الهلاوس إلا مع اكتمال نهاية العرض، وكأنه ليس له وجود يذكر فى حين أنه صاحب القضية الرئيسية، حيث أراد المخرج الإشارة إلى أن كل ما يجرى على المسرح كانت هلاوسه تجاه مسرحية شكسبير «تاجر البندقية»، وصراع شايلوك فيها حتى يحصل على رطل لحم من جسد انطونيو مقابل رد الدين له، ثم صراع أبطال الفرقة المسرحية الأساسية حول الفوز بقلب الفتاة الطارئة على عضوية الفريق، وظهور عداوة بين أعضائه بعد تفضيلها لأحدهم على الآخر، كل هذه الصراعات النفسية والفنية التى دارت على المسرح، كانت فى ذهن هذا الكاتب الذى جلس على مكتب منفرد يدون أفكاره ويبعثر أوراقه التى تفجرت فيها هذه العلاقات، لكنه كان منعزلًا بمفرده، ولم يندمج مع بنات أفكاره إلا مع اقتراب نهاية العرض، إلى جانب اعتماد المخرج أحيانا على اللجوء إلى استخدام لغة غير مفهومة وإصدار أصوات بين الأبطال فى بعض المشاهد مما أدى لانفصال العمل عن حالته الأساسية باندماج الجمهور فى متابعة ومراقبة حالة الصمت والإيحاء، حيث مالت هذه اللغة أو هذا الشكل الصوتى المزعج أحيانا إلى تصنيف العرض إلى مستوى آخر، مبتعدًا عن فكرته الأساسية «المايم» وإن كانت هذه اللغة من المعتاد استخدامها فى بعض الأحيان بهذا الفن على حد قول المخرج محمد عبد الله، لكنها لم تكن موظفة بشكل يضمن للمتلقى استمرار التواصل مع حالة العرض دون شعوره بالإزعاج والتشويش.

لكن فى المقابل استطاع أبطال «الهلاوس» السيطرة على انتباه المتلقى طوال ساعة كاملة بمرونة حركتهم الجسدية ومهاراتهم الشديدة سواء على مستوى التعبير الحركى أو فى اتقان الإيماءات والإيحاءات فيما توسوس به نفس كل منهم تجاه الآخر دون النطق بكلمة واحدة، صعوبة شديدة وجهد كبير يتطلب درجة عالية من التركيز ودقة وإتقان فى نقل تلك المشاعر والأحاسيس والأبعاد النفسية لكل فرد من أعضاء الفرقة المسرحية، وكان للفنان مصطفى حزين النصيب الأكبر فى تمكنه من لعب فن المايم مع الإيحاء النفسى بما يجول بخاطره فى حب الفتاة التى رفضته وخياله عنها وتوحده فى انفراده بها ووهو يداعب معطفه المعلق فى أعلى خشبة المسرح وكأنه يداعب شخصا آخر وكيانا آخر، جسد تجسد بين يديه بحركة يده المختبأة بالمعطف والتى استطاع حزين تحريكها والتحكم بها وكأنه بعث شخصا يلعب أمامه، مساحة كبيرة من التأمل والتوحد واتزان الحركة مع الخيال برع فى اتقانها وتجسيدها حزين فى دقائق معدودات على خشبة المسرح، أثبت بهذا المشهد قدرته الكبيرة على التحكم فى أدائه وخيال المتلقى الذى سار معه لحظة بلحظة مما أبهر به الحضور، من اللحظات المميزة أيضا استغلال المخرج لفن المسرح الأسود بمشهد المحاكمة داخل مسرحية وليم شكسبير «تاجر البندقية» بالإيحاء وتثبيت لحظة وقوع العقاب على «شايلوك» بعد تعنته فى الإصرار على تطبيق القانون، وكذلك كان لأبطال العمل حضور قوى فى اتقان فنون التمثيل والتعبير الحركى بانضباط شديد فى زمن واحد منهم جورج فوزي، عمر عز، عبدالله سلطان، نسمة عادل، عبدالرحمن القاضى، معتصم شعبان استطاعوا جميعا تقديم حالة مسرحية استثنائية بذهن حاضر ومتيقظ ووعى بهذا النوع النادر والدقيق من فن المسرح، نجحوا فى سرقة انتباه وتركيز المتلقى طوال مدة العرض دون الوقوع فى فخ الملل، وإن احتاج العمل لمزيد من التماسك ومعالجة بعض الهنات البسيطة، إلا أنها تعد تجربة مهمة فى خوض هذا المجال وجرأة تحسب للمخرج وأبطاله بالرهان على إعادة إحياء وترسيخ هذا الفن بين فنون المسرح من جديد، دون الخوف من مدى تقبل الجمهور واستقباله لهذا الفن الغريب عليه، حتى يصبح مستقبلا فنا مستساغا ومطروحًا بقوة على الساحة المسرحي. 

«هلاوس» عمل مميز اتقن صناعته المخرج محمد عبدالله الذى بدا مثل قائد الأوركسترا يقود بعصاه مجموعة من الآلات المتحركة على خشبة المسرح فمن النادر أن تشعر بروح المخرج حاضرة وكأنه وقف وراءهم فى صورة غير مرئية موجهًا الجميع من وراء الكواليس، العرض ديكور المهندس عمرو عبد الله، وإضاءة أبوبكر الشريف، وأزياء أميرة صابر، إعداد موسيقى محمد عبد الله، شارك فى أداء ومنفذى المسرح الأسود ريم عصام وأميرة إبراهيم.