الإثنين 27 سبتمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
احمد باشا

منحوت الجبل

رواية تعتمد الوثائق التاريخية المعلن منها والمحجوب

«منحوت الجبل» رواية للروائى  أحمد محمد جلبى، صدرت فى العام 2021م، الكاتب قد عَمِدَ فيها إلى إرفاق واعتماد وثائق تاريخية منتقاة مِمَّا استطاع أن يطلع عليه من أكثر من 30000 وثيقة فى الأرشيف البريطانى؛ بعضها تم شطبه لأنه لا يزال سرًا من أعمال الحرب وبعضها سرى للغاية وقد رفع عنهُ ذلك الحجب من السرية ويخص موضوع الرواية هذه بالذات 300 وثيقة فى غاية الأهمية.



حملت الرواية عنوانًا لافتًا مثيرًا للتساؤل «منحوت الجبل»؛ فالمحنوت من الجبل يحمل فى ثناياه معانى التاريخ أو ما نُحت على الجبال من نقوش حملت لنا التاريخ بأمجاده وهزائمه. والعنوان أيضًا يستحضر قوله تعالى: [وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِى الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِى الأَرْضِ مُفْسِدِينَ] (سورة الأعراف، آية: 74)، ويستحضر أيضاً قوله تعالى: [وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ] (سورة الحجر، آية:82). فهل وجد «أبطال الرواية» أنفسهم وجهاً لوجه أمام مؤامرات تُحاك ضدهم؟!؛ وهل هى مؤامرات استعمارية لها جذور تاريخية أو دينية، نحتها أناس عَثَوْا فِى الأَرْضِ مُفْسِدِينَ بل أكثروا فيها الفساد؛ ليتخذوا لهم بيوتًا آمنة؛ فى حين أنهم لا يدرون أن مثلهم كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً؟!

ففى العنوان إذًا يشعر القارئ أن هناك سرًا غامضًا؛ وهو مُحيِّر ومثير للتساؤلات؛ فما هو المقصود بالضبط من «منحوت الجبل»؟. عند استنجادنا بالمتن لنكشف بعض أسرار هذا الغموض نقرأ هذا الوصف لشخصية «مراد حسين» الذى قهر الموت وعاش أكثر من مائة عام ولا يزال فى دفقة الشباب وشرخه رغم أنه من مواليد 1918، آخر لحظة من عام نهاية الحرب العظمى الأولى (وهذه إشارة إلى تاريخ يرتبط بتقسيم تركة الرجل المريض)، وربما يمتد به العمر لأكثر من ثلمثمائة عام أُخَري، وأبناؤه تفرقوا فى أرباع العالم المسكون حوله (وهذه إشارة إلى شتات بنى إسرائيل)، وهو يبدو كشاب رياضى استطاع المحافظة على «قوام مثالى منحوت» (وهذا فى رأيى يعنى أن «منحوت الجبل» هو ما نحته اليهود فى أذهان الناس بادعاءاتهم بأن التوراة وعدتهم بدولة إسرائيل الكبرى المنحوتة حدودها من النيل إلى الفرات؟!)؛ وهذا الرأى تؤكده جمل دالة جاءت فى الرواية من مثل: «الحياة مكيدة، فهل يمكن أن يكتب مخلص سيرة». «التفاوض مع الواقع»، «حالة حرب على رقعة شطرنج»، «العولمة العابرة للقارات على حساب القوميات»، «تحسين الموقف القتالى»، وغيرهم كثير.

سرد الأحداث يبث مجموعة من المعلومات التاريخية التى تغيب عن الكثيرين منا فى العالم العربى والتى حدثت منذ الحرب العالمية الأولى التى حوت أحداثًا ومجازر حصدت أرواح أكثر من ثمانين مليونًا من البشر، وكانت تداعياتها رهيبة وأخرجت وحوشًا فى صور آدمية لا يعلم إلا الله ماذا فعلوا بالناس، ولا تزال جرائم بعينها محل تساؤلات مثل مذابح الأرمن والروس والبلقان والصين.. إلخ، ثم يشير إلى بعض أحداث ما بين الحربيْن العالميتيْن والتى ارتبطت بتقسيم الوطن العربى وتنفيذ وعد بيلفور، ثم يمر بأحداث حدثت ما بين عامى 1942م و 2019م فى لندن وفى العلمين وفى القاهرة، رابطًا تلك الأحداث بأحداث خارقة حدثت فى التاريخ الفرعونى أسرارها مجهولة حتى الآن؛ ثم يقوم بإسقاط كل هذه الأحداث على أحداث معاصرة تقع فى الوطن العربى الآن؛ وبهذا تكون نظرة الكاتب نظرة شمولية مستمدة من معلوماته التاريخية ومن واقعه المحيط به، فتركز على أحداث ومؤامرات وأزمنة حدثت منذ ما قبل الحرب العالمية الأولى وما زالت تبعاتها مستمرة حتى الآن؛ وذلك بغرض لفت الأنظار إلى ما يحاك من مؤامرات لإعادة تقسيم الوطن العربي؛ تقسيم المُقَسَّم وتشتيت المُشَتَّت إلى دويلات صغيرة يسهل ابتلاعها؛ وذلك من خلال توظيف مجموعة من الأساليب الفنية المتنوعة مثل: التاريخى والوثائقى والرمزى والعجائبى والغرائبى. وأعتقد أن الأساليب الرمزية والعجائبية والغرائبية التى ظهرت فى الرواية قد تخفى على العامة دون النخبة، فالنخبة المثقفة تستطيع فهم الكثير من تلك الدلالات الرمزية والعجائبية والغرائبية.

 ​وبالانتقال إلى الشخصيات فيمكننى القول من خلال شخصيات الرواية الرئيسة -الذين يبدون فى حدود 45 عاما على اكثر تقدير كما أراد خيال الروائى- يمثلون الشعوب والجيوش العربية التى لم تنل شرف المساهمة فى حرب 1973المجيدة والتى مثلت وحدة تلك الشعوب وحرصها على أمنها القومى والآن ترى الصراع العربى الإسرائيلى وتشهده على أنه صراع بين سياسات وليس قضية العرب المحورية الأولى ولا هو صراع وجود ولهذا يحاول المؤلف هنا طرح لماذا هى قضية وجود ولماذا وصلنا لذلك المستوى من التعايش مع المخاطر المهددة والمحتملة واعادة استعمار المنطقة عبر مشاريع وهمية تخفى الغرض الأساس والذى هو منع تكاتفهم وتعاضدهم أمام الهجمة الاستعمارية الشرسة.

​ فالمحكم العالمى «مراد حسين»: طبيب بشرى وجراح وزميل لجمعية الجراحين الملكيين بـلندن، وقد فض النزاع بين «أمجد» و«أسعد» بطريقة عصرية ومتحضرة، وهو ذو ثقافة واسعة، وهو الذى يقرر لكل خصم كيف يلعب لكى يكسب المعركة (فى رأيى الشخصى أنه يمثل العولمة والاستعمار، ويرمز لأطماع إسرائيل فى المنطقة ومصر على وجه الخصوص من حيث انها مكان ومحور العمل الروائى ولذلك يعود بنا لأرض العلمين ومعارك الحرب العالمية الثانية حيث دشن الحلفاء عصر القوة الجديد قبل العولمة).

«أمجد رضوان»: المحترف الذى كسب بطولات عديدة سابقًا وكل الجماهير تشجعه، وهو الخصم الأساسى فى اللعبة، وهو لم يستطع أن ينهى الدور لصالحه مع كل إمكانياته على الأرض ولديه كل تلك القطع وكانت حركة واحدة فقط كفيلة بكسبه المعركة ومع ذلك أضاع دورًا جميلًا بمقاييس اللعب وصعب أن يتكرر، وتعادله مع خصمه يعنى الخسارة بالنسبة له (فى رأيى أنه يرمز للشعوب العربية التى تستطيع بحركة واحدة القضاء على إسرائيل ولكنها مُقيَّدة عن الفعل رغم كل إمكانياتها على الأرض) إن المؤلف يحشر نفسه فى الزوايا الضيقة بين التضاد والمنافسة والصداقة والهدف المشترك وحتى الانتظام فى فريق عمل واحد رغم أنهم فى مواقف وأحيانا كثيرة يقفون ضد بعضهم البعض معارضين أو مناوئين لرغبات وارتباطات، لاحظ أراءهم فى زواج أسعد من كفاح وتعليقاتهم. 

«أسعد أحمد»: العميد بالقوات المسلحة، والمهندس المتخصص فى الحرب الإلكترونية، الذى انتزع نفسه وجيشه ومليكه المفدى من هزيمة مروعة ولم يخسر الحرب وبغير حسن تصرفه والصدف وأخطاء الغير؛ كان يمكن أن يكون مثل كثير من المعارك غير المتوقعة والمتوقفة فى انتظار جولات أخرى وهذا نصر فى حد ذاته، تلك العبارات الموحية لها مراميها على العديد من الأحداث التى مرت فى عالمنا خاصة منذ بدء من الألفينيات وحتى الآن. (وفى رأيى وقراءتى للنص ونظرة عروبية خالصة؛ أنه يمثل الجيوش والشعوب العربية بعد مرحلة السلام المهادن مع إسرائيل حيث يفرض الواقع السياسى والأخطار المحدقة التى تحيط بالجسد العربى والتى تنهشهُ من الأطراف، الانتظار والترقب ومحاولة النصر بغير مواجهة مباشرة مع العدو وهى مرحلة تستلزم الكثير من الحيطة والحذر). 

الكاتبة «كفاح عياش» الفلسطينية الأصل الأردنية الجنسية: التى يرتبط بها «أسعد» بعد قصة حب (فى هذا الزواج أو المزاوجة إسقاط واضح الدلالة لارتباط الجيش المصرى بالكفاح الفلسطينى الذى يؤكده اسمها) كذلك حالة التناغم بينهما والتى أتت من تقدير مواقف تم بينهما بطريقة غامضة وتفهم عميق لا يعوزه أسباب أو شرح، أشار المؤلف لذلك بطريقة تختلط فيها الرومانسية العميقة بالعملية الدقيقة وكأنه يقول لنا أن لا غنى لأحدهما عن الآخر وأن ما يجمعهم هو أكثر من الظروف أو التشابه بل المصير المشترك لاحظ ذلك فى فترة الخطبة بينهما ثم بعدها حين يستقرون فى زواج دائم حين يشغل كفاح مشروعها القادم وهو «مدافع الأب عياش» واحياؤه مرة أخرى بعد وفاة معالجة السينمائى المصرى الروائى محمد صدقى؛ وهى لفتة ذكية للغاية من المؤلف «أحمد محمد جلبى» ويشغل بال أسعد مراجعة وثائق الحرب القادمة من الارشيف البريطانى «القادمة فعلا فكل عناصرها على الارض، فذلك تلاعب لفظى القادمة وليست الفائتة» والتى تلخص مخططات هدم المنطقة العربية واستعباد شعوبها مرة أخرى ويالها من لمحة حين يهتدى كل منهما إلى الحل والطريق.

«مدحت الحسينى»: شخصية المؤرخ والروائى المولع بالغيبيات وله العديد من المؤلفات (فى رأيى الظنى أنه يمثل دورًا للكاتب فى ملمح أو أكثر من ملامح الرواية وعليه يمكن الظن بدون يقين انه أحد أبطال الرواية وربما من وصلت إليه المعلومات التوثيقية التى نطالعها ضمن الأحداث، ويقصد أن يوحى بذلك دون قطع، الراوى هنا: «أحمد محمد جلبي» بنفسه دون أن يضطر لضرورات العمل الدرامية أن يظهر نفسه فقد خبأ نفسه بمهارة).

من الصياغة اللغوية، أحدهما تجلى فى صياغة خاصة للجمل الإبداعية القابلة للتأويل، والآخر تجلى فى لغة السرد الميسرة بنكهتها الشعبية المفصحة فى الحوار والوصف.

 الزمن الروائى الملغز لدى الكاتب أحمد محمد جلبى؛ الذى يقدم الأحداث وتدور فيه الشخصيات فيبدو كحقبة زمنية محددة ظاهريًا، إلا أن القارئ المتمعن يجد أن زمن الرواية زمن عجائبي تتداخل فيه الأزمنة؛ فالكاتب يرتد بالزمن إلى الوراء لسنوات تقل ولسنوات تكثر ليربطها بأحداث وقعت فى مصر لم تكن ببعيد عن الزمن الكتابى؛ فبحسب ما يُلحظ من إشارات وردت فى الرواية؛ نقرأ أحداثاً وقعت منذ الحرب العالمية الأولى، مرورًا بأحداث حدثت ما بين عامى 1942م و2019م، ثم بأحداث خارقة حدثت فى التاريخ الفرعونى ليربط كل تلك الأحداث بأحداث معاصرة، كما يعمد الكاتب إلى الوصف التفصيلى لأحداث مرت بشخصية «مراد حسين» الذى قهر الموت وعاش أكثر من مائة عام وربما يمتد به العمر لأكثر من ثلثمائة عام أُخَر، وهو لا يزال فى دفقة الشباب وشرخه رغم سنواته التى تتعدى المائة، ثم لأحاديث عن المعجزات التى أعادت بعض الموتى إلى الحياة، ولحوارات كانت تدور حول فكرة قهر الموت والعودة مرة أخرى إلى الحياة والشفاء من الجروح بسرعة.