الإثنين 25 أكتوبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
احمد باشا
مؤسسية حقوق الإنسان.. إرادة رئيس

كيف نجح السيسى فى تحويله من مجرد شعار سياسى إلى التزام دستورى واجب التنفيذ

مؤسسية حقوق الإنسان.. إرادة رئيس

منذ اللحظة الأولى لتصدى الرئيس عبدالفتاح السيسى لمسئوليته الدستورية الرئاسية، وعيناه شاخصتان نحو الإنسان المصرى، ورغم التدفقات السياسية التى أحاطت به من اتجاهات مختلفة مدعومة من تنظيم دولى إرهابى أقصته الإرادة المصرية، إلا أن محاولات التشويش على خارطة طريقه لم تنجح فى إثنائه عن السير نحو هدف استراتيجى عنوانه «الدولة فى خدمة المواطن».



عبدالفتاح السيسى الذى جاء محمولًا على قاعدة شعبية صلبة يمتلك قدرة مذهلة على أن تظل مسئولياته الدستورية محصنة بسياج إنسانى نجح فى اختصار المسافات بينه وبين المواطن. 

على مدر السنوات ظل ملف حقوق الإنسان محاصرًا فى مساحة سياسية لم يكن للإنسان المصرى فيها قيد أنملة، لكن السيسى أدرك ذلك منذ البداية فجاء مُصرًا على نقل هذا الملف من حالة الاستخدام السياسى إلى حالة العطاء الإنسانى الواقعى.

■ ■ ■

 قد يبدو المشهد أكثر تعقيدًا وقد تُستخدم تفاصيله استخدامًا قاسيًا يصل إلى حد التحريض ضد الدولة، والرئيس بزعم قسوة إجراءات الإصلاح الاقتصادى، لكن السيسى قطع عهدًا على نفسه ألا يخدع المواطن بشعارات تخديرية أو بأداء تمثيلى مزيف، فمن قبل كانت الكاريزمات الشخصية لرؤساء سابقين تنعكس بحالة تضخم على خطابهم الجماهيرى، لكن السيسى هو رئيس الواقع المصرى بكل تفاصيله.

من مرحلة الشعارات السياسية إلى مرحلة الالتزام الدستورى، هكذا انتقل الرجل بهذا الملف من الشارع السياسى إلى الالتزام المؤسسى المحدد، فأصبحت كل مؤسسات وهيئات ووزارات الدولة تعرف على وجه التحديد واجباتها نحو تمكين المواطن من حقوقه التى ظلت حبيسة فى حناجر بعض منتحلى صفة النخبة، المدعومين بمنظمات دولية كانت ومازالت مُصرة على أن تظل تلك الحقوق خلف الجدران، لكن عبدالفتاح السيسى عقد عزمه على أن تتحول تلك الحقوق إلى استحقاقات دستورية مرتكزة فى صلب شرعية الإنجاز التى ألزم بها نفسه التزامًا معلنًا، لكن ذلك لم يكن ليحدث إلا بقوة الإرادة الرئاسية المدفوعة بنوايا إنسانية صادقة من أجل تحرير هذا الملف من أسر الاستخدام السياسى إلى واقع الخدمة الإنسانية.

■ ■ ■

 أمام المصريين وفى مواجهة المجتمع الدولى، وقف السيسى معلنًا إطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، فى ظل التزام معقد بالحفاظ على كيان الدولة كخيار حتمى وباعتباره ضرورة وجودية ووعاءً حاضنًا لإعمال هذه الحقوق من خلال مؤسسات قادرة على ذلك، وبالتالى فإن التزام السيسى بتثبيت أركان الدولة خلال فترة رئاسته الأولى هو فى الأصل التزام بالكيان الحافظ لتلك الحقوق، فبدون دولة ليست هناك حقوق ولا إنسان، بينما يظل المزايدون شرقًا وغربًا متفرجين عليه منتظرًا المساعدات التى تُلقى عليه من طائراتهم أو قاذفاتهم، فى مشهد يعود بالإنسان إلى ردة حضارية كان بطلها إنسان الغاب!

أمام الجميع وقف الرئيس المصرى معلنًا رؤية مؤسسية لحقوق الإنسان مدعومة بإرادة رئاسية صُممت على وضع منهج قانونى لتفعيل هذا المصطلح وإيصال استحقاقاته للمواطن، مستعرضًا خلال كلمته رسائل محددة لخارطة طريق نحو تفعيل عملى وتشريعى لهذه القيمة، وقد تمثلت تلك الرسائل فيما يلى:

■ المجتمع المدنى شريك رئيسى فى صياغة استراتيجية لحقوق الإنسان تليق بالجمهورية الجديدة.

■ حماية الحقوق والحريات التزام على عاتق الدولة ومعيار لرقى أدائها.

■ مكافحة الفساد مكون رئيسى فى منظومة حقوق الإنسان.

■ تفعيل حقوق الإنسان يستلزم تشريعات وسياسات ملزمة لمؤسسات الدولة.

■ حرية الإبداع والفكر والثقافة مكونات لا غنى عنها لدعم منظومة حقوق الإنسان.

لقد أقبل السيسى على المصريين وهو مُدرك لأدق تفاصيل استراتيجية حقوق الإنسان التى تم إطلاقها وكيفية تحقيقها، وكيفية امتلاك الدولة لأدوات تحقيقها، فقد جاء إطلاق الاستراتيجية امتدادًا لما أعلنه الرئيس فى خطاب التنصيب للولاية الرئاسية الثانية من انطلاقها تحت عنوان «بناء الإنسان». ذلك البناء المنشود من أجل كرامة الإنسان المصرى، لكن السيسى لا يزال مُصرًا على أن مفهوم حقوق الإنسان مرتبط ارتباطًا وثيقًا بهوية ثقافية تختلف من شعب لآخر، وبالتالى ليست هناك نماذج ثابتة يمكن استنساخها أو استدعاؤها من أجل إعادة تطبيقها خارج سياقها الثقافى والاجتماعى، خاصة أن بعض النماذج المتطرفة قد سيطرت على المشهد فى بعض الدول بفعل الفوضى، التى أسست لها أنظمة وأجهزة غربية تدعى الآن أنها تراقب حالة حقوق الإنسان الذى تركته فريسة لبنادق الجماعات والميليشيات المسلحة!

■ ■ ■

 نقف هنا أمام حقيقة “الاستراتيجية المصرية لحقوق الإنسان” التى تهدف عمليًا إلى تقديم ما يصون كرامة الإنسان المصرى، وليس تقديم استعراض حقوقى بعبارات رنانة قد تكون جاذبة لمسامع الجمهور، لكن تأثيرها ينتهى بانتهاء العرض حتى لو استمرت آلامها.

خلف خطوط الألم سارع السيسى بتنفيذ عمليات إنزال شاملة لكل أجهزة الدولة التى اتجهت مباشرة نحو مناطق العشوائيات التى ظل قطاع من الشعب المصرى مُحاصرًا فى دروبها، لكن الرجل سارع فى تحرير هذا المواطن من عملية احتلال اجتماعى معقدة، وقام على الفور بنقله من مناطق العدوان الاجتماعى إلى مسكن يليق بكرامته وإنسانيته.

واصل الرئيس تقدمه نحو تنفيذ خطة إعادة انتشار الدولة على كامل أراضيها وصولًا للمواطن فى كل مكان، فبادر بإعلان مبادرة «حياة كريمة» لتطوير وتنمية قرى الريف المصرى التى يقطنها ملايين البسطاء ممن عانوا سنوات من الإهمال والتجاهل والتهميش، لكن السيسى جاء بعزم وقوة الإرادة الشعبية من أجل تنفيذ أكبر عملية إزاحة اجتماعية عرفها التاريخ المصرى المعاصر لواقع مؤلم أحاط بالمصريين عقودًا طويلة.

فى كل حركة كان السيسى مستحضرًا النوايا الرئاسية من أجل خدمة المواطن المصرى، لكن خدمة المواطن ليست شعارًا من أجل الاستهلاك السياسى بل ما وقر فى النوايا وصدقه الإنجاز.

■ ■ ■

 إذا ما اتجهنا مباشرة نحو الحقوق والحريات السياسية، فإننا سنضطر لمواجهة حقيقية مع الواقع السياسى خاصة خلال العقد الماضى والذى أعقب ما حدث عام ٢٠١١، من أجل تحليل سلوك من يضفون على أنفسهم وصف النخبة لنجد أنفسنا أمام تشوه سياسى قد حدث وتحول لأسلوب حياة، بعد أن فرضت تلك النخبة حالة من التمحور حول الفراغ ورسخت قناعة فى أذهان الأجيال بأنه يمكن الاستمرار فى وهم إدراك ما الذى لا نريده ولكننا غير ملزمين بإدراك ما الذى نريده وكيف يتحقق؟!

طوال السنوات فشلت تلك النخبة فى التحول من حالة «التعريض» بالدولة إلى حالة «المعارضة الحقيقية»، كما فشلت فى التحول من حالة «الفيروس السياسى» إلى حالة «المعارضة المنهجية»، ونقصد بالفيروس السياسى هنا تلك الحالة التى فرضتها هذه النخبة على أذهان أجيال متعاقبة والتى يمكن وصفها بـ«المعارضة الحدّية».

أى أن ممارسة المعارضة للدولة تبدأ بإزاحة النظام القائم على إدارتها أولًا، ثم نفكر فيما نفعله دون اكتراث لخطورة مرحلة الفراغ الناشئ عن تلك الإزاحة وخطورته على وجود الدولة، وهو أمر أدى لرد فعل مقابل من الأنظمة وجعلها متحفزة طوال الوقت بعدما فرض على الجميع الدخول فى صراع على البقاء وليس البناء.

■ ■ ■

 ورغم الاتهامات الموجهة للدولة ونظامها بعدم إتاحة المساحات الكافية للحريات السياسية، فإن توصيف الواقع يُحيلنا إلى مساحات التصحر والتجريف السياسى، التى قد تعرض لها الواقع المصرى فى أعقاب ما حدث عام ٢٠١١ وحتى عام ٢٠١٣ من زخم ثورى كثيف وصل حد الفوضى، ورغم ذلك فإن من يقفون فى مراكز النخبة أو المعارضة لم يقدموا برنامجًا واضحًا أو منهجًا محددًا من أجل إعادة الإعمار السياسى لتلك المساحات، التى تم تحريرها من سيطرة الحزب الواحد ثم سيطرة جماعة إرهابية، لكن مجموعات النخبة ظلت فى مرحلة المد الثورى وعجزت عن الانتقال لتطورها الطبيعى وهو مرحلة بناء الدولة.

فى مواجهة ذلك لم يكن بمقدور دولة يونيو أن تقف عاجزة أمام مساحات البوار السياسى المتروكة دون أى محاولة أو مبادرة للاستصلاح السياسى، وهو أمر شديد الخطورة ليس على النظام بل على كيان الدولة، فى مواجهة إصرار نخبوى على ممارسة ثورية خارج سياقها الزمنى والاجتماعى بل تجاوز ذلك إلى حد إدمان العمل الثورى القادر على الإزالة دون أى قيمة سياسية مضافة.

هنا حدثت عملية الانكشاف بسبب فرق السرعة السياسية بين دولة ٣٠ يونيو التى غادرت مساحة المد الثورى إلى مساحة شرعية الإنجاز، بينما ظلت تلك المجموعات تمارس المشى الثورى فى المكان دون أى نية حقيقية لإنجاز مشروع تحققت له كل فرص الإزاحة السياسية للحزب الوطنى ومن بعده تنظيم الإخوان.

■ ■ ■

 بالنظر إلى تلك الحالة بمحاذاة دعوات تجديد الخطاب الدينى، سنجد أنفسنا فى حاجة ملحة لتجديد الخطاب السياسى، وإلا تحولت تلك المجموعات إلى نخبة متحفية عاجزة عن مسايرة حركة الجمهورية الجديدة، كما أنها ستظهر أمام الأجيال الناشئة كما لو كانت تتحدث عن تراث سياسى لم يعد صالحًا لظروف العصر، وستقع أسيرة فى فجوة زمنية لن تمكنها من تقديم برامج سياسية حقيقية أو نماذج من أجل التواصل الجماهيرى، وستظل فى حالة انتظار دائم للثورة القادمة التى سيكون أيضا هدفها الإقصاء دون معرفة مراحلها التالية، وهو أمر بالغ الخطورة لا يمكن السماح بتوريط الدولة فيه لتقع فى دوامة سقوط وإسقاط حر فى حالة من المجهول المستدامة.

إذن المقصود هنا أن نضع تعريفًا واضحًا للممارسة السياسية البناءة، ثم نتجه إلى الحديث عن الحريات الممكن إتاحتها وفقًا لما سيفرزه ذلك التعريف من مساحات تصلح للعمل السياسى.

وطالما استمرت حالة المجهول السياسى التى تصر عليها مجموعات النخبة، فإن ضحاياها سيتزايدون وسيستمر سقوطهم فى ممارسات فوضوية تصل إلى حد الجرائم المنصوص عليها فى قانون العقوبات، أو تورطهم فى حالة استخدام إخوانى من أجل مكايدة الدولة وتوسيع مساحات الخصومة السياسية.

ما نقصده هنا أن الحقوق السياسية المنشودة تستوجب قدرة على ممارستها بمعاييرها السياسية وليست بأحلامها الثورية، وإلا سيتم توريط المجتمع فى حالة سفه سياسى شديدة الخطورة.

■ ■ ■

 لم تقف الدولة موقف المتفرج أمام عملية التكلس السياسى أدنى إرادات مجموعات نخبوية فرضها على الواقع، فانطلقت نحو إطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، وهو عمل توثيقى وخارطة طريق محددة الملامح، استغرق إنجازها نحو عامين فى حوار مجتمعى متخصص، شارك به العديد من المتخصصين فى مجال حقوق الإنسان إلى جانب المنظمات الفاعلة فى ذات المجال.

فإذا ما تصفحنا تلك الوثيقة التى يقع محتواها فى ٧٨ صفحة، سنجد إصرارًا من الدولة مدعومًا بإرادة رئاسية من أجل وضع إطار مؤسسى مُحدد لتلك المنظومة من خلال محاور محددة على النحو التالى:

■ الضمانات الدستورية لحماية واحترام حقوق الإنسان.

■ شرح التزامات مصر الدولية والإقليمية فى مجال حقوق الإنسان.

■ جهود تعزيز ثقافة حقوق الإنسان.

■ تعزيز المشاركة فى الشأن العام.

■ التطور المؤسسى والتشريعى لمنظومة حقوق الإنسان.

■ التعريف الشامل للحقوق المدنية والسياسية بما فيها الحق فى التنظيم والتجمع السلمى ومعاملة السجناء والمحتجزين.

■ الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحق فى الضمان الاجتماعى. 

■ إدماج مكون حقوق الإنسان فى المناهج التعليمية.

■ تدريب أعضاء هيئة الشرطة.

■ تدريب أعضاء الهيئات القضائية.

■ تدريب موظفى الجهاز الإدارى.

■ وصولًا إلى الحق فى مياه الشرب.

■ ■ ■

 هكذا تقدمت دولة ٣٠ يونيو بجمهوريتها الجديدة نحو مسار مؤسسى لمنظومة شاملة لحقوق الإنسان، قابلة للتطبيق على أرض الواقع استنادًا لإرادة رئاسية، صممت على تحويل النصوص الدستورية إلى دليل عمل له إطار تشريعى وإدارى محدد لأدوات التطبيق العملى التى تضمن وصول الحقوق لأصحابها، وتستطيع إلزام أجهزة الدولة بأدوار محددة واجبة النفاذ لصون كرامة الإنسان المصرى.