الأحد 24 أكتوبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
احمد باشا
أنا تعبان يا دكتور

أنا تعبان يا دكتور

أثارت حادثة انتحار فتاة المول الأخيرة والتى لقت حتفها قفزًا من الدور السادس موجة كبيرة من الجدل داخل المجتمع المصرى بين رأى الدين فيمن يقدم على الانتحار بين الوصم بالكفر والخروج من الملة وبين من يعزى هذا إلى سيطرة مرض الاكتئاب اللعين على صاحبه بصورة تجعله غير مسئول عن تصرفاته ومن ثم لا يمكن القول بخروجه من الملة وهو الرأى الذى ارتاح له كثيرًا.



لم يتوقف الجدل عند هذه النقطة الدينية فحس بل أخذ البعض هذه الحادثة إلى مناطق مرتبطة بالسياسة والظروف الاقتصادية و خلافه فيما حاول البعض تضخيم الحادثة ووصف الأمر بالظاهرة الكبيرة المتزايدة وهى أساليب لا أجدها مقبولة أيضا وهنا وجدت أن الارتكان إلى الإحصائيات يكون هو الأسلوب الأمثل لرسم صورة حقيقية لهذا الفعل وبالرغم من صعوبة وجود إحصائيات دقيقة لأسباب عدة منها خجل الأهل من الإفصاح وربما شعورهم بالعار-وهو شعور مؤلم وغير حقيقى- فدائمًا ما أتذكر مقولة أطباء الأمراض النفسية والعصبية الثقات من ضرورة اعتبار مرض الاكتئاب كأى مرض آخر يصاب به الإنسان وأن الاكتئاب له أسباب متعددة منها ما هو مرتبط بالبيئة والأحداث التى يمر بها الإنسان ويطلق عليه اكتئاب تفاعلى Reactive Depression ومنها ما هو نتيجة أسباب وراثية بالدرجة الأولى وهو ما يطلق عليه الاكتئاب العقلى Mental Depression.

حيث تشير نتائج المسح القومى للصحة النفسية والتى تستهدف قياس معدل انتشار الاضطرابات النفسية بمصر لعام ٢٠١٨ إلى أن ٢٥٪ من المصريين يعانون من الأعراض والاضطرابات النفسية وأن حوالى 44% من تلك الحلات تعانى من الاكتئاب فيما تخضع نسبة 4% فقط إلى علاجات دوائية وسلوكية وإذا نظرنا إلى الهرم السكانى فى مصر من واقع نتائج تعداد عام 2017 نجد أن حوالى 35 % من السكان تحت سن الـ15 عامًا ففى حالة أننا نقوم باعتبار أصحاب الاضطرابات النفسية فوق سن الـ18 فإن النسبة تصل إلى 16.25% من إجمالى عدد السكان أى حوالى 16 مليونًا و 250 الفًا إذا اعتبرنا أن عدد السكان 100 مليون بالتمام والكمال وعليه فإن أعداد المصابين بالاكتئاب فى مصر يصل إلى حوالى 7 ملايين و 150 ألفًا، بالطبع لا تنتهى كل حالات الاكتئاب بالانتحار مثلما توحى بعض الأخبار المنشورة .

وبالرجوع إلى بيانات البنك الدولى حول الانتحار نجد أن المعدل فى مصر خلال عام 2019 انخفض إلى 3 حالات لكل 100 ألف من السكان وهى أقل نسبة خلال أكثر من 20 عامًا وهنا يجب ذكر أن أعلى معدل كان فى 2012 و 2013 حيث صل إلى 3.4 حالة لكل 100 ألف من السكان وهو ما يمكن ربطه بالطبع بالأحداث الصعبة التى مرت بها البلاد فى هذه السنوات.

ورغم ذلك فإن مصر تأتى فى المرتبة 158 بين 183 دولة شملها تقرير البنك الدولى بينما تأتى الولايات المتحدة الأمريكية فى المرتبة 31 وفنلندا فى المرتبة 38 وكندا فى المرتبة 69 والمملكة العربية السعودية فى المرتبة 133 ودولة الإمارات فى المرتبة 138...إلخ.

وبغض النظر عن تلك الإحصائيات والتى ربما تثير الكثير من الجدل إلا أنه توجد نقطتين أساسيتين تجدر الإشارة إليهما الأولى مرتبطة بالتغطية الإعلامية لتلك الأحداث وتضخيمها بصورة تخالف الواقع والنقطة الثانية إلى أن الوعى بأهمية الطب النفسى وضرورة اللجوء إلى المتخصصين آخذة فى الازدياد ويقل خجل المجتمع ونفوره أو إخفاؤه لحقيقة الأمراض النفسية ووجوب اللجوء إلى المتخصصين بصورة كبيرة تختلف عن الشكل الذى كانت عليه منذ 50 عامًا وهو مشوار كبير ومعاناة مضنية وصفها الأستاذ الدكتور أحمد عكاشة فى كتابه البديع «نفسى» بصورة أكثر من رائعة.