الإثنين 25 أكتوبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
احمد باشا

فى مهرجان إيزيس الدولى لمسرح المرأة

«ليدى إم» و«هاملتهن».. وليم شكسبير بعيون نسائه فى تجارب مسرحية استثنائية

اختتم مهرجان إيزيس الدولى لمسرح المرأة فعالياته الثلاثاء الماضى؛ والذى حرص فى دورته الأولى على استضافة عدد من العروض المسرحية المميزة من إبداعات دول عربية وأوروبية مختلفة بجانب العروض المصرية؛ مع التحفظ على الإطار الذى بنى عليه المهرجان فلسفته فى اختصاصه بمسرح المرأة أو المسرح الذى يتناول قضايا المرأة؛ فالإبداع لابد أن يتحرر من التصنيف؛ لأن قضية المرأة قضية إنسانية بالأساس؛ وإبداعها بشرى وليس إبداعًا أنثويًا لمجرد أنها امرأة!



لكن بعيدًا عن العنوان العريض الذى وضعت تحت إطاره عروض المهرجان؛ نجح إيزيس الدولى فى استضافة وإعادة عدد من الأعمال المسرحية المميزة؛ كان أبرزها العرض الهولندى «ليدى إم» الذى استحدثت بطلته آن مارى دى بروين طريقة جديدة فى قراءة نص «ليدى ماكبث»؛ قد تتوقع فى بداية الأمر أن العمل مجرد عرض مونودراما عن ليدى ماكبث ذاتها؛ لكن المفاجأة الكبرى التى سوف تذهلك مع مشاهدة العمل المسرحى الذى حمل كوميديا وسخرية أحيانًا من كاتب النص نفسه وليم شكسبير؛ حيث رأته البطلة شخصًا ظالمًا ومتحيزًا لأنه لم يذكر خادمة الليدى ماكبث سوى فى مشهد واحد؛ رغم أنه فى رأيها كان وجودها جوهريًا ومحوريًا فى الأحداث؛ فهى شاهدة على كل ما حدث بالرواية؛ وتبدأ تلك الخادمة فى حكى وتمثيل ما وقع من أحداث داخل القصر؛ وكيف رأت المسرحية من وجهة نظرها التى لم يذكرها شكسبير أو لم يعر لها اهتمامًا من الأساس؛ تتحامل وتثور على وليم شكسبير وكأنها تحاكمه لأنه جعل منها مجرد شخصية هامشية لا تجيب سوى بمجموعة محدودة من الكلمات فى مشهد واحد فقط؛ ذكاء وتناول جديد وشديد الخصوصية لأحد أبرز أعمال المسرح العالمى؛ قراءة ربما لم نعهدها من قبل لنص «ليدى ماكبث» أكدت بطلته على فتح الأفق والخيال الدائم فى رؤية أشد الأعمال المسرحية كلاسيكية وتناولا على مستوى العالم؛ ففى هذا العرض تشير إلى كيف يكون التجدد والابتكار وخلق كل ما هو جديد مهما كان العمل يوحى بالثبات والقدم.

اعتمدت البطلة على الحكى والتمثيل والحوار الدائم والمشاركة مع الجمهور؛ بين الدخول فى الشخصية أثناء سرد الأحداث كما وقعت ورأتها بالقصر وبين خروجها للتحدث مع الجمهور؛ صنعت هذه الممثلة الماهرة حالة من التفرد بالتناول الكوميدى الساخر من وليم شكسبير مع الحفاظ على درامية الأحداث التى تسردها طوال العرض؛ جمعت بين المحافظة على أحداث النص الأصلى والتناول الاستثنائى لمسرحية «ليدى ماكبث»؛ العرض تأليف انشيان كورسلمان، أن مارى دو بروين، وديفيد جيزن، ورندا ديلز، وإخراج ديفيد جيزن وبطولة آن مارى دى بروين. 

هاملتهن

تأتى التجربة الثانية بالمهرجان والتى حملت إبداعًا أكثر تفردًا واستثناءً على مستوى قراءة نص «هاملت»؛ ثم تنفيذ هذه القراءة على خشبة المسرح فى «هاملتهن» للمخرجة ومعدة النص سعداء الدعاس؛ عن المسرحية الأشهر والأكثر تناولًا فى تجارب متعددة «هاملت»؛ لكن أغلب الظن لم تصل إحدى هذه التجارب لهذه الحساسية والتفرد فى القراءة المسرحية المتبحرة فى أعمال وخبايا نفس سيدات هاملت أمه جرترود وحبيبته أوفيليا؛ كيف قدمت المخرجة هاملت دون أن يتجسد على خشبة المسرح؛ كتبت المخرجة فى كلماتها توصيف صغير وشرح لفكرتها الرئيسية تلخصت فى سطرين «قراءة تختزل جميع الشخصيات فى شخصيتين قراءة حادة ومسيطرة فى عينى جرترود الأم؛ وقراءة أخرى مستكينة متخاذلة فى عينى أوفيليا»؛ يبدأ العرض بيقظة الأم جرترود من الموت وهى تنثر الزهور على قبر أوفيليا ثم فى شهقة أخرى تستيقظ أوفيليا من الموت أيضًا؛ وكأنهما التقيا فى عالم آخر وحياة أخرى؛ سمحت لهما بكشف الحقائق وكشف خبايا ما تعرضا له طوال أحداث المسرحية؛ كشفت كل منهما للأخرى الوجه الآخر الذى خفى عنها ولم تره؛ تقرر أوفيليا إعادة اللعب مع جرترود وكأن هذا الحدث سبق وأن حدث بينهما من قبل؛ تبدأ أوفيليا فى إقناع جرترود بضرورة اللعب مرة أخرى؛ ومن هنا يبدأ العرض تتبادل الأدوار كل من نورا عصمت «جرترود» الأم وأميرة عبد الرحمن «أوفيليا»؛ لتلعب كل منهما أدوار هاملت والملك ولرتيس؛ تخرجا من الشخصية الرئيسية مع الاحتفاظ بمشاعر الشخصية الأصلية؛ فعندما تتقمص إحداهما شخصية هاملت لتروى للأخرى ما حدث لها على يديه تتبدل المشاعر والأداء ليس لمجرد محاكاة وتقليد هاملت كرجل غاب عن خشبة المسرح؛ بينما بما حملته كل منهما تجاه الأخرى من مشاعر سلبية؛ فتتقمص الأم هاملت وهى تروى لأوفيليا كيف كان يراها؛ وكيف كانت وجهة نظره بها بكل تشفى وحدة وسخرية وكأنها مؤيدة لرأى ابنها فى تلك الفتاة؛ تفصح عن خبايا نفسها تجاهها فى روايتها ومحاكاة شخصية هاملت؛ وكذلك أوفيليا تروى غضب هاملت وسخطه فى ثورته على والدته كيف حافظت أميرة عبد الرحمن على الشعرة الفاصلة بين مشاعرها كأنثى مجروحة من حديث أمه وبين تأييدها أيضًا لثورة هاملت عليها وسخريتها كأوفيليا واستهزائها بها؛ ثم محاكاتها للملك العم؛ ورؤيتهما معا للشبح؛ ومحاكاة لريتس؛ سار العرض على هذا المنوال بالتبادل بين الشخصيتين الرئيسيتين ترويان حقيقة ما حدث وما غاب عن الأخرى ورأى كل منهما فى الأخرى وما تحمله تجاه غريمتها من مشاعر سلبية؛ حتى اكتشفتا فى النهاية أن كلتيهما كانتا ضحية الخداع؛ فأوفيليا خدعت من حبيبها؛ وكذلك جرترود خدعت من الملك التى ظنت أنه أحبها؛ بعدما تآمرت معه على قتل أخيه؛ تكشف لها أوفيليا عن تآمره عليها بوضع السم فى الكأس؛ قراءة مسرحية بديعة واستثنائية لأشهر أعمال وليم شكسبير على الإطلاق؛ قراءة تحمل مزيد من العمق والأبعاد النفسية؛ رؤية انتبهت فيها المخرجة ومعها أبطال العمل إلى حساسية الانتقال بين الشخصيات مع الثبات على أصل الشخصية الرئيسية حتى تصل فكرتها وقراءتها المتعمقة فى نفوس نساء هاملت شكسبير دون أن تتعمد الإشارة لهذه القراءة بحوار مباشر وكلام مرسل؛ فكل شخصية تروى دائمًا ما حدث من وجهة نظرها وبانفعالها تجاه الأخرى هكذا بدت أميرة عبد الرحمن ونورا عصمت شديدتا الدقة والانضباط فى الاحتفاظ بهذه الشعرة الفاصلة طوال أحداث العرض؛ مهارة كبيرة فى الأداء التمثيلى والتعبير الجسدى المبالغ فيه أحيانًا والمتعمد لوضع هالة من التضخيم ومشاعر السخرية والاستهزاء؛ بسلاسة ومرونة تشكلت كل شخصية فى هيئة هاملت ثم الملك ثم لريتس عن طريق وضع موتيفات إضافية على الملابس الأساسية التى ارتدتها أوفيليا وجرترود تصميم مروة عودة؛ فمع كل شريط معلق بالأزياء يحمل شكلًا يوحى بالشخصية الحاضرة الآن فى روح كل منهما؛ بالإضافة إلى الموسيقى الهادئة الناعمة التى لعبتها نجلاء يونس بعذوبة شديدة فى خلفية المسرح؛ اكتمل الإبداع فى عرض «هاملتهن»؛ وتحولت هاملت شكسبير إلى حالة مسرحية لاكتشاف أبعاد النفس الإنسانية على يد المخرجة المفكرة سعداء الدعاس التى اختزلت نص شكسبير فى شخصيتن تروى خلالهما قصة «هاملت» بلسان نسائه والتى أحبته كل منهما بطريقتها الخاصة وحرصتا على الاحتفاظ به مرة بعاطفة الأمومة وأخرى بعاطفة الحب؛ وفى النهاية فشلت كلتاهما فى الوصول إلى رغبتها واكتشفتا الخدعة الكبرى باسم الحب!