الأحد 24 أكتوبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
احمد باشا

«قابل للكسر».. يحلق بالمسرح الجامعى إلى عالم الاحتراف

 فى لحظة من الزمن توقف فيها المسرح الجامعى عند شكل كلاسيكى ثابت؛ قد يسعى صناعه غالبًا لإتقان عناصره لكن لم يسع معظمهم لكسر قواعده بالخروج من إطار الكلاسيكية البحتة إلى خيال أرحب؛ وبالتالى ثبتت العروض فى قالب وإطار مسرحى مكرر إلى حد كبير؛ بينما اليوم وفى الدورة الرابعة عشرة للمهرجان القومى يفاجئنا المخرج لبيب عزت ومصممة التعبير الحركى شيرين حجازى والمؤلف أحمد نبيل ليعلنوا أن كل الثوابت قابلة للكسر؛ قدموا عملًا باعثًا على الدهشة مع مجموعة من الطلبة حديثى العهد بالوقوف على خشبة المسرح؛ لم يتردد لبيب فى خوض التجربة والمغامرة معهم بكسر القواعد وصناعة عمل مسرحى أقرب للـ»شو» الضخم بين أسوار الجامعة المكان الأكثر قداسة ووقار؛ ليدخل وبقوة فى منافسة شرسة مع عروض المحترفين بالمهرجان القومى للمسرح.



«قابل للكسر» حمل عناصر «الشو» والدراما المسرحية معًا؛ خرج به لبيب عزت وفريق عمله من فخ الأنماط السائدة بعروض الجامعات المعتمدة عادة على نصوص كلاسيكية أغلبها من المسرح العالمى؛ عمل مفاجئ فى كل عناصره؛ وكل مستويات تنفيذه وتناوله بدءًا من خضوع أبطاله لتدريبات شاقة حتى يصلوا إلى هذه الدرجة من الإجادة والإتقان فى تقديم ألعاب السيرك والسحر والتعبير الحركى المنضبط الذى أبدعته معهم المصممة والمخرجة شيرين حجازى؛ ففى الوقت الذى اعتمد فيه العرض على فنون السيرك وأساليب الخداع والسحر؛ سحر أبطاله أعين الجمهور بأدائهم وإتقانهم لأدوراهم وكأنهم لاعبوا سيرك محترفين.

اختار المؤلف أحمد نبيل تقديم دراما وقصة حول حكايات وكواليس فنانى السيرك هذا العالم الغنى بالفن والصورة؛ وحواديت أبطاله المهمشون فى الواقع غالبًا؛ من خلال شاب شارك فى الأيام الأخيرة لازدهار سيرك يدعى «سيرك المعمورة» هذا الشاب يلتقى بمخرج مسرحى يبحث عن قصة مثيرة وجديدة خارج المألوف؛ يلهمه الشاب بقصص وكواليس السيرك التى عاشها مع أبطاله؛ لكن المخرج يكتشف أنه يختلق قصصًا من وجهة نظره؛ بينما هناك حكاية أخرى لا يعرفها إلا من عاش قصتها كاملة؛ كانت من خلال «سحر» الفتاة صاحبة قصة الحب الأشهر بسيرك المعمورة مع لاعب السيرك الأشهر والأكثر جاذبية «ميمو» الذى تماهى معه الشاب الأول من شدة تمنيه الوصول لمكانته؛ تتوالى الأحداث وتتنقل بين حكايات السيرك واسترجاع الذكريات وبين المسرحية التى يعد لها مخرج العرض.

تعتمد ألعاب السيرك بالأساس على الخداع والسحر والإبهار بإتقان القدرة على التخفي؛ أو بالمبالغة فى إظهار الحقيقة على غير صورتها الأصلية؛ أو باستعراض القوة والمهارات الجسدية؛ تجمع هذه الألعاب بين المتعة والإثارة مما يجعل عالم السيرك غنيًا بمتعة الخدعة؛ ومن هذا المنطلق تبنى المؤلف أحمد نبيل فلسفته فى بناء دراما العرض المسرحى؛ تبدأ الخدعة من الشاب ماهر الذى يتصور أو يهيئ للجمهور وللمخرج أنه «ميمو» الأصلى يخدع نفسه بالفكرة ثم يخدع من حوله؛ ومع الوقت نكتشف حقيقة «ميمو» وقصة حبه مع سحر التى انتهت نهاية مأساوية بالخداع أيضًا؛ على يد الساحر العاشق لسحر والحاقد على حبها لميمو فيقرر التخلص منه بلعبه وسحره أمام الجمهور؛ وبما أن فلسفة ارتداء الأقنعة أساسها الخداع والتستر وراء جدار؛ كان للقناع الحضور الأبرز فى العرض؛ الذى حقق متعة جمالية بصناعة صورة مسرحية بديعة؛ خاصة فى الاستعراض الأخير «القناع» ارتدى فيه الجميع قناع ميمو؛ وكأنهم جميعا تخفوا وراءه ليبدوا وكأنهم شخص واحد؛ ثم يتحركون بإعادة نفس حركاته الراقصة التى اعتاد تعليمها لهم, هنا يختار مخرج العرض غلق المسرحية بهذا المشهد الموحى والبديع الذى ترتدى فيه الممثلة لدور «حبيبته» قناعه باحثة عنه فى لهفة وخوف بين الأشباح التى بدت أمامها تتخفى وراء قناعه؛ ثم ترقص رقصتها الأخيرة باستعادة ذكريات حركته الجسدية مع الفريق.

تنوعت المشاهد القائمة على الحركة والاستعراض بالعرض ما بين مشاهد راقصة وأخرى تتعلق بفنون السيرك مثل المشى على اليدين واللعب بالكور والألعاب السحرية المتنوعة؛ التى أتقنها البطل إتقانًا شديدًا؛ وألعاب البهلوانات مع بعض اللمسات الكوميدية للمهرج والطبيب النفسى شابلن الذى يصاحبه طوال العرض وكأنه معالجه الخاص؛ ثم الشاب الأعرج؛ أشكال وأنماط من البشر تعيش داخل مؤسسة صغيرة لكنها تحمل الكثير من القصص والحكايات المأساوية والكوميدية وتشابك العلاقات وتعقدها فى عالم يتراجع بهم للخلف بعد أن هدم حلمهم فى بقائه ونجاحه؛ وكأن هذا السيرك الذى يبنى عالمه على إتقان الخدع صورة مصغرة للعالم الخارجى القائم على اللعب والصراع بين البشر فى مهارة إتقان الخداع والتخفى وراء المزيد من الأقنعة؛ انقلب مسرح كلية التجارة إلى سيرك كبير؛ وكان للمخرج وشيرين حجازى وسليم حسن الفضل الأكبر فى تحويل الطلبة المبتدئين فى عالم المسرح إلى لاعبى سيرك محترفين؛ أجساد طائرة جمعتها الرغبة والشغف بخفة حركة فى تقديم عمل موسيقى استعراضى فخم وكأنه أحد أعمال المسرح الأوروبى؛ نجح المخرج فى الوصول بخياله لتحويل مسرح الجامعة بمجموعة من الطلبة إلى تقديم عمل متكامل يحمل صورة مسرحية مبهجة ومبهرة بالملابس والمكياج والديكور تصميم محمد زكريا؛ الذى كان له الفضل أيضًا فى تقديم حلول سحرية تناسب الحالة المسرحية بسلاسة شديدة تتبدل المشاهد بين عالم السيرك والعودة بنا إلى المخرج الباحث عن فكرة جديدة وعرض مختلف يقدمه للجمهور؛ تغلق قطع الديكور الملونة بستائر داكنة؛ ليتحول المسرح إلى مكان فارغ ثم يعود وترفع الستائر فتتحول القاعة إلى عالم مبهج وسيرك كبير؛ تجربة شديدة التميز والابتكار بدءًا من الفكرة ونهاية بإتقان تنفيذها وإخراجها للجمهور على خشبة المسرح لمخرج متمكن من إدراة وقيادة مجاميع كبيرة وتدريبهم على تقديم عمل جماعى ضخم على قلب رجل واحد؛ ومصممة تعبير حركى لديها وعى شديد بدراما العرض أجادت وتفننت شيرين حجازى فى تصميم حركة  ممتزجة بالدراما؛ وليس مجرد مجموعة من الاستعراضات الفنية؛ ثم الديكور ولحظات الإضاءة التى أضافت جماليات خاصة فى استعراض «القناع» كيف أنارت الإضاءة الأقنعة الراقصة فى مشهد مسرحى بديع وكأنهم تحولوا إلى مجموعة من الأشباح المتحركة فى شكل قناع واحد؛ وبالتالى يعتبر العرض نموذجًا لفتح الخيال والمجال للخروج من القوالب المسرحية والأنماط السائدة بالجامعات؛ ففى هذا العمل يؤكد المخرج والمؤلف معًا أن كل ثابت قابل للحركة والكسر!؛ العرض ديكور محمد زكريا؛ إضاءة محمود الحسيني؛ ملابس منار مجدي؛ مكياج أمنية حمزاوي؛ ورشة بهلوان سليم حسن؛ ألحان الأغانى وتدريب على الغناء ياسر مصطفى؛ مقطوعة القناع تأليف وتوزيع أحمد محمود.