الإثنين 25 أكتوبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
احمد باشا

38 عاما على رحيل كروان الشرق

فايزة وسلطان.. 17 عامًا من الحب والفن

فى بعض قصص الحب أعتاد القدر أن يختار أحد العاشقين ليرحل فيعيش الآخر على ذكراه. مثلما فى قصة كروان الشرق الراحلة فايزة أحمد وزوجها الملحن الكبير الموسيقار محمد سلطان أطال الله بعمره فقد تجاوز الثمانين ولم يقو على نسيانها ولم يرغب فى نسيانها. ذكرياته مكدسة بوجدانه ولازال يعيش بمسكن الذكريات، وأبقى على كل شىء بالبيت بمكانه ومنذ رحليها من 38 عامًا لم يتزوج إخلاصا لها، وتوقف عن التلحين ويعيش حاضره معها فهى السند الغائب ويؤنس وحدته بعدد من القطط التى ارتبط بها وارتبطت به. 



الكاتب الصحفى حمدين حجاج ذهب إلى ميدان الذكريات وتتسلل بهدوء إلى قلب وعقل سلطان وحاروه. كم هو موجع أن يروى 17عاما قضاها مع حبيبت عمره وأم أولاده ورفيقه مسيرته. وبعد طلاق مفاجئ بينهما عاد إليها بعد إصابتها بمرض خبيث ليرافقها لحظاتها الأخيرة. فايزة وسلطان ثنانى إنسانى وفنى لا يتكرر أبدعا فى وجود زمن العمالقة من الملحنين والمطربين والمطربات بالإضافة إلى صداقتهم بزعماء مصر. 

 وكشف حجاج عن تفاصيل سردها بكتابه «فايزة وسلطان» الصادر عن دار «ريشة» للنشر والتوزيع وله عنوان فرعى «عشنا عمرنا أحباب» فى إشارة إلى قصتهما معًا. وبحسه الصحفى وشغفه لم يأخذ حجاج المعلومة كما هى، بل من أجل اتساع الرؤية اضاف مصادر أخرى وعقب عليها.

من المحاماة إلى التلحين

محمد سلطان (30 يوليو 1937) ابن الإسكندرية والده ضابط بالبوليس المصرى رغبه والده أن يلتحق بالكلية البحرية إلا أن سلطان رفض لأنه مدرك أنه خلق من أجل للفن فقظ. وبعد أن تأزمت الأمور بينهما تدخلت والدته وطرحت أن يدرس سلطان بكلية الحقوق. وحصل على دبلوم القانون العام ثم الماجستير فى الاقتصاد وعين فى النيابة ثم ترك وظيفته ليعيد اكتشاف نفسه فنيا وموسيقيا. سلطان يعزف العود من صغره وعلم نفسه بنفسه ويغنى بتلقائية ولم يلتحق بمعاهد للدراسة والحانة كلها فيما بعد هى نتاج ممارسته واطلاعاته. كانت الفيلا المجاورة لهم بجليم يسكنها الموسيقار محمد عبدالوهاب فتقابل مع سلطان طفلا الـ13 عاما وأعجب به وأوصى أسرة سلطان بالاهتمام بموهبته ورغم العلاقة المبكرة بين عبدالوهاب وسلطان، إلا أنه لم يطلب منه أى وساطته أو مساعدة لأجل فتح الأبواب المغلقة بل ارتكز على موهبته وفنه دون تدخل من أحد وبحسب قول سلطان «الإبداع لايغرف المحسوبية ولا الوساطة».

من الإذاعة السورية إلى المصرية

فايزة أحمد ولدت بلبنان من أسرة سورية الأب (أحمد بيكا الرواس) والدتها تعشق الغناء وتمنت من الله أن يكون لابنتها صوت مثل كوكب الشرق أم كلثوم، وبحسب رأى الكاتب حجاج أن دور والدتها هى الحقيقة الوحيدة إلى لا يوجد عليها خلاف فمسيرتها محاطة بقدر من المعلومات المتضاربة. دعمتها والدتها وأحضرت لها مدرسًا وتعلمت عزف العود وظهرت موهبتها فترة المدرسة. 

وبدأت مشوارها الفنى من الإذاعة اللبنانية واختارت لنفسها اسم شهرة (فايزة أحمد) بدلا من (فايز الرواس). ثم فى عمر الـ13 تقدمت إلى إذاعة الشرق الأدنى وتم قبولها وقدمت دويتو مع فيروز، ثم الإذاعة السورية التى رفضتها فى المرة الأولى وفى الثانية وافقت نفس اللجنة. ودعموها بإقامة حفلات وأغانى كتب لها خصيصا، ونالت قدرا من الشهرة والانتشار وأثناء عودتها من حفلة بالعراق أصيبت بحادث سيارة أفقدتها الذاكرة وبدأت أمورها الصحية تسىء وانخفض وزنها إلى 47 كليو ونصحوها المقربون بالذهاب إلى مصر.

«أنا قلبى ليك ميال»

سمع المسئولون بالإذاعة المصرية أغنياتها وأرسلوا لها دعوة للحضور للقاهرة. بالإذاعة المصرية تقابلت مع رئيس لجنة الاستماع الموسيقار «محمد حسن الشجاعى» وغنت موشحا. وأعجب بصوتها وأبلغته أنها تريد أن تغنى بالمصرى وليس موشحات.

فسالها الشجاعى: «تحبى مين يلحنلك؟ إجابته: محمد الموجى. وحدد لها موعدا مع الموجى، وبعد مواقف بينها وبين الموجى وافق على تغنى من ألحانه. وعرض عليها الشجاعى كلمات مرسى جميل عزيز (أنا قلبى ليك ميال/ومفيش غيرك على البال)، وتم تسجيل الغنوة إلا أن لجنة الاستماع اعترضوا على وجود (بحًة) بصوتها واعتبروها نقطة ضعف. وتم إعادة تسجيل الغنوة، ثم حفظها بالأدراج إلى أن تم إذاعتها بعد فترة والكل سأل عن صاحبة الصوت وفتحت طاقة القدر ووضعت أقدامها على أول طريق النجومية.

الخلاف الفنى بين فايزة وبليغ

بشركة محمد فوزى (مصر فون) غنيت فايزة «أنا قلبى ليك ميال» و« ويًمة القمر على الباب» والغنوتين للشاعر مرسى جميل عزيز. وحققتا الغنوتان أرباحا تقارب من 200 ألف جنيه وهو رقم فى توقيته ثروة.

 فايزة قدمت بليغ حمدى الملحن بمبادرة فردية منها ومغامرة رغم معارضة محمد فوزى أن بليغ مازال جديد دعمته فايزة وغنت له «ماتحبنيش بالشكل ده». تحكى فايزة: « سمعت الحانه مع المطربة فايدة كامل أدركت اننى اكتشفت موهبة حيث قدم موسيقى جديدة ونغمة مختلفة تسببت فى صعود نجمه وصار بليغ حاضرًا. والتقطه عبدالحليم حافظ ثم النقلة الكبرى مع أم كلثوم. وشكلا ثنائى ناحجا مع المطربة وردة زوجته. ملاحظتى الوحيدة على بليغ طغيان شخصيته على معظم المطربين لدرجة شعرت بأن ألحانه تشبه «اليونيفورم» تختلف الوجوده والزى واحد. لذا قررت إيقاف التعامل مع بليغ حمدى لفترة وعودت للعمل مع بليغ بعد فترة سنوات من الانقطاع، وكنت أبين له وجهه نظرى مثلا حذف مقطع، وكان متفهما جدا لهذا نجحنا مجددا». 

ولأن الكاتب حجاج لم يكن هدفه السرد إنما تقصى الأحداث ذكر راية فيما قالته فايزة عن بليغ حمدى: « أنها روت فى كلامها السابق كل الحقيقة إلا قليلًا! ربما حدث ذلك سهوا وليس عمدا منها. واستنادا إلى شواهد عن أن بداية انطلاق بليغ من محطة فايزة أحمد رغم سابق عمله مع فايدة كامل، لكن توهجه الفنى مع عملاقى الفن عبدالحليم وأم كلثوم. وكلاهما فى أحيان كثيرة يشترطان التغرغ التام لهما. ولهذا ابتعد بليغ عن فايزة أحمد وليس السبب فى انفصالهما أن الحانه صارت متشابهة كما ذكرت، وبين وردة وفايزة كان صراع ومن الطبيعى انحياز بليغ لزوجته.

الموجى.. وفايزة

أما محمد الموجى الذى توقف عن التلحين لتلميذته فايزة شعر بجحود منها بسبب تعاونها مع آخرين وابتعدت عنه 17 عاما، حكت فايزة مادار بينها وبين الموجى: «اتصلت به وقلت له اعملًى شغلى فأجاب: أنا مرتبط لمدة 3 شهور. بالطبع صدمنى من ردوده الجافة واحترمت رغبته فهو أساتذى وأنا تلميذته. بينما بليغ حمدى بعد سنوات غياب وكلمته اختزل العتاب والكلام ورحب وقدمنا غنوة «حبيبى يامتغرب» كلمات عبدالرحيم منصور. ونجاح الأغنية فتحت شهية بليغ مجددا خصوصا أنه منذ رحيل عبدالحليم انقطع عمله مع أصوات الكبار. توهمت أن الموجى سيضع فى حساباته أننى أصبحت فايزة أحمد كروان الشرق وليست مطربة مبتدئة مفروض عليها أن تتذلل فى طلبها. وفرق كبير بين طبيعة بليغ والموجى. الموجى رغم أنه مليان موسيقى لكن إنتاجه (بالقطارة) فاقد الحماسة وبهذا يكون إنسانا ظالما لفنه». 

أما محمد عبدالوهاب فشهرته إنه لايمنح فنه إلا لمن يستحق ويؤمن بنجاحهم وذاقت فايزة المرً من عبدالوهاب فى خطواتها الأولى ثم أعطاها ثلاث (ست الحبايب- بريئة – بصراحة) لكن بعد تحققها وشهرتها بـ«كروان الشرق».

 

اللقاء الأول

بحسب تفسير الكاتب حجاج أن بدون سابق انذار وفى عز توهجها الفنى ابتعد عنها الثلاثى بليغ والموجى ومحمد عبدالوهاب فى توقيت واحد، ربما شعرت بوجود مؤامرة ضدها وكانت تنوى العودة إلى سوريا إلا أن جاءها الانقاذ. فمن خلال سهرة بمنزل فريد الأطرش حضرها الممثل الشاب محمد سلطان. ويحكى سلطان القصة: «بدايتى كانت من التمثيل، وصديقى فريد الأطرش بفيلم»من غير معياد» عزمنى على حفلة عنده وفى الحفلة تعرفت بفايزة أحمد وقبل مغادرتها أعطيتنى رقم تلفونها ولم أتصل ولم أحتفظ برقمها. وبعد عام حدث لقاء آخر أعطتنى رقم التليفون مجددًا. وأيضا هذه المرة كنت أنوى عدم الاتصال بها، والمرة الثالثة بعد شهور اتصلت بيا المطربة السورية «رويدا عدنان» طلبت منى الحضور لمنزلها بالقاهرة سالتنى عن فايزة قولت: «بأحب أغانيتها وكإنسانة معرفهاش كويس وشكلها مش حلو. طلبت من فايزة أنها تسمع ألحانى وذهبت إلى منزلها وجدت قلبى بدا يمسة سهم الإعجاب». 

ويكمل سلطان: «عطتنى كلمات أغنية وطنية (هاتوا الفل مع الياسمين) وكانت هذه أول أحلامى تتحقق وهى العمل مع مطربة بقيمة فايزة أحمد. واخبرت فايزة الشاعر محمد حمزة أننى سوف ألحنها ووافق. وساعدتنى ليتم اعتمادى بالإذاعة، وبعد اشادة رئيس الإذاعة بموهبتى، رفض أن اتعاون مع فايزة فهى قيمة كبيرة وأنا ملحن مبتدء، وبعد شد وجذب بيننا لحنت غنوة (هاتوا الفل مع الياسمين)». 

تزوجها قبل أن يحبها

أنطلق سلطان بالتلحين وثبت اقدامه ثم منحته فايزة كلمات «أؤمر ياقمر» للشاعر محمد حمزة، ويليها أغنية (اعتراف) وبعدها توطدت علاقتهما. ويرى الكاتب حجاج أن فايزة كان هدفها أن تعلن الحب على قلب سلطان بكلمات صريحة بل ظل سلطان صامتا ساكتا. وكشف حجاج عن الإشاعة التى جعلتهما يتزوجا، فى مطلع الستينيات كتب الصحفى اللبنانى محمد بديع سرابية على صفحات جريدة «الموعد»: «علاقة حب بين فايزة أحمد والملحن الوسيم الشاب محمد سلطان». 

وبسبب هذا العنوان انزعجت فايزة وبكت وذهبت لسلطان وقالت له: أنا سمعتى بقت فى الأرض وأنا أهم حاجة عندى اسمى وفنى وأنت ما بتخافش عليًا». مع تكرار بكاءها عرض سلطان عليها الزواج، ردت فايزة: إزى تتجوزنى وأنت ما بتحبنيش! أجابها: بحبك.. ولسه هاحبك!. وذهبا معا إلى الشهر العقارى لأنها غير مصرية وتزوجا.

 وعن زواجه يقول: «حقًا لم أكن أحبها، ولم أكن أنوى الزواج منها مطلقًا، فعلاقتنا كانت علاقة عمل وصداقة، وطمأنتها أننى فعلا لسة ما بحبكيش حب غرامى لكن أنا معجب بأخلاقك وتدينك ومبسوط إنك إنسانة تعرفى ربنا». 

وبعد الزواج كان سلطان شغوفا باكتشافها كإنسانة ومعرفة مفاتيح شخصيتها ذكر أنها إنسانة متدنية لا تملك ماضى تخجل منه، أمراة جادت العطاء بسخاء وتنفق المال والعواطف بدون حساب، وتفرح بنجاح زملائها وراضية بعطاء الله وهذه صفات نبيلة ونادرة. وأشار سلطان إلى أن كلامى عنها ليس من باب أنها كانت زوجتى ومازالت حبيبتى لكن الذين اقتربوا منها لمسوا منها كل الطباع التى تميزها اما على المستوى الفنى فمن قبلى حصروها بالأغنية العاطفية، ونجحت فى تغير جلدها الفنى إلى غناء القصائد والاغانى الشعبية والوطنية. 

طلاق مفاجئ

بعد زواج استمر 17 عاما تم الطلاق وحين سأله الكاتب حجاج عن سبب الطلاق أجاب بدموعه ومع تكرار السؤال عدة مرات تحدث سلطان: لم أكن أبدا السبب فى كل ما جرى حدث بينا خلافات عادية حول بعض الأمور اليومية. ونشب اختلاف فى الرأى وضباب فى العلاقة حجبت الرؤية بيننا تماما حتى وصلنا لمرحلة الطلاق حاولت استيعاب غضبها وإرضاءها إلا أنها كانت مصممة على الانفصال وبشدة. محمد عبدالوهاب قالى: طلقها طالما هيا عايزة تتطلق! ونفذت الطلاق وجاءت تعاتبنى لماذا طلقتها، وبعد فترة عدنا تتحدث كأصدقاء». 

عودة ورحيل

 يكمل سلطان: «طلبت منى مرافقتها للسفر إلى أمريكا لأنها مرضية واشتد عليها المرض. واعادتها إلى عصمتى من أجل عشرة العمر وأولادى. وحاولت تعوضنى عن أيام فراقها وفترة انفصالنا رغم ما فيها من أوجاع فأيامها فى الحياة معدودة بفعل انتشار المرض الخبيث فى جسدها وبمستشفى المعادى واللحظات الأخير غنت «أيوه تعبنى هواك» ورحلت 21 سبتمبر 1983، ماتت بين أحضانى مثلما تمنت. وفهمت لماذا كانت تبكى حين كانت تسمع نفسها وهى تغنى «بكره تعرف ياحبيبى».

ايقنت أنه لم يحبنى أحد فى حياتى مثلما عشقتنى فايزة، وأكبر دليل حين رغبت الإنجاب منى رغم نصائح الأطباء لم يخذلها الله واكرمنا بتوأم (طارق وعمرو). وكنت مواظب على زيارة قبرها يوميا والآن لم أعد قادرا فلم أنقطع بالدعاء لها».

 وبعد انتهاء حجاج من حواره أوصى سلطان أن يكون اسم الكتاب «فايزة وسلطان» من أجل أن تبقى أسماؤهم معا.