الأحد 5 ديسمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
احمد باشا

وسام الاحترام

بيج رامى بطل من فولاذ

 هو مثل جبل الأوليمب فى ضخامته وتكويناته الصخرية شديدة الوعورة.. يقف شامخًا كعمالقة اليونان فى تناسق لكتل العضلات يسر الناظرين، أطلق العنان لأحلامه بعد أن استمد قوته من أمواج البحر التى لا تنتهى، فاكتسب الإرادة والعزيمة وأدرك أن الأحلام لن تتحول إلى واقع دون إرادة قوية تسحق أمامها كل العقبات، وأن هناك ضريبة يدفعها كل سائر على درب النجاح.



■ ■

قلوب الملايين هتفت له: «عاش يا وحش»، فقد تحول إلى حديث الصباح والمساء فى الشارع الرياضى العالمى، بعد تتويجه بلقب بطولة «مستر أوليمبيا» للعام الثانى على التوالى كأول عربى وإفريقى يحقق هذا الإنجاز، فهو من انطبقت عليه مقولة أسطورة الملاكمة محمد على كلاى «الأبطال لا يُصنعون فى صالات التدريب، الأبطال يُصنعون من أشياء عميقة فى داخلهم»، هو ممدوح السبيعى ذلك الشاب المصرى المحب لوطنه الذى لم يكن يملك سوى بعض الإمكانيات البسيطة وطموح  كبير فى أن يصنع لنفسه بصمة فى تاريخ هذه اللعبة، فكتب اسمه بحروف من ذهب فى سجلات الأبطال. 

■ ■

على شواطئ بحيرة البرلس كان الطفل ممدوح يحمل هموم الحياة وأثقال الدنيا وأملاً فى غد قادم، فقد خرج من بيت ينتظر ما يقدمه له البحر من خير مثل باقى أهالى قرية السباعية، فالشبه كبير بين مهنة الصيد ولعبة كمال الأجسام، فلا نجاح فى الاثنتين سوى بالصبر، وكعادة كل أطفال المناطق الساحلية فى محافظة كفر الشيخ أن يعملوا فى البحر مثل آبائهم، عمل ممدوح السبيعى، لكن القدر أعلن أنه لن يستمر فى هذا الطريق بعد أن بدأ يصاب بدوار البحر، فاتجه إلى تجارة الأسماك، لكنه لم يكن يعلم أن العيش قرب البحر يساعد على تعزيز ممارسة الأنشطة البدنية لمن يقيمون فى الشواطئ مقارنة بغيرهم ممن يعيشون داخل المدن، فندهته نداهة الرياضة.

■ ■

 أحفاد الفراعنة لا يعرفون المستحيل كأجدادهم يعلمون العالم الكفاح والصبر والمثابرة، وهكذا هو «بيج رامى» ابن الـ37 عاما الذى ذهب لإحدى الصالات الرياضية ببلطيم ليقوى عضلاته، لكن المدرب وجده مشروع بطل فى كمال الأجسام فعرض عليه تغيير لعبته من كرة القدم إلى كمال الأجسام، وبالفعل استجاب.

■ ■

 حب الرياضة جعل الشاب رامى يواصل التدريب مع الدراسة حتى تخرج فى معهد الخدمة الاجتماعية، وحصل على العديد من البطولات على مستوى الجمهورية.

وجاءت نقطة التحول التى غيرت مجرى حياته رغم ما كان بها من آلام وصعوبات، فكأى شاب بمقتبل العمر يسعى لبناء مستقبله سافر ممدوح للكويت بعقد عمل أحضره له شقيقه الأكبر، ولكن الرياضة لم تفارقه رغم عمله لحوالى 18 ساعة يوميا، ولعبت الصدفة دورا فى اكتشاف موهبته عندما أبدى صاحب صالة الجيم التى كان يتدرب بها فى الكويت، إعجابه بجسده وإتقانه التدريبات، وعرض عليه وقتها تسجيله للمشاركة فى بطولات كمال الأجسام، وتدريبه حتى يصل الفورمة المطلوبة لبطل كمال الأجسام. 

■ ■

كان «بيج رامى» على موعد مع البطولة عام 2012 عندما أحرز لقب الكأس الذهبية بالكويت، ومنذ ذلك التاريخ لم تتوقف الانتصارات، ففى 2013 توج ببطولة نيويورك للمحترفين وهو نفس العام الذى بدأ فيه مشاركاته الرسمية بـ«مستر أوليمبيا» تلك البطولة العريقة التى انطلقت عام 1965 وتنظم بالولايات المتحدة الأمريكية سنويا، وأحرز المركز الثامن، وفى 2014 احتل المركز السابع بتلك البطولة، وفى نفس العام توج بلقب بطولة نيويورك للمحترفين.

■ ■

 وتوهج الحلم عام 2015 حينما أحرز كأول لاعب مصرى وعربى لقب بطولة «أرنولد كلاسيك» الشهيرة التى استضافتها البرازيل والتى حضرها الممثل الأمريكى الشهير أرنولد شوارزنجر.

رامى واصل التدريب ليل نهار واستعد بكل قوة لمستر أوليمبيا 2020،ولكن قبيل البطولة بشهرين أصيب بفيروس كورونا، وكاد حلمه يضيع، لكن اللجنة المنظمة حرصت على دعوته للمشاركة، فكان الإنجاز وتوج باللقب للمرة الأولى متفوقا على الأمريكيين فيل هيث بطل البطولة لسبع مرات وبراندون كيرى.

■ ■

لم يلتفت البطل المصرى لمناوشات منافسيه فى البطولة  وقال: «جئت هنا كى أهزم نفسى»، وقد كان، وأوفى البطل بوعده وأحرز اللقب للعام الثانى على التوالى فى إنجاز كبير وكأنه يسطر تاريخًا جديدًا للعبة حيث أصبح أول مصرى وعربى وإفريقى يتوج باللقب مرتين متتاليتين.

«ممدوح السبيعى وجه رسالة لكل شاب يحمل بداخله حلمًا، قائلا: «بدأت حياتى بـ50 دولارًا فى الشهر، قابلتنى عقبات كثيرة أوقفتنى عن حلمى قليلا لكن لم أستسلم، تحملت وأكملت طريقى وها أنا الآن واقف أمامكم حاملًا الفخر لبلدى بمستر أوليمبيا».. لأجل هذا والكثير وجدناه عن جدارة يستحق وسام الاحترام.