الأحد 5 ديسمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
احمد باشا

فى معرض الفنان حمدى عبد الله بمركز الجزيرة

عذوبة السرد ورقة الوصف فى الحكى الشعبى

يظل الواقع اليومى المعاش هو محور الارتكاز الذى يدور حوله الماضى والمستقبل عبر تحولات حسية  وتجليات روحية، بما يضمن ديمومة الحياة وحراكها المستمر.وقد يكون هذا منهلاً لاستلهامات كثير من المبدعين فى إطار مشاريعهم الممتدة.



 ويعد الفنان الكبير د. حمدى عبد الله أحد أهم هؤلاء عبر تاريخه الإبداعى الطويل منذ تخرجه في كلية التربية الفنية بالقاهرة عام 1969م وحتى معرضه الحالى « متواليات قدرية « المفتتح مؤخراً فى مركز الجزيرة للفنون بالزمالك الذى يديره بكفاءة الفنان أمير الليثى، حيث اعتمد عبد الله فى رسوماته تقنياً على مهاراته فى فن الرسم بالقلم الحبر على الورق والأسطح الخشبية المجهزة، عبر ليونة الخط ونغماته التى اقترب بها من سمت الألحان البصرية، حيث تمايز حجوم الكتل وأوضاعها فى التكوين، علاوة على إجادته لتداخلات عناصر الصورة المزدحمة دون الإخلال بالاتزان البصرى، ارتكاناً إلى قدرة لافتة فى الأداء الخطى الانسيابى الناعم الذى يعتمد فيه على قوة وانضباط جهازه العصبى، حتى إن خطوطه تخلو من أى اهتزاز على جسمها نفسه، أى أن اللمسة الأولى عند حمدى عبد الله هى حجر أساس الصورة.

 وربما كان هذا الانسجام البنائى هو مادفع الفنان لمغامرة الإلقاء بالشكل الخطى الغليظ الأسود بين ثنايا التكوينات بجرأة نابعة من سهولة الأداء الذى ترجمه فى تلك الأشكال الثعبانية التى يخترق بها نسيج المشهد فى صحبة عينى المتلقى داخل كل أركان المشهد.. وبالضرورة هنا تبرز ملكات عبد الله فى صناعة تراكيب بيولوجية متنوعة من أجساد البشر والثعابين ورؤوس الطيور والحشرات، من خلال تباديل وتوافيق مقترنة بحرية لافتة فى إعادة ترتيب الزمن وإخراجه من سياق الترتيب الفيزيقى المتواتر، بما يكشف عن المتواليات القدرية المنسوجة بشغف من الفنان نحو تجاوز التتابع الزمنى المألوف.. وهنا تتجلى سوريالية حمدى الخاصة التى يميل فيها إلى الحكى الشعبى المبنى على عذوبة السرد ورقة الوصف، وهو مايبدو فى ازدحام التكوينات ونظاميتها فى آن واحد، تأثراً ببيئة المولد والمنشأ فى حى بولاق القاهرى ذى السمات الشعبية.. وربما أدى هذا إلى تعاظم قدرات حمدى عبد الله على إحداث التكاثر الشكلى للكائنات على مسطح الرسم وكأنه أحياناً ما يعلن النفير متمثلاً فى أسراب الطيور وشبكات الثعابين وسرايا الثعالب، ورغم هذا لاتجد الوضع الحركى لأى عنصر مشابه للآخر، فى ملكة بارزة يتحكم من خلالها فى إيقاعات المشهد.. وقد يكرر الفنان الطائر منفرداً فى عمل واحد أو عدة أعمال متجاورة بأوضاع مختلفة، وعلى جانب مغاير يدعم فكرة التوالد والتكاثر نرى حمدى عبد الله يؤسس بناءه أحياناً على فكرة العلاقة بين البويضة والحيوان المنوى، تجسيداً لحالة الإخصاب والميلاد المتجددة لديه داخل زمن خاص يتحكم فيه بكل حرية حتى يخلق فى كل لوحة لقطة زمنية متفردة، بما يحقق فكرة المتواليات القدرية التى تلح على مشاعره وعقله.. ومن هذا المنطلق ربما تبرز فكرة الإنبات داخل الصورة عبر تلك الشعيرات المتناثرة على أجساد بعض المخلوقات، علاوة على وجودها منفردة عبر تكوينات ثعبانية متشابكة فى تعاشقات متماسكة الأجزاء ومتينة البناء، وفى كل الحالات نجد حمدى يجيد استحضار الدراما البصرية والروحية من خلال نظرات عيون الكائنات المتمايزة بين الهدوء والغضب.. بين الوداعة والشراسة.. بين الحلم والثورة، فى تناغم وجدانى وروحى خارج حدود الزمن المحسوس.. وفى هذا الإطار نجده يزاوج فى مواضع كثيرة بين العضوى اللين والهندسى الصارم، ما يؤدى إلى حالة من الثراء البصرى تستدرج عينى المتلقى إلى التجوال بسهولة بين الوحدات البنائية للصورة.. والمدهش هنا أن غزل المشهد عند عبد الله يأتى من عدة زوايا منظورية مختلفة تبدأ من بعض أركان الصورة الأربعة وحتى ثنايا التكوين، قبل معاودة الخروج ثانية فى الاتجاه المعاكس، حتى يصل الفنان فى العمل إلى حالة حركية دوامية مستمرة يلعب الفراغ فيها بالضرورة دوراً كبيراً فى فتح أخاديد لحركة عينى المتلقى، إضافة لدورانه الروحى طوال الوقت فى زمن لامعلوم يؤدى لديناميكية سرمدية عبر عناصر تتسم بالنبض الحياتى الخالد داخل متواليات قدرية على ألحان بصرية.

ورغم كل هذا الزخم المزيج بين المرئى واللامرئى، إلا أن حمدى عبد الله يميل دائماً إلى المسطحات الصغيرة التى لايتعدى مقاسها أحياناً 30سم، وهو ما يرسّخ لقدراته فى فن الرسم ووعيه البارز بالصلة بين الكتلتين الشفافة والمعتمة من ناحية والفراغ الأبيض من ناحية أخرى.. وانطلاقاً من هذه المرونة نجد حمدى يشيد مشهده البصرى على توافقات متغيرة بين عدة أعمال على حائط واحد، حيث تقبل التبديل الدائم فى توليفتها، بما يستدرج المشاهد لمحاولات إعادة الصياغة البصرية فى التركيبة العامة وداخل كل عمل على حدة.