الأحد 16 يناير 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
احمد باشا

واحة الإبداع

أيـــن كــنـــتَ كل هذا الـوقـت؟ 

الأعمال للفنان: إيغور سامسونوف



يسيل بجوار النيل فى بر مصر نهر آخر من الإبداع.. يشق مجراه بالكلمات عبر السنين.. تنتقل فنونه عبر الأجيال والأنجال.. فى سلسلة لم تنقطع.. وكأن كل جيل يودع سره فى الآخر.. ناشرا السحر الحلال.. والحكمة فى أجمل أثوابها.. فى هذه الصفحة نجمع شذرات  من هذا السحر.. من الشعر.. سيد فنون القول.. ومن القصص القصيرة.. بعوالمها وطلاسمها.. تجرى الكلمات على ألسنة شابة موهوبة.. تتلمس طريقها بين الحارات والأزقة.. تطرق أبواب العشاق والمريدين.  إن كنت تمتلك موهبة الكتابة والإبداع.. شارك مع فريق  «روزاليوسف» فى تحرير هذه الصفحة  بإرسال  مشاركتك  من قصائد أو قصص قصيرة أو خواطر «على ألا تتعدى 550 كلمة» مرفقا بها صورة شخصية على الإيميل التالى:

[email protected]

 

أيـــن كــنـــتَ كل هذا الـوقـت؟ 

 

قصة قصيرة

 

كتبها - أحمد الخميسى

 

 تقدمتُ نحوكَ هذا الصباح وصافحتك. وذكرتكِ بنفسى مرة أخرى. مليتُ عينى منك فى صمت بأمل أن تتذكريني، لكنك رميتنى بنظرة ما بين الاستنكار والاستفهام والتعجب، كأنما أذكرك بشخص كنت تعرفينه ونسيته أو أنى ذكرتك بحدث طوت سيرته السنون من زمن بعيد. لبثت واقفا أعرض وجهى عليك ثابت الملامح، أنتظر. واصلتِ التطلع إلي، وفجأة رقتْ عيناك بدهشة خفيفة كأنك تقولين: «ياه.. أهو أنت؟». لكن الدهشة الرقيقة سرعان ما ذابت فى حيرة أشبه بالاعتذار والتأسف. لم تتذكريني، مع أنى لم أحرك عضلة فى وجهى ولم أرمش بعينى وأنا أعرض وجهى أمامك. فى المساء لبثتُ واقفا قرب بيتك نحو ساعتين، إلى أن رأيتك تخرجين بمفردك، سرت خلفك أتبعك من على مسافة قصيرة، أنصت إلى وقع قدميك على الإسفلت وأنت تسيرين على مهل، تمشين شاردة كأن وجودك صدى صوت لا تذكرين متى أو أين سمعته. تقطعين الشارع إلى الناحية الأخرى، تتوقفين أمام واجهات المحلات، تضغطين بقبضة يدك على حقيبتك. هل أنت مستوحشة وغريبة ومنهكة إلى حد البكاء؟ أم أننى أتخيل هذا؟. تواصلين السير، تتمهلين عند كشك الزهور القائم فى الميدان. تتفحصين أصص الورد وما يطل منها، وأنا أراقبك من الرصيف المقابل.

أراك ترفعين واحدا لأعلى، تشمين أعواد الورد. تفتحين الحقيبة، تدسين فيها يدك وتخرجيها، تنقدين البائع ثمن الورد.

تستديرين وتستأنفين السير فى الشارع الذى تحفه أشجارالبانسيانا الطويلة. تقدمتُ إليك. ذكرتكِ بنفسى مرة أخرى. تُاهتِ نظرتك فى وجهى لكنك هتفتِ: «آه.. بالطبع. بالطبع». لبثت واقفا أعرض وجهى عليك ثابت الملامح، أنتظر. لكنك صوتك سرعان ما ذاب فى النظرة الحائرة. سرت بجوارك، كتفى تكاد أن تلامس كتفك، تكاد أنفاسى أن تتلاشى فى أنفاسك، يكاد الماضى أن يصبح حاضرا. بلغنا البيت الذى تسكنين. توقفتِ، تناولت الورد من بين يدي، حدقت بى بنظرة لامعة كأن كل ما جرى ويجرى أمرا مفهوما، وبنفس النظرة شددت على يدى تودعيننى بحرارة، لكنك لم تتذكرى ما مر بروحى ولا بروحك، لم تتذكرى شعورا كان أرق من المطر فى الليل. الآن، وأنت وحدك فى حجرتك، تخلعين قرطك من أذنيك، لا تريننى حتى وأنا جالس صامتًا على مقعد فى مواجهتك، جالس أهمس باسمي، أهمس باسمك، وأتشبث بحافة ما كان من قبلات وعناق وأنفاس حارة. يكفى كل هذا النسيان لكى تتذكرينى ولو مرة، ولو لحظة، ولكى تنظرى فى عينى وتهتفين كمن ضاع ثم وجد نفسه فجأة: «أين أنت؟ أين كنتَ طوال كل هذا الوقت؟َ».