الأحد 16 يناير 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
احمد باشا

عودة الروح لقصر محمد على باشا

مرمّمو الآثار يكتبون التاريخ فى شبرا الخيمة

منذ بدء التاريخ وقد كان قدر مصر أن تكون صانعة التاريخ، حيث أفرزت مختلف العصور التى مرت عليها كنوزًا أثرية وتاريخية لا تقدر بثمن، لتصبح مصر صاحبة حضارة عظيمة، وهو ما وضعته القيادة السياسية فى حساباتها ضمن مخططاتها لتنمية مصر خاصة فى الخمس سنوات الأخيرة، حيث أعطى الرئيس عبدالفتاح السيسى توجيهات بإعادة المواقع الأثرية والتراثية المختلفة إلى رونقها الحضارى، وذلك كى يتنسى إعادة وضعها على قائمة المزارات السياحية والتاريخية فى أقرب وقت ممكن.       



ويعد قصر محمد على باشا فى شبرا الخيمة من هذه المواقع التى تحولت بفعل أبناء مصر من المرمّمين إلى مزار رائع ينتظر افتتاحه قريبًا بعد ما تم الانتهاء من ترميمه وتطويره فى مشروع عملت الدولة على إنجازه بكل الإمكانيات التى أعادت الروح والتاريخ له، وهو ما ظهر فى الزيارة التفقدية التى قام بها الدكتور مصطفى مدبولى رئيس الوزراء للقصر مؤخرًا، حيث تعرف على ما تم فيه من ترميم وتطوير،وقد أصبح جاهزًا للافتتاح فى أى وقت. وما رفع من قيمة ترميم القصر وإعادته لتاريخه، أنه قد تعرض لأضرار جسيمة عقب إهماله لسنوات طويلة، كذلك انفجار مبنى الأمن الوطنى بالقليوبية فى 2015 والقريب منه، على إثره تعرض القصر الذى يعد صورة مصغرة من القصور العثمانية على إثره لأضرار جسيمة.

وقبل أن نعرف كيف أعاد الترميم الروح للقصر، سنعود للوراء قليلًا عدة سنوات، لنعرف كيف كان شكل ووضع القصر، حيث كان صندوق التنمية الثقافية هو المسئول فى الترميم الأول ٢٠٠٥م، والترميم الثانى بدأ ٢٠١٧ كدراسة والتنفيذ الفعلى بدأ ٢٠١٨، بسبب وجود بعض الخلل فى المبنى عمومًا بقصر الجبلية، كما أن انفجار ٢٠١٥ لمبنى الأمن الوطنى أدى لوجود شروخ فاصلة به مما عجل بالترميم، حيث كان القصر قبل الانفجار فى حالة سيئة جدا وكانت جميع منشآته تحتاج لترميم شامل، خاصة أنه ظل مغلقًا منذ عام 2011 عقب ثورة 25 يناير مما أدى لتردى حالته خاصة معماريًا نتيجة سوء الترميم القديم.  

 أضرار... ومشاكل

تعرض القصر نتيجة الحادث الإرهابى فى 2015 لعدة أضرار، حيث تم كسر زجاج قصرى الفسقية والجبلاية وتلف بعض أبواب الحجرات وسقوط نجفة من النجف الحديث، كما تأثر قصر الجبلاية نسبيًا، حيث كانت حالته المعمارية سيئة وزادت سوءًا بعد الحادث، وحينها قامت كلية الهندسة بجامعة القاهرة بالتعاون مع قطاع المشروعات فى الآثار بعمل دراسة شاملة على المكان كله للبدء فى ترميمه، وأثناء عمل الدراسة اكتشفوا أن حالة قصر الجبلاية المعمارية خطيرة جدًا.

 وسوء حال القصر امتد لأغلب المبانى والملحقات، حيث كانت حالة قصر الفسقية سيئة جدًا هى الأخرى لكنها ليست بدرجة خطورة قصر الجبلاية، وكان قصر الفسقية بحاجة لترميم شامل وإصلاح الفسقية «النافورة» التى كانت تحتاج لصيانة شاملة، ومبنى الساقية حالته كانت تعتبر جيدة نسبيًا والأقل سوءا وهذا لم يحل دون حاجته للترميم فى بعض أجزائه، كما أن حديقة القصر كانت حالتها سيئة جدا وتحتاج للصيانة والتنظيف والتطوير،خاصة أن مساحاتها شاسعة.

رفع كفاءة 

كما تم ترميم الجمالون الخشبى، فضلا عن الترميم والتدعيم الإنشائى للقباب والحنايا والأروقة، وأعمال العزل، فيما تضمنت أعمال الترميم الدقيق الرفع الفوتوغرافى والمعمارى والمساحي، كما تمت أعمال التنظيف الميكانيكى والكيميائى لمشتملات القصر ودرء الخطورة والواجهات الخارجية، وترميم الأبواب والشبابيك ورخام الأرضيات والزخارف الجصية والأعمدة الرخامية والتماثيل الأثرية.

وأعمال رفع كفاءة الموقع العام بالقصر بدأت أكتوبر 2020، وتضمنت النافورات وأعمال الزراعات والمساحات الخضراء، وأعمال شبكات الرى والصرف والتغذية وأنظمة الحريق، والأسوار والبوابات، وتبليط الأرضيات، وإنشاء غرف للأمن، وإنشاء مبنى التفتيش الأثرى الجديد، واللوحات الإرشادية والمعلوماتية للمكونات الأثرية لقصر محمد على «كشك الجبلاية - قصر الفسقية- الجدار الأثرى».. كذلك أعمال الإضاءة والممشى السياحى المؤدى إلى القصر، والذى يتضمن تنفيذ أعمال إنشائية تضم بازارات، وغرف أمن وأمانات، والبرج المقابل لكوبرى المرسى النيلي، ومشايات، وبرجولات خشبية، وأعمال الزراعات، ودهان الأسوار الخارجية والتدبيش، كما تم البدء فى إنشاء هذا المرسى النيلى للمراكب على الكورنيش المقابل للقصر، وكوبرى مشاة لنقل السائحين من المرسى إلى القصر، حيث تم الانتهاء من جميع الأعمال.

ترميم... وتطوير

حجم الإنجاز الذى تم فى قصر محمد على بشبرا لم يكن غريبًا طالما أن الهيئة الهندسية للقوات المسلحة هى التى تقوم بالتنفيذ، خاصة أنه أحد مشروعات بروتوكول التعاون الموقع بين وزارة السياحة والآثار والهيئة الهندسية للقوات المسلحة منذ عام 2017، واستشارى المشروع هو مركز هندسة الآثار والبيئة بكلية الهندسة جامعة القاهرة، حيث تم الانتهاء بالكامل من ترميم مبنى كشك الجبلاية، كما تم الانتهاء من جميع أعمال ترميم مبنى قصر الفسقية، كما أن أعمال الإضاءة للقصر تم تصميمها بحرفية لتبرز جمال وأصالة الأثر، وقد تم بدء ترميم مبنى كشك الجبلاية أغسطس 2017، وتم بدء ترميم مبنى قصر الفسقية فبراير 2018، حيث تضمن ترميم البحيرة بفك الرخام القديم وترميمه وإعادة تركيبه للأرضيات والحوائط الرخامية، ورفع كفاءة الجزيرة الوسطى، وترميم العناصر الأثرية بالجزيرة الوسطى، وفك المجرى الرخامى وترميمه وإعادة تركيبه، وأعمال العزل لجميع العناصر الرخامية والأثرية والرخام، وأعمال تركيب شبكات الرى والصرف والتغذية والإلكتروميكانيك.

 200 سنة تاريخ

القصر يقع على مساحة 26 فدانًا،ويرجع تاريخه لأكثر من 200 عام وأشرف على إنشائه ذو الفقار كتخدا وتم بناؤه عام ١٨٠٨م، واستمرت عملية البناء حتى 1821، وهو مكون من مبنى كشك الجبلاية الذى يتخذ شكل المستطيل ويتكون من طابق واحد، ومبنى قصر الفسقية، والمفاجأة التاريخية أن هذا القصر الذى يعد تحفة معمارية شهد إدخال أول نظم الإضاءة الحديثة الذى عرفته إنجلترا سنة 1820.

ويشبه القصر فى طرازه المعمارى العمارة الإسلامية وتحديدًا بناء المساجد، حيث توجد به 4 مظلات تحيط بالفسقية الضخمة التى تبدو كأنها باحة مسجد، وقد حرص محمد على فى بناء القصر على استلهام نموذج القصور التركية التى تتميز بحديقة شاسعة يحيط بها سور ضخم ذو أبواب، وعلى مساحة هذه الحديقة تتوزع منشآت ومبانى القصر، وكان أول المنشآت سراى الإقامة وكان موضعها وسط طريق الكورنيش الحالى وكان ملحقًا بها عدة مبان خشبية لموظفى دواوين القصر والحراسة، إضافة إلى مرسى للمراكب على النيل.

وفى عام 1821 أضيفت إلى حديقة القصر سراى الفسقية التى ما زالت باقية حتى الآن، وتتكون السراى من مبنى مستطيل ‏حوالى 76‏ مترًا ونصف المتر فى ‏88‏ مترًا ونصف المتر‏)، والتصميم الداخلى للسراى فريد من نوعه‏ ويعتمد على كتلة محورية عبارة عن حوض ماء كبير.