الأحد 5 ديسمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
احمد باشا

الأديب صلاح عدس: استلهامى للتاريخ نوع من التمسك بالهوية الوطنية

الدكتور صلاح عدس أديب وناقد وكاتب مسرحى وشاعر من مواليد مدينة المنصورة عام 1943، يغوص فى قضايا الواقع العربى مستلهما أحداث التاريخ لكى يربط الماضى بالحاضر بالمستقبل، كما ترجم العديد من الأعمال الأدبية عن الانجليزية والفرنسية، وهو كاتب غزير الإنتاج حيث اصدر اكثر من خمسين كتابا.



هنا حوار معه:

¶ تكتب الشعر والنقد والمسرح وتمارس الترجمة... كيف توفق بين هذه الاهتمامات؟

- إنها جميعها اهتمام واحد يشكل منظومة واحدة حسب تعبير أحدث العلوم وهى السيبرنيةCybernetics الذى وضعه العالم الأمريكى نوربيرت فينر 1947 فى كتابه «الاوتوماتيكية» أى تطبيقات الكمبيوتر التى أحدثت ثورة فى الصناعة والفكر، وإن الشعر والنقد والمسرح عندى بينها توافق ووحدة فى الهدف بالطبيعة والحتمية لأنها تشكل كما قلنا منظومة اى مجموعة من العناصر التى تعمل معا لتحقيق هدف واحد.. والترجمة هى نوع من جمع البيانات والمعلومات عن الأدب والفلسفة فى الغرب لتغذية منظومة الابداع عندى كمدخلات لها، وكذلك عمدت إلى دراسة التراث العربى والإسلامى لجمع البيانات والمعلومات عنه كمدخلات أيضًا لإنتاجى الأدبى فى الشعر والنقد والمسرح كى تكون المخرجات عالية فى مستواها الثقافى ورائدة الآن فى مجال المسرح الشعرى، كما يقول عنها الدكتور عبدالعزيز شرف والدكتور صابر عبد الدايم والدكتور محمد الغرباوى…

¶ برأيك هذا التعدد هل فيه ثراء للكاتب أم تشظى للموهبة؟

- هذا التعدد هو من باب الاختلافات وليس من باب التناقضات تماما مثل جسم الإنسان به أجهزة مختلفة لكن ليس بينها تناقض وإنما هى تعمل جميعًا فى تناسق وهارمونية لتحقيق هدف واحد أى أن الجسم يشكل وحدة او منظومة واحدة.. وبذلك فليس فى تعدد إنتاجى تشظى للموهبة وإنما بينه وحدة فى الهدف وهو الدعوة للقيم الإنسانية: قيم الحق والعدل والخير والحرية والسلام.…

¶ أين تجد نفسك أكثر؟

- أجد نفسى فيها جميعا لأن الشعر والنقد والمسرح وما ترجمته من أعمال أدبية وفلسفية غربية وما أصدرته من ملخصات للتراث العربى والإسلامى كلها تشكل منظومة واحدة لا تناقض بينها.

¶ ما سر ولعك بالإسلاميات وهل العودة للتراث مهمة فى زمن العولمة؟

- إن ولعى بالإسلاميات وبالتاريخ الإسلامى ليس تشبثا بالماضى وإنما هو سباحة فيه ثم عودة لشاطئ الحاضر ناظرا للمستقبل.. وما كانت النهضة الأوروبية فى بدايتها الا استلهاما للماضى الإغريقى والرومانى فى لوحات «ميشيل انجلو ورافائيل وليوناردو دافنشى، وأدب الكلاسيكية، ولم يقل احد أن ذلك رجعية او ردة للماضى.. بل إن استلهامى للتاريخ الإسلامى فى مسرحياتى الشعرية هو تأصيل وتمسك بالهوية حتى لا تضيع فى زمن العولمة. 

¶ كتبت العديد من المسرحيات برأيك هل أزمة المسرح أزمة نصوص ام تمويل؟

- إن أزمة المسرح الان هى أزمة نصوص أكثر من كونها أزمة تمويل ولم يعد هناك «كتاب» مسرح جادين الان فى بلادنا لانخفاض المستوى الثقافى للكتاب وللجمهور.

¶ لماذا الاصرار على كتابة الشعر فى زمن الرواية؟

- لأن الرواية رغم أنها أكثر التصاقًا بالواقع أى ظاهر الاشياء فى الحياة والمجتمع إلا أن الشعر أكثر التصاقا بحقيقة الأشياء أى باطن الحياة والمجتمع، وهناك فرق بين الواقع وبين الحقيقة فالشعر حدس يكشف لنا الحقيقة بما فيه من صور شعرية وموسيقى ورموز وايحاءات لأننا ليس لدينا وقت كى نقف ونتأمل حقيقة الأشياء.

¶ ما مدى هيمنة اللغة الشعرية على النص المسرحى الذى تكتبه؟ هل هناك تداخل بين الجملة الشعرية والجملة الدرامية وكيف تحل هذا الاشكال؟

- إن النص المسرحى عندى له عدة مكونات هى التاريخ والواقع والشعر والدراما وأحاول تحقيق التوازن بين هذه العناصر التى تشكل منظومة واحدة، فلا استغرق فى الشعر على حساب الحركة الدرامية ولا اغرق فى الالفاظ والجمل والصور الشعرية لمجرد جمالها كما فعل شوقى فى مسرحية كليوباترا وكما فعل عبد الرحمن الشرقاوى فى مسرحية « الحسين ثائرًا» حيث كان كل منهما يطيل فى حوار الشخص الواحد عدة سطور، بل صفحات لأن الدراما الشعرية ليست حوارا بالقصائد الرنانة وانما يجب ان يكون الحوار فى جمل قصيرة مسددة مثل طلقات المسدس، كما أن وظيفة الصورة الشعرية فى القصيدة تختلف عنها فى المسرحية، فهى فى القصيدة وظيفتها جمالية فقط أما فى الدراما فهى تساهم فى تحريك الحدث وتنمية الصراع تماما مثل الاغنية فى الفيلم السينمائى ليست للتطريب وإنما تساهم فى الحدث الدرامى.

¶ أى المدارس الشعرية أقرب اليك ولماذا؟

- إن المدارس الشعرية نشأت اصلا فى أوروبا نتيجة لظروف اقتصادية واجتماعية لم تمر بها بلادنا، فالكلاسيكية نشأت فى القرن الثامن عشر مرتبطة بالملكية والكاثوليكية، وكلها تقليدية بينما نشأت الرومانسية فى القرن التاسع عشر مرتبطة بالطبقة الوسطى البورجوازية ودعوة الحرية فى الثورة الفرنسية عند نابليون فى بداية ظهوره ثم كانت الواقعية الاشتراكية مرتبطة بالثورة الشيوعية سنة 1917 والبلورتاريا «طبقة العمال» فى قصص «سيمينوف» وشعر ماياكوفسكى عن الخطة الخمسية والبلدوزورات ولكننى وضعت نظرية فى النقد الأدبى عربية طبقتها فى مسرحياتى وكتبى النقدية.

¶ أى نوع من الشعر أقرب إلى قلبك الوجدانى أم المسرحى أم الملحمى أم التعليمى؟

- الأقرب إلى قلبى وعقلى كمنظومة واحدة هو المسرح الشعرى الذى يعبر عن واقع العرب والمسلمين اى الوجدان الجماعى من خلال الإسقاط التاريخى وهو بطبيعته تعليمى لكنه ليس تقريريا مباشرا على طريقة «بريخت» فى مسرحه الملحمى.

¶ من أين يكتسب الشاعر شرعية النص وهل للأحداث المحيطة به وما يعانيه الشاعر دور كتابة نصوصه؟

- إن الشاعر فى كتابة نصوصه يعكس مجتمعه وواقعه أى يصور الوجدان الجماعى من خلال وجدانه الذاتى اى معاناته للمأساة العامة للعرب والمسلمين لا أن يكون مهموما بهمومه الشخصية مع حبيبته كما فعل الرومانسيون فى بلادنا فى وقت الاحتلال وكما فعل «عمر بن أبى ربيعة» مع نسوانه فى وقت كان يقتل فيه الحسين وأهل البيت.

¶ ما هى وظيفة المسرح وهل يحقق الكاتب مبتغاه من خلال انتاجه المسرحي؟

- يقول ارسطو فى كتابه «فن الشعر» بان وظيفة الدراما هى «التطهير» وهى وظيفة «سيكولوجية» ولكننى ارى أن وظيفة المسرح هى توعية الجمهور واعطاؤه الامل فى المستقبل والدعوة للقيم الانسانية العامة قيم الحق والعدل والخير والحرية والسلام.

¶ هل اطاحت الدراما بالمسرح والقته فى الظل؟

- قد يبدو ذلك ظاهريا بسبب ظهور أدوات تكنولوجية جديدة مثل التلفزيون وبسبب تدنى المستوى الثقافى للجمهور والامية ولكن هذه اعراض مرحلية وسيبقى للكتاب الورقى قيمته وسيعود للمسرح جمهوره يوما ما.

¶ هل تعتبر الشاعر المسرحى محللا نفسيا يخترق وجدان القارئ ويؤثر على مشاعره؟

- طبعا إن مخرجات منظومة الإبداع الأدبى فى الشعر والمسرح هى نتيجة لمدخلات قائمة فى البيئة والمجتمع يضعها على سرير الابداع ويحللها اجتماعيا وسيكولوجيا وهنا تظهر أهمية ثقافة الكاتب فى المضمون الذى يقدمه وفى الشكل المؤثر على وجدان القارئ ومشاعره.

¶ ما هو الجيل الذى تنتمى إليه ولمن كان له الفضل فى ظهور موهبتك؟

لست أنتمى لجيل معين فالآن ليس فى بلادنا ولا فى الغرب اتجاه واحد، ولم يعد هناك فلسفة فى أوروبا بعد عام 1945 أى بعد الوجودية فى فرنسا والوضعية المنطقية فى انجلترا والبراجماتية فى أمريكا، ولم يعد هناك فى النقد الأدبى فى أوروبا اتجاهات بعد البنيوية عند شتراوس وسوسير وبعد الحداثة وما بعد الحداثة post modernism والتفكيكية وغير ذلك، ثم هناك فى بلادنا العربية بعض الماركسيين وكذلك الاسلاميين ومنهم الادعياء ومنهم الذين تسببوا فى الحروب الأهلية ولم أكن يوما ما تابعًا لأى فصيل إسلامى ولا لأى حزب سياسى احتفاظا باستقلالى الفكرى..

أما من كان له الفضل فى ظهور موهبتى فهو العقاد والعلامة محمد إقبال فقد تتلمذت على ايديهما فى الاهتمام بالتراث والاهتمام بالأدب والفلسفة الغربية.