الأحد 16 يناير 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
احمد باشا
لغة الجينات 79

لغة الجينات 79

«الانتماء» أحيانًا يكون نعمة وأحيانًا يكون نقمة.. وهناك  فرق شاسع وكبير جدًا بين الانتماء والولاء.. فالانتماء لشىء أو كيان  لا يعنى ولاءك له... وولاء الشخص لشخص آخر أو كيان  لا يعنى انتماءه له.



فقط أصحاب الجينات الأصلية يتحد لديهم الولاء والانتماء.. فى الظاهر كما فى الباطن..  رابط ود وحب مزروع منذ الصغر فيهم.. لا يشترى أو يباع.

عند أصحاب الجينات الخبيثة الولاء له ثمن والانتماء له ثمن.. فالهدف الأسمى لديهم المنفعة الشخصية.. والولاء والانتماء مجرد ورقة ضغط للحصول على المزيد من المكاسب والمغانم... فى الظاهر ستجدهم أكثر المتشدقين بأهمية الولاء والانتماء وحب الخير والجمال.. رافعين راية المدافعين عن كل شىء وأى شىء.. مبرراتية من طراز فريد لكل مايقال وما يؤمرون به.. وفى الباطن يعملون على بث الكراهية والحقد والظلم والطبقية.. يتحولون من النقيض إلى النقيض فى لحظة.. الولاء والانتماء لديهم يتحول إلى سلاح لتدعيم القهر والعهر والاستبداد، والتشهير.. مساندة الدجالين وأصحاب الحظوة وفاسدى ومفسدى الذوق العام.. لايقدمون عملًا حقيقيًا ولا تطويرًا ولا مكاسب إلا لأنفسهم حتى لو كانت تلك المكاسب على حساب الناس والوطن نفسه.

أسوأ أنواع أصحاب الجينات الخبيثة من كان ولاءهم وانتماءهم لأنفسهم فقط.. يعلنون  عن أنفسهم بخالف تعرف.. يدافعون عن نشر القبح ويسعون إليه.. يرفضون  كل قيم الجمال والحق والخير والعدل... فى الظاهر يقدم نفسه على أنه مصلح اجتماعى.. ينشر الفن والثقافة ويدافع عنهم.. وفى الباطن يسعى لنشر المزيد من القبح والتشويه والتخريب للعقول وبث روح الإحباط ونشر ثقافة الدونية، والإيهام بأنه فوق الجميع ولن يطاله أحد... يفرض بنفوذه وأمواله نمطًا  طبقيًا قبيحًا وفجًا.

«صاحب الجينات الأصلية» حتى لو كان شخصًا واحدًا  فقط..  قادرًا على تغيير مجتمعه... الارتقاء بكل من حوله.. تقديم يد العون للجميع بلا قيد أو شرط أو انتظار المغانم والمكاسب... مهندس هندى اسمه «بنكر روى» قدم لنا مثالًا حيًا على قدرة شخص واحد على تغيير حياة الناس للأفضل.. فى الظاهر شاب وحيد لايملك إلا فكرة بسيطة.. وفى الباطن جيناته الأصلية تدفعه للإيمان بقدرات فقراء وكبار فى السن بقرية صغيرة بالهند اسمها «تيلونيا» فيصنع منهم ومعهم معجزة بكل المقاييس... يفتح لهم كلية اسمها «الحفاة» ويعلمهم فى 6 أشهر فقط التكنولوجيا الحديثة الخاصة بالطاقة المتجددة.

تجربة «كلية الحفاة» أثبتت  أن تعلم القراءة والكتابة يؤدى فى الظاهر  إلى التحرر... لكنه فى الباطن  يتساوى مع الاستبداد والاستغلال  لو حاول المتعلم  من أصحاب الجينات الخبيثة أن يقاوم التغيير، ولا يرحب بالابتكار ويقاتل حتى النهاية لبقاء الوضع الراهن... يقاتل لاستمرار مكاسبه هو فقط من خلال رفع راية الولاء والانتماء ظاهريًا.

«بنكر روى» فى الظاهر شاب ثرى من أسرة غنية يعيش حياة مترفة تعلم الهندسة فى أعرق الجامعات وبطل  الهند فى الإسكواش ثلاث سنوات... وفى الباطن يمتلك جينات محبة للناس والخير والعدل والحق.. يتطوع  لمعاونة الفقراء فى قرى الهند، ويعيش  معاناتهم، الأمر الذى غير مسار حياته تمامًا، ففى عام 1967 ، قرر أن يعيش كعامل يتعلم حفر الآبار ويعمل بها  لمدة خمس سنوات، ذاق خلالها مرارة الفقر وتعلم الحكمة والصبر.. ويقول  «روى» إن  تلك الفترة هى  تعليمه الحقيقى فى الحياة والتى غيرت كل مفاهيمه وجعلت حياته لها قيمة.

«روى» أنشأ كلية الحفاة فى القرية الفقيرة «تيلونيا» وبدأ يعلم المهمشين، والفقراء، التكنولوجيا المعقدة.. علمهم تحويل الطاقة الشمسية إلى كهرباء.. بدأ بتدريب 300 من الجدات العجائز.. علمهم أيضا  تسخين الماء، والطهى الشمسى، وتوصيل الماء العذب من خلال أجهزة تحلية المياه التى تعمل بالطاقة الشمسية... غير حياتهم للأبد بمجرد فكرة وإيمان راسخ بأن هذا دوره فى الحياة ولا بد أن يتقنه.. ينقل خبراته لأهله وناسه حتى لا يظلوا فقراء.. قرر ألا يتعالى عليهم ويتركهم فريسة لمجتمع متطور لايرحم.

«روى» الثرى المترف لم يكتف بقرية واحدة نشر فكرته فى كل قرى الهند الفقيرة .. وتبنى «تعليم كل الأطفال الفقراء من سن 6 أشهر إلى 14 عامًا أيا كانت طبقته ودينه وجنسه وحالته الاقتصادية واستبدل  فصول التعليم الرسمية ببرامج تدريب عملى، والتعلم من خلال الممارسة العملية لاكتساب المهارات...فى فترات مختلفة من النهار والليل، لإعطاء الأطفال فى الوقت نفسه فرصة مساعدة أهاليهم فى الحقول .

«بنكر روى» المهندس الهندى  ابن الأثرياء قرر يغير مجتمعه.. علم الناس  صناعة البطاريات الشمسية المستخدمة فى الإنارة وتحلية المياه وصيانتها.. حول الناس هناك لمجتمع حقيقى  يستخدم الطاقة الشمسية وحولهم من ظلام الجهل إلى نور المعرفة بإمكانيات معدومة تقريبًا.. حول فقيرات عجائز إلى متخصصات فى الطاقة المتجددة لينعم الناس بحياة آدمية محترمة تليق بهم.. كل ذلك فعله بإيمانه بالناس وأهميتهم.. وكان هذا الإيمان  هو الدافع للعمل والصبر.

تجربة «بنكر روى» المثيرة  نجحت وانتشرت فى قرى الهند وتخرجت آلاف السيدات  المتخصصات فى  الطاقة الشمسية وتم إضاءة منازل الملايين وإمدادهم بالمياه النقية.

 تجربة «كلية الحفاة»  ناجحة حتى الآن نجاحًا مبهرًا دون التشدق بالشعارات الزائفة ولا البحث عن المكاسب والمغانم ولا استخدام الثراء فى نشر القبح والفجاجة والتظاهر والتباهى... لذلك أعلم أنك إذا لم تستطع أن تكون بطلًا من أصحاب المواقف فادحة الثمن، فلا أقل من الامتناع عن الكذب والتدليس وادعاء الباطل برفع راية الولاء والانتماء.