الإثنين 23 مايو 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
احمد باشا
كل هذا الجمال السردى الفاتن

رواية كوتسيكا...

كل هذا الجمال السردى الفاتن

تمثل رواية كوتسيكا الصادرة عن دار المحروسة بالقاهرة 2021 للروائية المتميزة غادة العبسى نموذجًا سرديًا خاصًا ومهمًا وعلى قدر كبير من التميز الأدبى والثراء الجمالى والدلالى، ولها خصوصية كبيرة فى لغتها وعالمها وكثير من تفاصيلها وتشكيلها السردى الذى يتكون وفق استراتيجية سردية تعمل وكأنها منظومة من عدد من المعادلات الرياضية التى تخلق التكامل الفنى والجمالى وتنتج عددًا من الخطوط المتوازية أو المتوازنة كذلك أو العلامات والوحدات السردية التى تنطلق فى نوع من اللعب والتفاعل فيما بينها القائم على التبادل تارة أو الإزاحة والإلغاء تارة أخرى، فنكون أمام عمل سردى فى تصورنا أنه يستمد جمالياته من المجموعة الرياضية التى اكتشفها عالم الرياضيات لطفى زادة والمعروفة بالمجموعة الضبابية وهى التى رأى كثير من النقاد أنها هى المتحكمة فى خفاء فى العقل المنتج للنصوص الأدبية العظيمة سواء منها الشعرية أو السردية.



مثل هذه الروايات المتميزة أو التى تفردت بجماليات فارقة وقدرات متجاوزة تبدو دافعة إلى تحريك النقد نحو وجهات جديدة يسائل فيها نفسها ويبحث عن منافذ جديدة يعبر منها إلى المعادلات الجمالية لهذا السرد، ويدخل منها إلى إضاءة النص ومقاربته وفكّ ألغازه أو استكشاف قدراته وما وراءها، أو مقاربة القوانين الخفية التى تحكمت فى العقل المبدع المنتج لهذا السرد.

تقارب الرواية عالما خاصا هو عالم صناعة الخمور فى العصر الحديث فى مصر عبر عائلتين إحداهما يونانية والأخرى مصرية، الأولى تمثل الصناع المستثمرين، والثانية تمثل العاملين المباشرين فى المهنة، وهكذا فإن القوام الإنسانى للرواية يتشكل من سيمفونية طويلة من مقامين موسيقيين، أى أنها تبدو مثل مؤلف موسيقى أو لحن يتراكب فيه مقامان أو سيمفونية فيها نوعان من الحلقات، وتبنى على المزج التبادلى المتتابع فى الزمن بينهما، حلقة عربية مصرية والأخرى غربية يونانية، وفى تضافرهما تتجلى ذروة الاتصال والارتباط الحضارى بين الشرق والغرب أو بين مصر واليونان، والمدهش أن الخطاب الروائى قد صنع كذلك تزاوجًا أو اتصالًا بين الأساطير المصرية القديمة والأساطير اليونانية عكست هذه الحالة من الارتباط والتلاحم الذى انعكس فى مصنع كوتسيكا للخمور فى طرة. فظلال الأسطورة وحضورها فى الخطاب ذات طابع مدهش ويضيف بعدا جديدا من أبعاد الثراء فى الرواية لأنه دال على عمق الارتباط التاريخى بينهما، وعمق الاتصال الحضارى بين مصر وحضارة البحر المتوسط وجذور هذا التواصل الذى هو بالأساس اتصال إنسانى. والأكثر دهشة أن هذا المكون الأسطورى له دلالته الميتافيزيقية أو ارتباطه بعالم الآلهة والغيبيات وهو ما له علاقة كذلك بالخمر التى كان لها آلتها فى التراثين الفرعونى والإغريقى. على أن هذه الظلال الأسطورية لبداية الاتصال أو الارتباط للمستثمر اليونانى الذى يجد ذاته فى مصر إنما تكون قوتها فى البداية بما يوحى بأن مسيرته نحو مصر أو بدايته فيها كانت بدعم آلهة اليونان وكانت بدعم هذه الأساطير القديمة التى انعكست فى أسطورة جديدة هى أسطورة كوتسيكا. 

من مواطن التوفيق والجمال الكبير فى مفتتح هذا الخطاب الرواية ما عمد إليه الإرجاء أو الإخفاء عن طبيعة مهنة عبد العليم رب الأسرة المصرية التى هى مثلت مفتتح العزف السردى فى الفصل الأول، وبدأ السرد من مشهد ولادة الابنة الخامسة ست أبوها التى كانت تمثل خيبة وربطت بينها وبين موت الصبيان وما شكل لعنة لهذه الأسرة تبدو مهنة الأب هى السبب الغامض وراءها. فهنا حيلة فنية مهمة فى بداية الرواية تشكل لغزا يعمل على الاستحواذ على عقل المتلقى وسحبه تدريجيا إلى هذا العالم المترامى وإغراقه فيه. والحقيقة أن علامات التوفيق والبراعة كثيرة، ومنها كذلك هذه البداية التى تأسست على اللعنة وسلبية شخصية ست أبوها التى ترتبط بالأساطير وطقوس اللعنة والسحر أو كيفيات فكها، وتتشكل هذه الابنة الخامسة بصورة مأساوية لم يكن لها من سند غير أبيها، ثم تتحول تدريجيا لتكون هى الورقة الرابحة والدليل على نجاة هذه العائلة وصناعة التوازن فى حياتها فتكون هى مصدر أكبر الأفراح والنجاحات لديهم. وفى هذا التحول من قمة المأساوية إلى قمة النجاح ومن قلب القسوة والظلام إلى ذروة الفرح والتوهج والنور جماليات كثيرة لأنه يحتاج إلى تدرج طبيعى وتحولات كثيرة يصنعها الزمن أو يضطلع بها، وهو ما يجعل المتلقى مشدودًا إلى متابعة هذه التحولات والتأثر أو الانفعال بها ليرى فيها أثر الزمن وغرائبيته. فنكون أمام عالم روائى يتسم بالحيوية وصاخب بالتحولات وله طبيعة ديناميكية مستمرة أو مهيمنة عليه من البداية للنهاية، وهو ما يكون له أثر كبير فى التشويق لأنه لا توجد شخصية واحدة ثابتة على حالها أو تمضى فى مسار خطى رتيب أو تقليدى وفق ما رسمت به من البداية، والمهم أن هذه التحولات كلها منطقية وطبيعية وتأتى وفقا لظروف الشخصية، بل إن فى بدايات الشخصية مؤشرات كثيرة توحى بتحولاتها وتوحى بنهاياتها، مثلما نجد فى شخصية تيوخارى الذى يتحول من مقامر مغامر إلى شخصية ممتلئة بالخوف والتحفظ فى أغلب وقتها ونظام حياتها، بخلاف أخيه. 

الحقيقة أن عناصر هذا العالم تبدو محكومة فى جانب منها بفعل الإزاحة أو الحلول وشغل المساحات الفارغة، بما يشكل نسقًا مهمًا يحكم طبيعة الشخصيات والأحداث فى هذا العالم، فكأننا أمام نسق قدرى أو قانون غيبى يتحكم فى هذا العالم ويحدد حركته، فنجد مثلا أن تيوخارى الذى يتحول إلى محافظ بعيد عن المغامرة، وكأنه أخرج كل طاقة الاندفاع والشجاعة فى نفسه مرة واحدة حين قرر البقاء فى الإسكندرية وقت الفتنة بين المصريين والأجانب وقبيل الغزو الإنجليزى لمصر ووقته، فإن هذه المغامرة الغائبة والشجاعة التى لها جذورها عندهم فى العائلة يعوضها أخوه الذى ظل على وتيرته وطريقته فى المغامرة فى المال والحب، فى نوع من التكامل أو ملء الفراغ والمساحات، لتظل القيمة الإنسانية حاضرة أو بمساحتها نفسها، والأمر ذاته نجده مثلا فى علاقة شوقة بعائلة عبد العليم وصابرة وهذه الصداقة الاستثنائية التى تشكلت على نحو مدهش فى تفاصيلها وقدرتها على خلق نموذج خاص ولافت للانتباه، فنجد أن شوقة تجد عوضها أو بدائها النفسية فى أبناء عبدالعليم وبناته وهى التى حرمت من الولد وكأنها تعيش لعنة من نوع آخر هى الأخرى، فتكون علاقة شوقة هى علاقة اتفاق واختلاف فى الوقت نفسه، فهما فى حال من الحرمان، ولكنه من نوع مختلف، ولذا نجد أن أحدهما يجد عوضه فى حرمان الآخر، وشوقة المحرومة تماما من الولد تجد توازنها وعطاءها ورزقها فى ما قد يبدو حرمانا لصديقتها، فتتخذ من بنات صديقتها وأبنائها بديلا. فكأن أحد النوعين من الحرمان يجد كماله وتوازنه فى النوع الآخر، وبالنقص يتكامل النقص أو يتوازن وهو معنى إنسانى إن لم يستوعبه المتلقى بشكل كامل ويفهمه تماما فإنه يثير فيه حالا من الشجن ويستحوذ على وجدانه.

وتقريبا يستمر هذا النسق القدرى من الإزاحة والتعويض أو ملء الفراغ والمساحات بين فى تحكمه فى هذا العالم الروائى الثرى والممتد. ويبدو أن هذا العالم له قوانينه الأخرى الكثيرة التى حكمته وهى قوانين نابعة كلها من طبيعة الحياة ومما هو ملموس فى الخبرة الإنسانية، ويؤكد عمق هذه الخبرة ورهافتها لدى الكاتبة أو قدر إحساسها بها أو ما توافق لها من اقتناصها أو الحدس بها ولو بشكل لا واع وجعلها فاعلة فى نسج هذا العالم الروائى وتشكيله، فيكاد يكون هذا هو القانون من ملء الفراغات والحلول بالمساحات غير المأهولة فى نوع من الإزاحة هو مثلا المتحكم فى مصائر الأبناء جميعا فى العائلتين، كما نرى مثلا فى علاقة النجاح والفشل بين ست أبوها وأخيها طلعت وهذه الجدلية التى بدأت مع ولادة ست أبوها التى كانت معادلا للمرارة والفشل ويتحول أخوها بعد ذلك إلى حلاوة الانتصار والفوز وانعدال الحال وانصلاحه، فإذا بالأمور تنزاح عن هذا المسار وتتبادل المصائر وتنقلب بشكل مثير للشجن، لكن يبقى فى النهاية التوازن والامتزاج بين الفشل والنجاح قائما ومتوازنا وكأنه يأخذ بنسب معينة، والأمر ذاته فى زواج البنات ومصائرهن، وهو أمر يحتاج إلى بحث مستقل ليكشف عن القوانين الخفية والأنساق الفاعلة التى حكمت هذا العالم وصنعت ديناميكيته وشعريته وتقلباته. 

تقارب الرواية كذلك عالم الغناء وتربط بينه وبين الخمر، بل تصنع توازنا عبر الأسماء بين ست أبوها التى أراد عبدالعليم أن يعبر بها عن فعل مضاد لمنطق الأم والأسرة التى رفضت البنت فى بدايتها فى الحياة، فتكون هذه اللمحة أقرب لنبوءة لارتباط عبد العليم بالغناء وتحوله إلى أحد مجاذيب أم كلثوم التى تستقر فى وجدانه بالست وتتحول من الآنسة إلى الست وتترسخ مكانتها لديه فتكون متوازنة فى حضورها مع ابنته الخامسة ست أبوها، والمدهش كذلك أن يمثل عبدالعليم نقطة التقاء لجمال الخمر وجمال الغناء، والأكثر دهشة هو ما عمد إليه الخطاب الروائى فى الربط بينهما برباط صوفى أو روحانى شفيف لكنه جوهرى وعميق، فالخمر فيها تحليق واستعلاء على الواقع وآلامه والغناء كذلك، وهكذا تتضح نقطة من أهم نقاط القوة فى خطاب رواية كوتسيكا وهى المتمثلة فى الأبعاد الروحية والوجدانية وقدراتها على الغوص نحو معان عميقة وغير ظاهرة وامتلاكها القدرة على تجاوز الواقع أو الأبعاد الإدراكية المادية إلى نواح روحية وما ورائية وهذا ما أشرنا إلى كونه حاصلًا من البداية مع الأساطير ويمتد بهذا الربط بين الخمر والغناء فى لوحة من الجمال الإنسانى المتأسس على ما هو روحانى أو صوفى، والمدهش كذلك أن يكون ذلك مرتبطًا حتى بحال النضال الشعبى ضد الاحتلال البريطانى لمصر والأبعاد الوطنية سواء ما جاء فى الرواية عن بعض اللمحات التاريخية الخاصة بثورة 19 التى تحضر بشكل مغاير تمامًا فى هذه الرواية برغم كونها أقرب لمكون تاريخى راسخ وله حضور كبير فى الرواية المصرية، لكنها تبدو هنا مصبوغة بالجوانب الروحانية والظلال الجمالية والإنسانية التى شكلت هذه الرواية واستمدته من الحال الشعبية ومن الخمر والغناء وتوحدها كلها لتشكل عالما له أبعاده الروحية العميقة بجانب ما له من أبعاد مادية واقتصادية.

فى الرواية جانب مهم جدا قد يتوارى وراء أبعادها الإنسانية وهو المرتبط بجماليات المعرفى أو الطاقة البحثية الخاصة بمجال الخمر أو بالأحداث التاريخية سواء المرتبطة بمصر أو باليونان أو بآثار اليونانيين وحضورهم فى مصر وأنشطتهم، وكذلك بعض الجوانب المعرفية الخاصة بالاقتصاد أو أثر السياسة على الاقتصاد فى مصر والمنطقة والعالم وكيفية دمجها فى عالم الرواية أو جعل عالم الرواية جزءًا منها على نحو ما نجد مع أثر الحرب الأهلية فى أمريكا على زراعة القطن ثم الأثر السلبى بعد ذلك مع الحرب العالمية والتوجه إلى زراعة الحبوب بدلا من القطن بإرغام من الإنجليز، وغيرها الكثير من التداعيات الاقتصادية والسياسية التى تأتى كلها بشكل شفيف وبغير هيمنة على هذا العالم الروائى الذى يتجه نحو ما هو إنسانى وشعبى بدرجة أكبر.

فى الحقيقة أريد أن ألفت الانتباه إلى كون غادة العبسى لها منطقتها التى تتميز بها، فهى واحدة من أهم الأدباء المصريين قدرة على مقاربة النسوة المصريات بنات البلد فى الأحياء الشعبية القاهرية، وفى تقديرى الشخصى وفى حدود اطلاعى أنها تتميز فى هذه النقطة عن كثير من أدباء السرد فى مصر ربما بشكل تاريخي، وتبدو إضافة على عالمى نجيب محفوظ ويحيى حقى فى هذا الجانب دون مبالغة ذلك لأن لديها أنماطها الخاصة التى تقدمها بعمق شديد وبتفرد استثنائى، ويبدو هذا مع شخصيات صابرة التى هى فى الأوراق صبر الجميل وشخصية شوقة ووداد وغيرها من الشخصيات التى تتجلى بصورة حميمية ولافتة وقريبة من حيث أبعادها النفسية بما يشكل منها نماطا يفرض نفسه على ذاكرة المتلقى ويظل راسخا فيه، والجميل أنها تطوع لغتها فى الخطاب الروائى لتتناسب مع هذه المغايرات الاجتماعية العديدة، فنجد أن لغة الأحياء الشعبية فى مصر فى نهاية القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين حاضرة بنبضها وحيويتها وكثافتها وما وراءها من خبرة وثقافة دينية واجتماعية واقتصادية والمختزن فيها تراث أسطورى أو تراث الخرافة والسحر والخوف من المجهول والغيبيات. 

وفى مساحات مهمة وثرية من فضاء هذه الرواية تمارس غادة العبسى نوعا مدهشا وطريفا من المقاربة الجمالية للغناء ولأغنيات أم كلثوم وأثرها والتحامها بحياة هذه الشخصيات وذاك العالم الروائي، بل بما يشكل منها إطارا ثقافيا عاما يدل على العصر وعلى أبعاده الروحية والجمالية، فكأن الخطاب الروائى ليس فقط يدمج الأغنية فى عالم الرواية أو يعكس حضورها، بل يمارس شكلا من النقد والتعليق والتحليل وهو ما يشكل من الأغنية مرآة للناس ويجعل منها أحد تجليات التفسير والفهم لعالمهم وذوات هذه الرواية أو شخصياتها. وأسماء الشخصيات فيها تبدو مهمة ولها نسق حاكم ليس عشوائيا بل يبدو نابعا من ثقافة هذا العصر ويبدو أنها قد درست منطق الناس فى تسمياتهم وثقافتهم ومشاعرهم.