الإثنين 23 مايو 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
احمد باشا
خذوا الحكمة من أفواه المجانين

خذوا الحكمة من أفواه المجانين

مقولة نسمعها كثيرًا ولا نتوقف عند معناها أو أصلها الذى يرجع إلى قصة بها أب ثرى وعدد من الأبناء وفى إحدى سفريات هذا الأب وافته المنية وجاء الخبر إلى أبنائه فحزنوا حزنًا شديدًا ثم أراد الابن الأكبر أن يقيم سرادقًا للعزاء إلا إن إخوته اعترضوا على ذلك مطالبين بتوزيع الميراث أولًا. حزن الابن الأكبر حزنًا شديدًا خاصة عندما ذهب هؤلاء الأخوة إلى قاضى المدينة يشكون أخيهم الذى أرسل القاضى فى طلبه، لم يعرف الأخ الأكبر ماذا يفعل فذهب إلى أحد الحكماء طالبًا المشورة فما كان من هذا الحكيم إلا أن دله على رجل مجنون طالبًا منه أن يسأله عن حل لتلك المعضلة.



بعد أن سرد الابن الأكبر القصة على هذا الرجل المجنون الذى ما كان منه إلا أن نصحه بأن يذهب إلى القاضى ويواجه إخوته طالبًا أن يقوموا بإحضار شهود للتأكيد على وفاة الأب وهو أمر سيتسغرق شهورًا, الأمر الذى جعلهم يتراجعون عن الشكوى ويرضخون لرغبة أخيهم فى إقامة عزاء والدهم أولًا.

وبصفة عامة عندما أرى رجلا فاقدا للعقل يسير فى الطرقات يصرخ فى الناس فإننى أحاول أن استمع لما يقول وفى أحيان كثيرة أجده يقول كلاما معقولا ويلقى بالعديد من النصائح والحكم، بالطبع يظهر منها أحيانا السبب الذى أوصله إلى هذه الحالة.

وبعيدا عن تلك المقولة فإن الحكمة كانت فى الماضى يتم أخذها من مصاحبة العقلاء والحكماء أو من خلال القراءة للكتب والمطبوعات وهو أمر أصبح أكثر سهولة فى عصر المعلومات والذى أصبحت فيه مصادر المعرفة كثيرة ومتنوعة وأيضا متاحة للجميع بلا أى مقابل فى أغلب الأحوال. ولكن على الجانب الآخر أتت تلك الاتاحة بالكثير من الخرافات والمعلومات والأخبار الخاطئة أو المجتزئة اوالمغلوطة تماما.

أكثر ما يثير قلقى هو انتشار مجموعة كبيرة من الشباب صغار السن والذين يطلون على متابعيهم من خلال شبكات التواصل المختلفة ومنها تطبيقى الفيسبوك والتيك توك حيث يقومون بلعب دور الحكيم الناصح من خلال نشر عدد من الحكم والمقولات والنصائح والتى تفتقر نسبة كبيرة منها إلى الصحة أو لأى معنى من معانى الحكمة حيث يكون الغرض الأساسى من نشرها هو الحصول على نسب مشاهدات ومتابعات عالية لما لذلك من مردود مالى لصاحبها بغض النظر عن المحتوى المقدم.

والتفكير فى حلول لتلك الظاهرة الكارثية التى تؤسس لأجيال جديدة غاية فى السطحية وعدم الإدراك أو الفهم فإننى لا أجد أفضل من حكماء العصر وكل العصور السابقة أن يقوموا باقتحام تلك الشبكات بقوة ونشر الحكمة الحقيقية علها يوما ما تسود وتطرد هذا الغث الذى أصبح يطاردنا فى كل مكان.