الإثنين 23 مايو 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
احمد باشا

على المسرح القومى ومركز الإبداع الفنى

«بردة البوصيرى» و«نور الطريق».. مناجاة روحية فى المديح النبوى والعشق الإلهى

تتسابق عروض المسرح فى رمضان على تقديم أعمال تسمو بالروح فى أيامه الكريمة، ومع اقتراب انتهاء أيام الشهر الكريم قدم مركز الإبداع الفنى عرضه الأشهر «بردة البوصيرى» للدفعة الثالثة من أبناء المركز، وعلى خشبة المسرح القومى قدم العرض المسرحى «نور الطريق» تأليف عبد الرحيم كمال وإخراج محمد الخولى، حالة صوفية وروحانية عايشها الجمهور مع العرضين اللذين حملا مناجاة صوفية وابتهال للخالق الأول بمديح النبى صلى الله عليه وسلم والثانى فى مناجاة بين العبد وربه.



بردة البوصيرى

«بردة البوصيري» سبق وأن قدم هذا العرض على خشبة مسرح مركز الإبداع الفنى وحقق نجاحا كبيرا وهو يعتبر نتاج مادة الإلقاء التى يتدرب عليها طلبة ورشة مركز الإبداع على يد الدكتورة نجاة على وصنع الألحان المايسترو عماد الرشيدى حيث جمع العمل بين فن الإلقاء والغناء فى مدح الرسول، يبدو إلقاء البردة عسيرا لما تحمله كلماتها وابياتها الشعرية من معان صعبة فهى تحتوى على لغة عربية ثقيلة الألفاظ عميقة المعنى، لكن مع سلاسة الغناء والإلقاء بين أبطال العرض واستشعارهم لما يؤدونه من كلمات «بردة الإمام البوصيرى» يسهل على المستمعين بل ويستسيغون تلك المعانى والكلمات التى يستشعرون أغلبها بقلوبهم قبل تفسير معانيها بالعقول، ساعة من المتعة والسمو الروحانى عاشها الجمهور بحضور وزيرة الثقافة الدكتورة إيناس عبدالدايم وضعت الجميع فى حالة من الخشوع والذكر بدا فيها المخرج خالد جلال المايسترو وشباب العرض هم الآلات الموسيقية التى تعزف البردة وتلقيها بأصواتهم العذبة كما نظمت البردة فى نظم غير مخل نظمها وأداها مبدعو مركز الإبداع وكأنهم على قلب رجل واحد بدأوا جميعا فى إلقائها كالبنيان المرصوص، نظم الإمام البوصيرى هذه البردة بعد إصابته بمرض الشلل النصفى ليستشفع بها إلى الله أن يشفيه ويعيد إليه عافيته، ظل يدعو ويتوسل بها إلى الله حتى رأى الرسول صلى الله عليه وسلم يمسح على وجهه فاستيقظ من منامه متعافيا..جاء فى مطلعها.

«محمد سيد الكونين والثقلين.. والفريقين من عرب ومن عجم..نبينا الآمر الناهى فلا أحد أبر فى قول لا منه ولا نعم..هو الحبيب الذى ترجى شفاعته لكل هول من الأهوال مقتحم..دعا إلى الله فالمستمسكون به مستمسكون بحبل غير منفصم..فاق النبيون فى خلق وفى خلق..ولم يدانوه فى علم ولا كرم»

نور الطريق

فى نور الطريق الذى قدم خلال شهر رمضان على خشبة المسرح القومى يفتح الكاتب عبد الرحيم كمال الطريق لصناعة عمل صوفى متماسك البنية يحمل الكثير من الأبعاد الفلسفية والروحية لم يتوقف عند الصوفية على مجرد القاء ابيات شعرية أو بعض الأغانى والتواشيح كما يفعل البعض بشكل سطحى بحت، بينما نحن أمام كاتب لديه وعى وإدراك كامل بما يكتب فى معنى حقيقة الإيمان والعشق الإلهى، فى «نور الطريق» يفتح كمال بابا للجدل والحوار بين رجل ناسك متعبد وآخر ملحد ومتشكك وسيدة أخرى تائبة، كل منهم يشرح ويسبح على قدر إدراك عقله وقلبه لماهية السير مع الله، يطرح كمال فى هذا العمل حالة الجدل الدائمة بين العقل والفكر المتشكك فى ماهية الوجود وبين القلب الذى قد لا يشغله المنطق فى عالم الغيب والذى يستسلم ويخشع بلا حسابات منطقية وأفكار فلسفية مثلما يواجهه العقل بفكره وأحيانا كفره بما آمن وسلم به القلب دون تفكير أو منطق يذكر، انقسم الحوار بين مجذوب وملحد وتائبة، يرى الملحد كما جاء فى نص كلامه بالعرض.. «لیس هناك أعظم من عقل یتدبر وأنا عقل یتدبر أنا من قاتل فى حرب الأفكار وللفكره زهو وبهاء ومجون ووقار فى بحر الأفكار كل السفن على خطر والخطر الأكبر أن تختار وأنا اخترت أن أحیا یتیما من دون الأب . ولا أعرف من اوصلنى إلى هذا التل إلا روح مغامر»..أهنا موعدنا؟ هنا ینتظر المحبوب حبیبه ویراه؟ أشك .. إذا الترحال بلا معنى وهذا الموعد محض سراب..، يرد عليه المجذوب.. «هنا تل المنتظرین العشاق تجد على التل حبیبا من روحك فالزم أدب الصبر .ذهبت أعمار الناس هباء إلا من عاش ینتظر حبیبا طول العمر.

فى عمل مسرحى أشبه بعروض الحكى والإلقاء وكأن العرض تحول إلى عمل إذاعى أو أشبه بحالة جدليه وتحد بين ما يؤمن به القلب وحدود ما يدركه العقل وقف الممثلون فى مواقع متفرقة كل منهم يقرأ الشخصية التى يلعبها وإن بدا العمل مثل الإذاعة وليس عرضا مسرحيا كالمتعارف عليه وضعنا كمال فى حالة روحية وفكرية شديدة العمق بفتح خيال المتلقى ومسامعه على فلسفة التصوف والسياحة مع الله بحوار عذب مرسل جاء على لسان أبطال العمل وتخلل هذا الحوار بعض المقاطع الغنائية لفرقة الفراديس هنا تحول المخرج إلى مايسترو فى تحديد مواضع دخول المقاطع المغناة ثم استرسال الممثلين فى حوارهم وجدلهم معا، حالة صوفية وروحانية نادرة التكرار فى عروض المسرح استطاع عبد الرحيم كمال تحقيقها بحكمة واقتدار، فهو كاتب مدرك ومتقن لما يفعل ليس هناك اليوم من يضاهيه فى ماهرة كاتبة وصناعة عمل صوفى يحمل عمق المعنى وحقيقة معايشته للتجربة الصوفية والتى تبدو على كل كتابته سواء فى الدراما أو المسرح، شارك فى بطولة العرض الفنان خالد الذهبى، فردوس عبدالحميد، وبهاء ثروت، نور الطريق إخراج محمد الخولى بالمشاركة مع فرقة الفراديس بقيادة المنشد صلاح عبدالحميد ديكور وملابس ناصر عبدالحافظ.