الثلاثاء 5 يوليو 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
احمد باشا

«الحفيد».. التائه فى دراما تليفزيونية ممتعة على المسرح القومى

افتتح المسرح القومى مؤخرا أحدث إنتاجاته الفنية «الحفيد» للمخرج محمد يوسف المنصور، وبطولة النجمة لوسى العائدة لخشبة المسرح بعد غياب طويل، فى دراما اجتماعية أشبه بالسهرات التليفزيونية ذات الليلة الواحدة، قدم المنصور رؤيته لقصتى «الحفيد» و»أم العروسة» فى عمل مسرحى ثرى، رغم صعوبة التطرق إلى أعمال فنية حفرت فى أذهان الجمهور، وأصبحت من كلاسيكيات السينما سواء «أم العروسة» أو «الحفيد» كلا العملين يحملان حالة خاصة فى وجدان وذهن الجمهور المصري، لما يمثلاه من نوستالجيا باعتبار الزمن ولما يمثلاه من دراما اجتماعية ندر الزمان أن يجود بمثلها، ففيهما دورة حياة إنسانية وكأنهما انعكاسا دافئا لصورة المجتمع المصرى فى وقت ما، وبالتالى تنبع الخصوصية من مرجعية فنية واجتماعية أحاطت بهذين العملين مما يجعل التطرق إليهما فى عمل مسرحى درب من دروب الجرأة الشديدة والمغامرة غير المأمونة العواقب.



   بالطبع يعتبر تقديم عمل مثل «الحفيد» لعبدالحميد جودة السحار مغامرة كبرى غير مأمونة العواقب، لكن يبدو أن المخرج والدراماتورج محمد يوسف المنصور يهوى المغامرات ومعقد المزاج فى تقديم أعمال مسرحية تحمل العديد من التفاصيل والخيوط الدرامية الشائكة والمتشابكة، بذكائه المعهود بعد نجاح عرضه الأخير «أفراح القبة» توجه يوسف لتقديم دراما اجتماعية من منظور آخر بعيد عما جاء بالعملين السينمائيين الأشهر، حتى ينأى بنفسه عن فخ المقارنة بهما، اعتمد بشكل أساسى فى هذا العمل على أحداث الرواية للكاتب عبد الحميد جودة السحار، ثم خياله فى نسج خيوط درامية استكمل بها ما أراد طرحه من فكر ورؤية عن صراع الأجيال، تقاطع الزمن ما بين الماضى والحاضر ورسم خيوط المستقبل، لعبة مسرحية ودرامية شديدة التعقيد لعبها المخرج والدراماتورج حتى يصل بنا إلى حالة أخرى متجددة ورؤية أكثر اتساعا لقصتى الحفيد وأم العروسة. 

 يبدأ العرض بخروج الابن عاطف الذى أصبح يمتهن مهنة الإخراج على الجمهور، يروى لهم تفاصيل القصة التى هم بصدد مشاهدتها الآن على خشبة المسرح، يواصل السرد وحكى تشابك العلاقات بين الأبناء والأزواج لكن تصيبه حالة من الملل والتشويش والتى يزعم أنها ستصيب الجمهور أيضا حتى يستطيع فك طلاسم هذه العلاقات المتشابكة لفهم طبيعة علاقة كل منهما بالآخر، تبدأ أحداث العرض فى ثلاث أزمنة مختلفة 1980و 2000 و2020، فى كل زمن سنرى حالة التطور التى وصلت إليها العائلة منذ بدء تفكير الأم زينب بالزواج وخضوعها لرغبة والدتها بالعزوف عن الزواج ممن تحب، حتى تضمن لها حياة اجتماعية سليمة، ثم زواج زينب من حسين وانجابها سبعة ابناء ولكل منهم مشاكله واعبائه وصولا إلى وفاة حسين وعودة تفكير زينب الأم من جديد فى الزواج ممن تحب!

   جعل الدراماتورج من السيدة «زينب» الأم محورا للأحداث فهى من تفرعت منها شجرة العائلة حيث بدأت من عندها وانتهت بها، باعتبارها الشخص الأكثر تحكما فى مصيرهم من البداية وحتى النهاية فهى المسئولة عن اختيارها لزوجها بخضوعها لرغبة أهلها، ثم تصبح المسئولة عن إحباط أحلام أبنائها بتحكمها فى ابنتها نبيلة وإكراهها على الزواج لتترك حلم التمثيل بالمسرح، وإكراه ابنها على دخول كلية الطب فى حين أنه يريد دراسة الإخراج، والآخر الذى كان محبا للموسيقى وقرر مخاصمة الحياة نهائيا، ثم يأتى لها القدر وتريد هى تحقيق رغبة ضد رغبة ابنائها بالزواج ممن تحب «نعناع الجنينة» المطرب الشعبى الأقل اجتماعيا من عائلتها تصطدم برفض الأبناء وغيرتهم الشديدة عليها.

 تعددت الأزمنة وتعددت معها العلاقات والخيوط مما جعل العمل أحيانا يقع فى فخ الإطالة أولا ثم التشويش والتوهان ثانيا، قد يتوه الجمهور فى تتابع بعض العلاقات لعدم وضوحها منذ البداية بشكل كامل، ثم يتوه خط «الحفيد» وهو الخط الدرامى المهم والأصيل بالعرض، فهو من يمثل المستقبل بالأساس، هذا الخط تأخر وضوحه وظهوره حتى بدا منسيا، ثم يظهر ويعود للاختفاء والظهور مرة أخرى مع نهاية العرض، رغم أنه البذرة التى تأسست عليها خلاصة العمل، فهو المستقبل الذى سيغرسون فيه خلاصة وعيهم وإدراكهم للأخطاء التى ارتكبها كل منهم فى الاعتراف بحق الآخر فى الاختيار والحياة، وبالتالى فقدنا خطا شديد الأهمية أصبح حضوره تائها وباهتا بين هذا الكم من الخطوط الدرامية والعلاقات المتشابكة، الحفيد هو ابن نهال ابنة نبيلة الذى يرفضه والده لأنه اتفق مع الأم على عدم الإنجاب لمدة عشر سنوات، فضلا عن خضوع العمل فى أسر المونولوجات الطويلة وأحيانا البكائية فى أكثر من مشهد جعلته فى حاجة إلى المزيد من التكثيف، لكن فى المقابل استطاع المخرج بتمكن كبير الانتقال بين هذه الأزمنة المختلفة بمهارة واحتراف شديد، كما قدم وجبة مسرحية تحمل حالة من المتعة والتسلية والترفيه بجانب الوعى بفكر السحار عن أزمة صراع الأجيال والسلطة الأبوية فى ممارسة الضغوط على الأبناء لاتباع وجهة نظرهم فى الحياة.

 اكتملت الصورة النهائية للعرض فى عمل مسرحى جماعى يحمل دفء العلاقات الأسرية، وكأنك فتحت إحدى قنوات الدراما لتشاهد أحد الأعمال الدرامية القديمة المحببة إلى قلبك، بعد انتهاء مشاهدتك للعرض يترك لديك «الحفيد» انطباعا ايجابيا كبيرا وجديدا فى عالم المسرح، بصناعة مزيج فنى متقن بين الموسيقى والرقص والغناء والاستعراض ملتحم بالروتين اليومى لهذه العائلة، يذهب بك «الحفيد» إلى عالم آخر لكن مع الفارق أنك ترى أجسادا وتشعر بنبض الفنانين على المسرح، حالة من الحميمية والاشتباك فى الأحداث والتفاعل معها نقلها كل فنان على تفاوت مهاراتهم، مع كثرة عدد المشاركين إلا أن الجميع خرجوا فى حالة من التلاحم والانسجام، نرى تطور حياتهم معا بفعل الزمن، كانت الفنانة لوسى القادمة من عالم الشاشة الصغيرة محملة بخبرة كبيرة تقف على خشبة المسرح فى دور «زينب» الأم وهى نجمة صاحبة حضور فنى من طراز خاص تجمع بين مهارة التمثيل واتقان الاستعراض فأحدثت حالة من الاتزان الشديد وكأنها رمانة ميزان العرض، استطاعت أن تمنح العمل رسوخا وثقلا بخبرتها فى الكوميديا أو التراجيديا فى انتقال الشخصية من حال إلى حال، المأخذ الوحيد ظهورها فى مشهد الفتاة البالغة من العمر ثمانية عشر عاما ربما كان غير منطقي على الإطلاق بجانب إضافة رقصة زائدة عن حاجة العرض. 

لكن فى المقابل استطاعت لوسى أن تمتع جمهورها باتقانها الكبير لشخصية زينب الأم والحبيبة والزوجة المخلصة، ثم يأتى الممثلون على اختلاف خبراتهم وإدراكهم لأبعاد الشخصيات التى قاموا بها فكل منهم كان له بصمته الخاصة فى لعب شخصيته بالحفيد يأتى على رأسهم محمد مبروك «يوركا» فى دور نعناع الجنينة امتلك «يوركا» الجمهور منذ اللحظات الأولى لظهوره على المسرح، وكأنه مطرب شعبي بالفعل جاء من هذا العالم للمشاركة بالعرض، حافظ بدقة على تفاصيل شخصيته فى الملبس والحركات والإيماءات وطريقة وأسلوب أدائه للأغانى بجانب حفاظه على حالة التراجع الدائم لشعوره بالدونية بين عائلة «زينب» فكان له أثر وبصمة خاصة، وكذلك رنا خطاب الممثلة شديدة الوعى والإتقان للمراحل العمرية المختلفة التى لعبتها الفتاة الصغيرة ثم الشابة المتمردة والمقهورة ثم الأم والزوجة المغلوبة على أمرها لعبت رنا دورها بخلفية ممثلة محترفة صاحبة خبرة كبيرة رغم حداثة عهدها وصغر سنها كان لها حضور الكبار، وكذلك عابد عنانى فى دور سامى المحبط والمعتزل الحياة والناقم دائما بسلاسة وبساطة قدم عابد هذه الشخصية الناقمة الغاضبة بانسياب التحم فى كيان هذه العائلة الشائكة، وكان لمخرج العرض حضور خاص فى دور عاطف كما يحسب له على حداثة عهده حرفة الجمع بين الإخراج والتمثيل خاصة فى عمل مسرحى بهذا التعقيد لكنه اتقن الاثنين على أكمل وجه، تميز أيضا تامر فرج فى دور حسين الأب، وشيريهان الشاذلى فى دور ماجدة أخت حسين، ودعاء فى دور الأم المتسلطة، وزينب العبد وردة البستان الراقصة، كما شارك فى بطولة العرض محمود عبدالرازق، نشوى عبد الرحيم، ندا عفيفى، عبدالبارى سعد، محمد يسرى، مهاب حسين، أنس عبدالعظيم، أمير عبدالواحد، فادى باسم، ليلى محمد، حسن خالد، ماجد مارك، ساهم الديكور لحمدى عطية وتصميم الأزياء لمروة عودة فى وضع الجمهور فى هذه الحالة الحميمية وبنقل حالة الدفء الأسرى للعمل المسرحى، كذلك اتقن إسلام عباس تقديم افراد الأسرة فى مراحل عمرية متباينة بالمكياج، ثم يأتى التصميم الحركى والاستعراضى للفنانة شيرين حجازى التى تثبت دائما أنها الأكثر ابتكارا ورقيا فى تقديم تعبير حركى مختلف بمشاهد العرض المتفرقة سواء بالفرح أو السبوع، عادة ما تحمل تصميماتها رؤية خاصة وبصمة فارقة.