الأربعاء 10 أغسطس 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
احمد باشا
نجيب الريحانى.. بقلم طه حسين!!

نجيب الريحانى.. بقلم طه حسين!!

عبارة لا ننساها كتبتها السيدة «سوزان طه حسين» زوجة عميد الأدب العربى فى مذكراتها البديعة «معك» عندما كتبت تقول: «كان طه يرى بلا عينين فقد أذهلنا بتصريح مفاجئ حين كنا فى فندق وكان الراديو يذيع برنامجًا عن مطرب شرقى لم يكن يحب صوته إذ إنه هتف: على أى حال لابد لهذا الرجل من أن يكون بدينًا وأصلع، وعندما رأينا صورة هذا المطرب على مغلف إحدى إسطوانات أغنياته تأكد لنا ما قاله «طه» كان صحيحًا كل الصحة»!!



كلام السيدة «سوزان» يفسر لى عشرات المقالات الفنية فى نقد الأفلام والمسرحيات التى كانا يذهبان لرؤيتها معًا على صفحات مجلة «الكاتب المصرى» التى أسسها «طه حسين» عام 1945.

وفى باب «شهرية المسرح» يكتب عن «نجيب الريحانى» مقالًا مهمًا ورائعًا عنوانه «سلاح اليوم» يقول فيه:

«ليس الأستاذ «نجيب الريحانى» فى حاجة إلى أن يعرف إلى الناس، ولا أن يهدى إليه الثناء، فقد عرفه الناس كأحسن ما يعرف الفنان البارع، وأهدى إليه الثناء حتى لم يدر ماذا يصنع به، ولست أكتب هذه الكلمة وأنا على جناح سفر إلا لأسجل إعجابى الذى لا حد له بالقصة الأخيرة التى يعرضها الأستاذ نجيب الريحانى على النظارة هذه الأيام، فسلاح اليوم قصة طريفة حقًا.

والغريب أن طرافتها تأتى من إنها لا تعرض على الناس شيئًا مبتكرًا وإنما تعرض عليهم حياتهم التى يحيونها كل يوم، وهى من هذه الناحية درس من أقوم الدروس التى تلقى على الناس، لا فى الأخلاق وحدها، بل فى تصوير الحياة الاجتماعية وما تشتمل عليه من عناصر الفساد التى لا سبيل معها إلى بقاء أو إلى استقرار.

فسلاح اليوم فى قصة الأستاذ «نجيب الريحانى» ليست جدًا ولا جهدًا ولا كفاية ولا عملًا خصبًا منتجًا ولا صدقًا فى القول، ولا إخلاصًا فى العمل، ولا وفاء للصديق، ولا اعترافا للجميل، وإنما هو كل ما يناقض هذه الخصال من الأخلاق، وهو ليس سلاحًا يصطنعه فريق من الناس دون فريق، ولا طبقة منهم دون طبقة، وإنما هو سلاح شائع يصطفه كل من قدر عليه.

والناس جميعًا يحرصون على أن يقدروا عليه ويصطنعوه لأنهم جميعًا يريدون أن يغيروا من حالهم ويخرجوا من أطوارهم، ويبلغوا منازل أرق من المنازل التى قُدرت لهم، يريدون أن يصلوا ولا يترددون فى سلوك السبيل التى تنتهى بهم إلى ما يريدون مهما تكن شائكة ومعوجة! بل هم يسلكون السبل الشائكة المعوجة وحدها التى توصل فى سرعة إلى ما يريد الوصوليون!!

ويروى د.طه حسين ملخصًا لأحداث المسرحية ثم ينهى نقده وملاحظاته قائلا:

براعة القصص عند الأستاذ الريحانى لا تأتى من الموضوع وحده وإنما تأتى من الحوار الذى يصور الفعل المصرى على اختلاف طبقات المصريين أدق تصوير وأصدقه، ومن التمثيل الذى يخلب النظارة من المنظر الأول ومن أصوات الممثلين ونغماتهم حين يتكلمون ومن أشياء كثيرة لا سبيل إلى تصويرها فى هذا الحديث القصير.

والأستاذ «الريحانى» معلم يلقى دروسه الاجتماعية والخلقية على المصريين منذ أكثر من ربع قرن، وهو فى الوقت نفسه صاحب فكاهة رائعة حلوة مُرة فى وقت واحد، يُسلى المصريين عن همومهم وأحزانهم العامة والخاصة منذ أكثر من ربع قرن أيضا، فليعرف المصريون له ذلك وليقدروه قدره وما أراهم يفعلون! وإنه لمن المؤلم حقًا أن ينفق الأستاذ «الريحانى» حياته كلها معلمًا للمصريين ومسليًا لهم عن الهموم والأحزان وأن يؤثر المصريون أنفسهم بدروسه وفكاهته دون أن يجد من الدولة عناية أو تشجعيًا، والغريب أن الدولة تفكر فى إنشاء جامعة شعبية، ولتعذرنى الدولة إذا قلت إن مسرح الأستاذ «الريحانى» هو خير قسم من أقسام هذه الجامعة الشعبية». انتهى المقال الرائع.. وتبقى دلالته!