الخميس 6 أكتوبر 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
احمد باشا

فى دورته التاسعة والعشرين: «التجريبى» يفتتح فعالياته بـ«الوهم» وعروض تداعب خيال الأطفال

بالطبع مر المهرجان بسنوات عجاف لا يمكن إنكارها، توقف فترة وعاد أخرى، وكانت عودته بعد كفاح مرير بشكل تدريجى حتى بدأ يفيق إلى حد ما بعروض أقل عددًا، ثم جاءت أزمة جائحة كورونا, مما اضطر القائمين عليه لإقامة الدورة «أون لاين», ومرة أخرى بدأ يضعف المهرجان تدريجيًا ويفقد أثره وقيمته الدولية، فى دورة هذا العام وبعد التجاوز النسبى لأزمة الجائحة التى استمرت عامين كاملين، يعود المهرجان برئاسة المخرج جمال ياقوت عودة هزيلة لا تليق بحجمه وسنوات عمره التاسعة والعشرين، افتتح فعالياته بعرض «وهم» من إيطاليا، وكأن اسم العرض يوحى لنا منذ يومه الأول بأن ما سنراه فيما بعد مجرد فعاليات وهمية لا يجمعها سياق فنى أو معيار فى الاختيار، انطلقت الفعاليات بهذا العرض الضعيف الذى لا يليق بافتتاح مهرجان دولى بحجم التجريبى مجرد عرض لمجموعة من الشباب أقرب لعروض نتاج الورش الفنية أو تخرج مدرسة لمجموعة من الطلاب.



 

«هايدراوس»

 

من النمسا شارك العرض المسرحى «هايدراوس», امتلك صناعه تكنيكًا حركيًا رفيع المستوى فى اتخاذ أوضاع وأشكال بأجسادهن وكأنهن أحد الكائنات التى تعيش تحت الماء، أجادت بطلاته الثلاث فى تجسيد أشكال نباتات وكائنات انتقلن بنا إلى عالم آخر، ذهبن بأجسادهن وتحولن إلى أشكال لا تشبه البشر بل تقترب من عالم النبات والحيوان، وبرغم الشكل الفنى الرفيع الذى بدا عليه العرض إلا أنه لا يحمل ثقلًا وأبعادًا درامية، لا تتجاوز جودته هذه التشكيلات الجسدية وقدرتهن البالغة على صناعتها بحرفة عالية، وبالتالى قد يبهر العرض خيال طفل صغير، فهو عمل جيد فى سياق المهارة وحرفة التكنيك أكثر من كونه عملًا مكتمل العناصر يستحق المشاركة فى مسابقة رسمية لمهرجان دولى.

 

«لاعبات كرة القدم»

 

واجه نفس الأزمة العرض المكسيكى «لاعبات كرة القدم»، عرضًا تفاعليًا يناسب مسرح الشارع، بينما كان للقائمين على المهرجان رأي آخر بتقديمه على خشبة مسرح العرائس!،.. تفاعلت فيه الممثلات الثلاث مع الحضور لرغبتهن فى احتراف لعبة كرة القدم، عرض مسرحى احتفالى اعتمد على مهارة بطلاته فى التواصل مع الجمهور رغم تحدثهن الإسبانية وأحيانًا الإنجليزية، كما اعتمد بشكل كبير على اللعب وخفة حركة وظل صناعه، قد يكون محببًا لمسرح طفل أكثر منه عملًا مسرحيًا له طابع التجريب أو له علاقة بسياق التنافس فى مهرجان دولي، فهو أيضًا عمل جيد فى سياق ما قدم من أجله التسلية والتفاعل وإحداث حالة من البهجة مع الجمهور، لذلك عندما نفتح مجالًا لمشاركة هذه العروض فى تسابق دولى قد نحملها عبئًا فنيًا لا يناسبها على الإطلاق.

 

«المنديل»

 

 من الأعمال المسرحية المحببة للجماهيرعروض المسرح السورى التى ينتظرها الجمهور ويسعى بشغف إلى متابعتها, لكن هذه المرة جاء العرض السورى عكس توقعات الجميع، ينتمى العرض إلى مسرح الجسد, هوعرض حركى يتناول قصة زوجين أصابهما العمى وبشكل مفاجئ يستعيدان بصرهما من جديد, وبعد إبصار الواقع يقرران العودة إلى إغلاق أعينهما بهذا المنديل، قدمت هذه القصة القصيرة فى إطار تصميم حركى باهت وبتداخل ساذج مع شاشة عرض فى خلفية المسرح, قصة بسيطة تحكيها الشاشة مع حركة بطليها بمعالجة ساذجة ضعيفة، عقد المهرجان موائد ومناقشات حول المسرح الرقمى والتجريب والتطور التكنولوجى ولم نشاهد فى عروضه نموذجًا لهذا النوع من المسرح سوى هذا العمل البسيط فنيًا الذى قدم تكنولوجيا هزيلة تداعب خيال الأطفال بامتياز!

 

«خلال الأمواج»

 

استكمالًا لعروض مسرح الجسد شارك أيضًا عرض «خلال الأمواج» من الولايات المتحدة الأمريكية, يتناول العمل قصة امرأة حزينة على فقدان رفيقها, وتجزأت هذه المرأة فى صورة ثلاث نساء قدمن معًا حركات أشبه بعروض السيرك والحركات البهلوانية من عروض مسرح الجسد المتعارف عليها، بمعنى آخر لم تؤد حركاتهن الأقرب للأكروبات أو توحى بهذا المعنى الذى وصفه صناع العمل عنه، هى مجرد حركات أشبه بعروض السيرك منها بعمل فنى راقص أو تصميم مفردات حركية لها معنى وبعد درامى.

 

«حوارات وثورة بين الماضى والحاضر»

 

فى سياق آخر وبعيدًا عن عروض مسرح الجسد شارك ضمن فعاليات التسابق العرض اليونانى «حوارات وثورة بين الماضى والحاضر», العرض عبارة عن حوار طويل بين بطليه باللغة اليونانية, وفشلت الترجمة التى قدمت أعلى المسرح فى إنقاذ الموقف من حالة الملل وعدم التواصل مع العرض التى أصابت الجمهور الذى فر هاربًا من قاعة المسرح، العرض يتناول اليونان قبل وبعد ثورة الاستقلال اليونانية عام 1821 ضد الإمبراطورية العثمانية، هذه القضية لا تهم أو تخص المواطن المصرى من قريب أو بعيد حتى يتورط فى الإنصات لها وكأنه يستمع لإذاعة الراديو فى حوار طويل باليونانية..!، ورغم استخدام صناع العمل أشكال مسرحية متنوعة مثل خيال الظل لم يشفع له أو يعفيه من الضعف الشديد فى أسلوب وطريقة طرح قضيته على جمهور ليس له صلة بهذه القضية!

 

«الكوميديا الإلهية»

 

«الكوميديا الإلهية» من تونس كتب صناع العمل فى توصيفه.. «إنه يبحث عن مصير الإنسان بين الشرق والغرب وعلاقته بعوالم ما بعد الموت يعتمد على الكلمة العميقة والحركة التعبيرية لما تفرضه عوالم الجحيم التى وردت بأثر فى الكوميديا الإلهية لدانتى الجيرى أو رسالة الغفران للمعرى».. تظهر شخصية أبو العلاء المعرى فى رفقة بطل العرض ليتحول العمل إلى حصة مدرسية أو كأنه جلسة تسميع لما ورد فى كتاب الكوميديا الإلهية أو رسالة الغفران, فلم يحمل أى خيال فنى أو إبداع جاذب فى معالجة ما ورد على لسان صناعه!

 

تجارب أخرى

 

لم ينج من فخ الضعف وأزمة اللامعنى سوى بعض العروض المشاركة بدورة هذا العام مثل «آخر مرة» للمخرجة وفاء الطبوبى من تونس الذى قدمت فيه وفاء رؤيتها وفلسفتها لعلاقة الرجل والمرأة على اختلافها وتنوع أشكالها بمهارة فنية وإبداع كبيرعلى مستوى التمثيل والتصميم الحركى والصورة المسرحية, ويعتبر من أفضل العروض المشاركة ضمن دورة هذا العام، «قتال» عمل حركى ينتمى لعروض الرقص المعاصر من مصر أيضًا عن حالة الصراع والقتال بين رجل وامرأة, قدمته المخرجة شيماء شكرى بحرفة واتقان، والعرض المصرى «هلاوس» الذى يعد تجربة مصرية جديدة ومختلفة عن واقع المسرح المصرى بتقديم أول عرض «مايم» كامل له قصة بداية ووسط ونهاية بأجساد وإيماءات أبطاله، «آخر 15 ثانية» من كندا فى إطار فنى مختلف ومعالجة مسرحية جاذبة وجديدة يتناول العرض موضوع الإرهاب انطلاقًا من قصة اغتيال المخرج السورى مصطفى العقاد وابنته ريما.

احتوى المهرجان هذه الدورة على عدد كبير من الأعمال المسرحية المشاركة سواء خلال المسابقة الرسمية أو مسابقة العروض القصيرة أو عروض نوادى المسرح التجريبي، وهى التجربة الجديدة التى أصبح ينتهجها لفتح خيال الشباب على ممارسة التجريب، لكن السؤال الذى لابد أن نطرحه, كيف سيمارس هؤلاء الشباب التجريب دون الاطلاع على تجارب مسرحية حقيقية على أرض الواقع كما كان من قبل؟!..، تجارب تساهم فى إثراء الحركة الفنية وشحن الأفق والوعى بالمسرح فى الخارج؟!،.. فتح المهرجان مساحة للتنظير على الفن فى ندواته وأبحاثه العلمية أكثر من ممارسة الفن نفسه بشكل فعلى على أرض الواقع، مما أخرج لنا دورة هزيلة فنيًا، بعد أن كان التجريبى مأوى للمسرحيين للتعلم والاطلاع، أصبحت تجارب المسرحيين المصريين أهم وأكثر قيمة وأثرًا من العروض التى جاءت للمشاركة ضمن فعالياته، التى لا يترك معظمها أثرًا يذكر, وبالتالى فقد المهرجان ركنه الأساسى فى القدرة على استقطاب فرق أجنبية قوية تساهم فى الإضافة للواقع وتفتح مجال الاحتكاك للمسرحيين باطلاعهم على تجارب مختلفة من المسرح العالمى!