محمد بغدادي
الخلطة الإخوانية.. فى المواجهات التليفزيونية
فى بداية السبعينيات أطلق علينا السادات كتائب الجماعات الإسلامية.. وكنا لا نملك سوى سجلات الحائط لنعبر بها عن معارضتنا لسياسات السادات.. وعندما كان يلتف حولنا الطلاب والطالبات.. ونبدأ فى شرح وجهة نظرنا.. كان يتدخل فى النقاش الجماعات الإسلامية.. وعندما يشعرون بهزيمتهم أمام حججنا ووجهة نظرنا فيما يحدث على أرض الواقع.. كانوا يمزقون لنا مجلات الحائط ويوسعوننا ضرباً بالسنج والمطاوى والجنازير وكانت سلطات الأمن تقف شامتة.. دون أن تتدخل.. وكانت هذه هى لغة الحوار الوحيدة التى يجيدونها.. وكنا وقتها نعتقد أنه مجرد استعراض قوي.. وفرد عضلات لإرهابنا.. وكنا ندرك أن هذا يتم تحت سمع وبصر ومباركة نظام السادات وأجهزة أمنه.. ولكننا لم نكن نعلم أن ذلك يتم بتنسيق تام وفق خطة أمنية مدروسة وضعها السادات للتخلص من كل الأصوات المعارضة له.. وفى مقدمتهم زعماء الحركة الطلابية عام 1972 وما تلاها.
فقد كشفت هذه المؤامرة وزير الداخلية الأسبق حسن أبوباشا فى مذكراته، حيث كانت شهادته فى كتابه «مذكرات فى الأمن والسياسة» تمثل توثيقاً رسمياً لهذه الحقائق.. وأكد ذلك الكاتب الكبير مكرم محمد أحمد فى مقدمة كتابه الخطير «مؤامرة أم مراجعة.. حوار مع قادة التطرف فى سجن العقرب».. حيث يقول فى صفحة 15: «شجع الرئيس السادات الجماعات الإسلامية ليكونوا عوناً له فى الجامعات فى مواجهة خصومه السياسيين.. وتغاضى عن معاركهم مع الطلبة المعارضين للسادات بالسنج والمطاوى والجنازير.. وأغمض عينيه عن صفوف البلطجة التى كانوا يرتكبونها فى الجامعات لفصل الطالبات عن الطلبة فى المدرجات.. وتحريم الحديث بينهم.. ومنع الموسيقى والحفلات فى الجامعات.. وألزم وزارة الداخلية بأن تأخذ موقف الحياد من نشاط هذه الجماعات الذى كانت تموله الدولة.
ونجحت خطة السادات فى القضاء على كل التيارات الليبرالية والتقدمية فى الجامعة واستبدالها بتيار الإسلام السياسي.. إلى أن أجهز على أربعة أجيال من الطلاب.. ولست أدرى ما الذى ذكرنى بأسلوب الحوار الدامى بيننا وبين الإخوان فى السبعينيات الآن.
فعلى مدى عدة أيام.. أتابع خلالها العديد من برامج «التوك شو».. وأشاهد قيادات الإخوان والسلفيين.. من حزب الحرية والعدالة.. ومن حزب النور.. وأعضاء مجلسى الشعب والشوري.. وأعضاء مكتب الإرشاد وأعضاء عاملين بجماعة الإخوان.. شباباً وشيوخاً.. وبالطبع أن أدرك ما سأقوله.. وأعلمه جيداً عبر سنوات العمر.. ولكننى أريد أن أشير هنا للخلطة السحرية «المحفوظة» التى يمارسها كل من ينتمون لتيار الإسلام السياسى فى مواجهة خصومهم السياسيين.. أو حتى فى مواجهة أى مقدم برنامج أو فقيه دستوري.. أو رجل سياسة معتدل.. أو رجل دين معتدل.. فكل المتحدثين من الإخوان أو السلفيين.. رجالاً ونساء.. شباباً وشيوخاً لهم أسلوب واحد لا تخطئه الأذان.. ولا تتوه عنه الأبصار.
فقد شاهدت أمس الأول مع الزميلة منى الشاذلى الأستاذ الكبير والفقيه الدستورى القدير الدكتور حسام عيسي.. ومن قبله د.ثروت بدوي.. ومن قبله د.نور فرحات.. ود.إبراهيم درويش.. ولكن سأكتفى بذكر لقاء أمس الأول بين د.حسام عيسى وكادر إخوانى لا أذكر اسمه مع منى الشاذلى فى العاشرة مساء.
ورأيت هذا الحوار.. وشاهدت كيف يمارس خلطته الإخوانية فى بلبلة الحوار.. وتضييع الحقيقة.. والإرهاب الفكرى للسيطرة على الحوار.. وتبدأ المسألة على النحو التالي:
1 - يترك المذيع.. والضيف المحاور الإخوانى يتحدث براحته ولا يقاطعه أحد.. ويسوق لنا مجموعة من المعلومات المغلوطة.. والوقائع التى لا يصدقها طفل فى حضانة.. ويصر على وجهة نظره.. ولا يسمح بمقاطعته مهما قال من أشياء غير حقيقية ولا منطقية.. وعلى الطرف الآخر أن يصمت مرغماً حتى يتم حديثه.
2 - عندما يبدأ مقدم البرنامج أو الضيف المحاور بالرد على ما قال الأخ الإخواني.. لا يتركه يتم جملة واحدة. بل يبادر بمقاطعته بإصرار.. والضيف الآخر من فرط تأدبه وإيمانه بالديمقراطية يصمت فيكمل «الإخواني».. ويبتسم بهدوء كأنه رجل مسالم دمث.. وعندما يستسمحه الضيف فى أن يكمل حديثه.. يتركه لمدة ثانية واحدة فإن قال ما يروقه تركه.. وإن عارضه قاطعه مرة أخري.. فإن أصر الضيف على مواصلة الكلام.. يتحدث معه «الإخواني» بصوت عالٍ فى ذات الوقت حتى لا تصل للمشاهد جملة واحدة مفيدة.
3 - فإذا ما تدخل مقدم البرنامج فى محاولة يائسة لإسكات «الإخواني».. يبادر «الإخواني» بقمع مقدم البرنامج.. لأنه لم يتح له الفرصة الكافية.. ويواصل حديثه بصوت يتغلب فيه على الاثنين الضيف والمذيع.
وهكذا لا يمكن أن تتم حديثاً.. أو تستكمل وجهة نظر كاملة.. أو تتم جملة مفيدة أو تطرح رؤيتك بشكل كامل يتسق مع قناعاتك فكل ذلك ممنوع فى حضور «الإخواني».. فهم مدربون على إدارة الحوار على هذا النحو.. وقد شاهدت أحد كوادر الإخوان على قناة «الجزيرة مباشر - مصر».. وهو يحاور اثنين من شباب 6 إبريل.. وعندما صدمه شباب 6 إبريل بحقائق واقعة تؤكد الخداع والكذب ما بين القول والفعل فيما يقدم عليه الإخوان وسياسات.. ارتفع صوت الكادر الإخواني.. وقال له: لا تقل ذلك! فرد عليه الإبريلي: ولماذا.. أليست هذه هى الحقيقة؟!.. فقال له: نعم هى الحقيقة ولكنك الآن على الهواء مباشرة فهى ستنقل إلى 80 مليون مواطن يستمعون إلينا الآن «!!!».
لقد أشفقت على أستاذنا الكبير د.حسام عيسي.. وهو يحاول أن يكمل جملته و«الإخواني» لا يسمح له بذلك.. وأشفقت على الإعلامية منى الشاذلى التى حاولت أن تشرح للإخوان أن تجربة أردوغان مختلفة تماماً عن تجربة الإخوان.. ولكنها فشلت فى أن تكمل جملة واحدة مفيدة فى ظل هذا «الإخواني» الذى اجتاح الحلقة والحوار وانفرد بالكلام.. وكوش على الحلقة كما يكوشون على كل شىء.. وحسبى الله ونعم الوكيل.






