محمد بغدادي
وهل قامت الثورة لتأديب عادل إمام؟!
لست أدرى هل نحن فعلاً فى مصر.. مجرد سؤال برىء «!!» وهل نحن فعلاً فى مستهل الألفية الثالثة وفى العام الثانى عشر منها.. مجرد سؤال أكثر براءة «!!».. وهل فعلاً الدول المتقدمة تطلق سفنًا للفضاء فى محاولة للوصول لكوكب المريخ لمعرفة إن كانت فيه حياة أم لا مجرد سؤال أشد براءة من السؤالين الأول والثانى «!!» ففى هذا الزمن الردىء.. الذى يتفرغ فيه المكارثيون الجدد ليحجروا على المصريين وكأن كل مشكلات مصر والمصريين انتهينا من حلها جميعًا ولم يتبق لدينا سوى ما يقدمه الفنان عادل إمام من أعمال لتتم محاكمته ممن يبحثون عن الشهرة وكأن مصر قامت بهذه الثورة التى أريقت من أجلها الدماء لكى يفرض على شعبها الوصاية.. والرقابة.. وتقام لنا محاكم التفتيش فى العقول والضمائر.. وكأن الثورة التى رفعت شعارات «عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية».. كانت أولى ثمارها.. مصادرة الحريات.
والكارثة الكبرى أنها مصادرة للحرية بأثر رجعى.. فعادل إمام يحاكم على مجمل أعماله.. وكأن «المكارثيين» الجدد.. لم يكتفوا بعصر الرئيس السابق حسنى مبارك.. وما شهدناه خلاله من فساد.. وقهر واستبداد.. فأرادوا أن يصادروا حرية الإبداع بأثر رجعى.. وإذا بدأ «المكارثيون» الجدد بعادل إمام.. فمعناها: أن البداية بالكبار.. سنخيف كل الصغار.. ففى الوقت الذى تفرغ فيه مجلس الشعب لمناقشة قوانين الخلع وتخفيض سن الزواج.. أو إباحة الزواج بالأطفال الصغار.. وتخفيض سن الحضانة للولد والبنت.. فإن قضايا مصر الكبرى.. تمت تنحيتها جانبا.. وكأن الانفلات الأمنى والحرائق المدمرة فى السويس والمنصورة.. والمنوفية لا تحرك لهم ساكنا.. وكأن قضية الدستور وانتخابات الرئاسة.. واستدعاء السفير السعودى.. وإغلاق السفارة والقنصليات السعودية لا شأن لهم بها.. ما هذا العبث الذى نعيشه فى مصر؟! هل هذه العقليات هى التى تقاتل الآن من أجل اعتلاء عرش مصر.. والركوب على أكتاف المصريين لإقامة محاكم التفتيش لهم ومصادرة الأعمال والقصص والروايات.. والحجر على العقول.. لقد راجعت نفسى وذهبت ناحية نتيجة الحائط.. وتحققت بالفعل من أننا فعلا فى مصر أم الدنيا والحضارة.. وتأكدت ـ أيضا ـ من أننا فى عام 1433 هجرية.. وعام 2012 ميلادية وأن العالم فيه شبكة عنكبوتية تنقل لك كل ما تشتهيه الأنفس الأمارة بالسوء.. وكل مالا تشتهيه.. وأن السماوات المفتوحة.. والأقمار الصناعية تعرض ما أحله الله.. وما حرمه الله.. وأنت حر فى بيتك ترى ما أحله الله.. وتلغى ما حرم الله.. تلك هى القاعدة.
هل مشروع النهضة المصرية الذى يتحدث عنه تيار الإسلام السياسى.. سيبدأ بسجن عادل إمام.. ومصادرة الحريات.. إن حزب رجب طيب أردوغان بدأ بمشروع النهضة فى تركيا.. وحقق إنجازات لا يحلم بها أى إنسان وطنى يحب بلاده.. وهو رجل مسلم قائد أكبر حزب إسلامى ويرأس حكومة دولة علمانية.. والعلمانية لا تعنى الكفر والإلحاد كما يروج تيار الإسلام السياسى.. ولو إعلامنا المتعطش للإثارة استضاف علماء فى السياسة والاقتصاد ورجال الدين المستنيرين.. لشرحوا للناس معنى «العلمانية» كمصطلح دينى وسياسى.. فرجب أردوغان الذى ينتمى لأكبر الأحزاب التركية الإسلامية حقق مشروعًا ضخمًا للنهضة خلال عشر سنوات دون أن يلغى السينما.. أو المسلسلات.. أو الدراما.. بل إنه حول المصنفات الفنية إلى سلعة تركية استراتيجية غزت أوروبا ودول الشرق الأوسط كلها.. وضاعفت الدخل القومى.. ونشرت ترويجًا سياحيًا لأهم معالم تركيا.. وروجت للآثار الإسلامية.. والطبيعة الخلابة.. وضاعفت أعداد السائحين.. الذين يأتون إلى شواطئ تركيا بالمايوهات البكينى.. ورجب أردوغان صاحب مشروع نهضة تركيا الحديثة أباح البغاء نزولاً على شروط الاتحاد الأوروبى.. رغبة فى الانضمام إلى تلك المنظومة الأوروبية القوية.. دون أن يتخلى عن مبادئه وإسلامه الصحيح.. ونحن معاذ الله لا نطالب بإباحة البغاء.. ولا بالمايوهات البكينى.. ولكننا قمنا بثورة من أجل الحرية.. والعدالة الاجتماعية فهل من المعقول أن تكون أول إنجازات الثورة مصادرة الحريات.. وسجن عادل إمام على «مجمل أعماله».. هل تلك الوصاية والمصادرة هى بداية مشروع النهضة؟! أم بداية إدخالنا فى نفق مظلم.. وإعادتنا إلى الماضى السحيق لنعيش فى صحراء الجهل.. وغابات التخلف.. وإلغاء العقل.. والسقوط فى هاوية الجمود.. فالدنيا تتقدم وتسير إلى الأمام بسرعة الصاروخ.. ونحن نتخلف ونعود إلى الوراء.. بأثر رجعى.. فهل من أجل ذلك قامت الثورة وأريقت الدماء.. لعلى فى كابوس أسود.. وأنا لا أدرى.. ربما «!!»










