محمد بغدادي
الإخوان.. و«التزوير المعنوى» لانتخابات الرئاسة
سألوا «رفيق الحريري» رئيس وزراء لبنان الأسبق فى برنامج تليفزيونى بعد انتخابات برلمانية فى لبنان:
«هل نستطيع أن نقول إن الانتخابات اللبنانية نزيهة؟! فرد قائلًا: «هى نزيهة من حيث الإجراءات والفرز والتصويت ومراقبة اللجان.. لكنها غير نزيهة بالمرة.. بل والنتائج غير عادلة من حيث تزوير إرادة الناخبين بواسطة المال السياسى الذى أغرق لبنان وقت الانتخابات».
وكنت أستهجن هذا الرأى وقتها بالقياس إلى تزوير الانتخابات الفج الذى كان يمارسه أباطرة الحزب الوطنى المنحل.. وكنت أكتب وقتها ساخرًا من هذا الرأى متمنيًا أن تكون لدينا انتخابات نزيهة كالانتخابات اللبنانية، معتقدًا أن المال السياسى مهما عظم ومهما تدفق فلا يمكن أن يؤثر فى النتيجة النهائية لأى انتخابات.. ولكن الآن وبعد أن رأيت بعينى رأسي.. وسمعت روايات موثقة ومصورة (صوت وصورة).. تأكدت أن المال السياسى أشد ضراوة فى تزييف إرادة الناخب.. وأن حجم التزوير الذى يمارسه الإخوان من خلال «اللعب فى الدماغ».. و«المال السياسي».. و«الإلحاح بأن مخالفة رأى الجماعة مخالف للشرع وللدين».. وأن من ينتخب غير الإخوان «كافر».. كل هذه الأساليب وجدت لها اسمًا مؤخرًا وهو «التزوير المعنوى»، الذى يبدأ خارج لجان الانتخابات الرئاسية.. وحدث أثناء انتخابات الشعب والشورى.. وأدى هذا «التزوير المعنوى» إلى حصول تيار الإسلام السياسى على هذه الأغلبية داخل البرلمان والشوري.. رغم أن الإخوان بالنسبة لتعداد الشعب المصرى يمثلون أقلية الأقلية.. بل إن عددهم أقل من عدد أعضاء الحزب الوطنى المنحل الذى أفسد الحياة السياسية وغمرها بالفساد بشتى صوره.
فقد شاهدت مع الملايين الذين شاهدوا برنامج «العاشرة مساء».. حيث عرضت «منى الشاذلى» المتألقة رغم أنف الجميع.. مشهدًا فى حديقة السفارة المصرية بالسعودية.. حيث اصطف المصريون أمام لجنة الانتخابات بالخارج.. وجاء رجل ملتح يرتدى جلبابًا أبيضًا ويضع على رأسه «غطرة سعودية» رغم أنه «مصري»(!!) وكان يحمل معه بطاقات تشبه بطاقات التصويت التى توزع داخل اللجان.. ومعه إعلان للمرشح الإخوانى «محمد مرسى».. وأخذ يطوف على الواقفين أمام لجنة الانتخابات طالبًا منهم أن ينتخبوا مرشح الإخوان.. وعندما عارضه البعض.. وطلبوا منه الانصراف وقال بعضهم : وإن هذا لا يليق أن يمارس بعد ثورة 25 يناير» وقال البعض «عايزين انتخابات نضيفة أرجوك لا تحاول أن تؤثر على الناخبين نحن نعرف مرشحنا.. وسندخل اللجنة ندلى بأصواتنا لصالح من نراه يصلح للمرحلة الانتقالية المقبلة».
ولكن الملتحى ذا الجلباب الأبيض.. كان مصرًا ولحوحًا بشكل مقزز.. واستعان بعدد آخر من الملتحين وراحوا يجادلون الواقفين بطريقة لا تليق بشعب متحضر يريد أن ينتخب رئيسه الجديد بعد الثورة بطريقة حرة. دون تأثير أو الحاح.. أو ضغوط.. لقد بدا الرجل مثل شحاذى الإشارات وبائعى المناديل فى الإشارات.. فهل هذا يليق بمرشح يدفع أنصاره الناس دفعًا لأن ينتخبوه؟! إنه بالفعل «التزوير المعنوي».
وهذا يحدث خارج مصر.. فما بالك بما يحدث داخل مصر مع الفقراء والبسطاء.. والجائعين فى القرى والعشوائيات والنجوع. إن استعراض القوة بهذا المال السياسى المتدفق بغير حساب.. لدرجة أن الصوت أصبح بمائة جنيه.. بخلاف شكاير الأرز والسكر والزيت.. هل يجوز أن يصل رئيس مصر - بعد ثورة استشهد فيها المئات إلى عرش البلاد بشكاير الزيت والأرز والسكر.. هل سيحترم مثل هذا الرئيس نفسه عندما يجلس فى القصر الجمهورى وهو يعلم أنه جاء على جثة الأخلاق والضمير السياسي.. وعبر الطريق إلى الرئاسة فوق معاناة البسطاء وهمومهم الكبيرة والصغيرة.؟!
هل يجوز أن «التزوير المعنوي» يصل إلى نقابة الصحفيين عبر مؤتمرات مشبوهة يقيمها الإخوان لعدة موظفين بشركة مصر للطيران للقدح والذم فى أحد المرشحين.. ويؤيد ذلك النقيب الإخوانى وأحد أعضاء المجلس من جماعة الإخوان أيضًا.. ثم تحدث معركة فى بهو النقابة وتداس صور المرشح «أحمد شفيق» بالأحذية وتحرق صوره.. ورغم إننى لست من أنصار شفيق ولكن هل من الجائز أن تكون نقابة الصحفيين مسرحًا لهذا العبث وهذا الانحياز السافر؟
وهذه المؤامرات الرخيصة وهذا «التزوير المعنوي».
ماذا يريد الإخوان.. بعد أن حصلوا على أكثر مما يستحقون.. وورثوا كل تركة «الحزب الوطنى» بكل سيئاتها ومهازلها وعوراتها.. إنهم يرتكبون نفس الأخطاء ويمارسون نفس الآليات.. ويقترفون نفس الآثام.. وسيلقون نفس المصير يومًا ما.. طال الزمان أو قصر فالحرية التى دفعت فيها دماء.. لا يمكن أن تسلب مرة أخري.
وعليهم أن يستوعبوا دروس الماضي.. قبل أن يقولوا ما قاله مؤسس الجماعة فى نهاية الأربعينيات من القرن الماضى الشيخ حسن البنا: «من أجل هذا خلق الندم!! من أجل هذا خلق الندم!! من أجل هذا خلق الندم!!» ولكن بعد فوات الأوان.










