الخميس 18 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
الدولة المدنية.. والدولة الدينية بين «الإخوان» و«الفلول»

الدولة المدنية.. والدولة الدينية بين «الإخوان» و«الفلول»




كذب المحللون ولو صدفوا.. مثلهم مثل المنجمين.. والراجمين بالغيب.. سيتعب كثيرًا من لا يجيد قراءة الواقع.. وسيتعب أكثر.. من لا يحسن رصد القوي السياسية داخل المشهد السياسي.. أو علي أرض الواقع.
فكثير من المحللين وما أكثرهم الآن يعتبر أن نتيجة الانتخابات صادمة.. وأنها أتت بمفاجآت مذهلة.. وأنه من الغريب أن تقوم في مصر ثورة عظيمة.. وتقدم مصر كل هؤلاء الشهداء ثم بعد ذلك ينتخب المصريون محمد مرسي وأحمد شفيق.. فالأول ليس له أي علاقة بالثورة.. لا هو.. ولا جماعته التي أعلنت رفضها للثورة من قبل حدوثها.. والثاني مازال محسوبًا علي نظام مبارك باعتباره آخر رئيس وزراء عينه مبارك قبل أن ينهار النظام بأكمله.
ولكن من يعود إلي الوراء قليلاً سيكتشف بلا معاناة أن هذه النتيجة هي الشيء الوحيد المنطقي في كل ما يحدث حولنا الآن.. ولست أدري كيف يعيش المصريون كل هذا التوتر وهذا الاكتئاب.. وهذا التخبط في تفسير هذه الظاهرة.. فالأمر مفهوم ومحسوم من البداية.. فقبل الثورة لم يكن علي أرض الواقع.. وداخل المشهد السياسي سوي قوتين لا ثالث لهما.. الحزب الوطني تسانده الحكومة بكل مؤسساتها وأجهزتها الأمنية.. أما القوة السياسية الثانية فكانت جماعة الإخوان المسلمين «المحظورة نظريًا فقط»..
وفي المعارك الانتخابية التي كان يشرف علي تزويرها الحزب الوطني.. كانت المحظورة باستطاعتها أن تحصل علي 88 مقعدًا في برلمان 2005.. وهذا العدد من المقاعد ما سمح به النظام الحاكم وقتها.. وفي انتخابات الوريث عام 2010 لم يستطع أي مرشح من خارج الحزب الوطني أن ينفذ إلي قاعة المجلس.. وهذا ما عجل بالثورة ضد نظام مبارك.
وعندما قامت الثورة نادينا عبر العديد من المقالات والمقابلات أن القوة السياسية الوحيدة الجاهزة هي تيار الإسلام السياسي تحت قيادة الإخوان المسلمين.. فلا تتعجلوا الأمور.. لابد للقوي الثورية الشابة أن تنتظر قليلاً حتي تتبلور.. وتفرز قياداتها وتستجمع قواها.. وتشكل أحزابها السياسية وبعد ذلك تدخل في المعترك السياسي.. وتخوض معركة البرلمان الانتخابية والشوري والرئاسة.. وقبل كل ذلك.. وبادئ ذي بدء.. علي كل القوي الثورية والسياسية والوطنية أن تضع دستورها أولاً.. وثانياً.. وثالثاً.. وبعد ذلك تتوالي خطوات الرئاسة والبرلمان.. ولكن للأسف الجميع كانوا متعجلين.. وقاد قطار العجلة والسرعة وركب الإكسبريس الإخوان المسلمين الذين لم يتركوا لأحد أي فرصة.. وغافلوا الجميع واستولوا علي البرلمان والشوري والجمعية التأسيسية ونقضوا كل عهودهم.. وكذبوا علي كل المجتمع المصري فوعدونا بألا يزيد عدد نوابهم علي 30٪ في البرلمان فأخذا نصف المقاعد + 26٪ أخذوها تيار الإسلام السياسي.. ووعدونا بعدم تقديم مرشح للرئاسة.. فقدموا أبوالفتوح.. ولما انكشفت لعبة الاستقالة قدموا الشاطر.. فلما استبعد قدموا الأستبن.. أي أن محمد مرسي لو نجح سيكون رئيسًا بالصدفة وعندما دخل الجميع معركة الرئاسة كان من المنطقي ألا يكون هناك صراع حقيقي إلا بين كتلتين تصويتيين هما كتلة الحزب الوطني وكتلة الإخوان.. أما الأصوات الضخمة التي حصل عليها حمدين صباحي.. أبوالفتوح فهي كتلة تصويتية انحازت لحمدين وأبوالفتوح كرهًا في الوطني والإخوان معًا.. وليس حباً في حمدين وأبوالفتوح.. فالناس لم يكن أمامهم خيارات أخري.. فالوطني أمامكم والإخوان خلفكم وليس أمامكم والله إلا حمدين أو أبوالفتوح.. والآن وبعد أن أسفرت المعركة الرئاسية عن إعادة بين شفيق ومرسي فلم يعد الخيار بين اسمين مرشحين لرئاسة مصر.. ولكن الخيار أصبح بين دولة مدنية خرجت من معطف الحزب الوطني.. أو دولة دينية خرجت من معطف الإخوان المسلمين.. وكل مرشح يعلن الآن ويتعهد بأنه رئيس لكل المصريين.. ولكن إذا مددنا الخطوط علي استقامتها فإن محمد مرسي سيأخذنا إلي المرشد العام حيث سيقدم له فروض الولاء والطاعة.. ويقبل يديه قبل اتخاذ أي قرار.. وبعده.. وسنعود إلي أعماق التاريخ مئات الأعوام.. حيث الدولة الدينية بنكهة الإخوان المسلمين في مصر.. أما أحمد شفيق فسيأخذنا سواء بمزاجه أو غصب عنه إلي الدولة المدنية حتي بكل تحفظاتنا علي انتمائه إلي عصر المخلوع وفساد نظامه.. ولكن إذا جاء شفيق فالذي جعلنا نسقط مبارك سنسقطه هو أيضاً.. وقد اسقطناه من قبل عندما كان رئيسا للوزراء.. ولكن إذا جاء محمد مرسي.. فأنت أتيت بالإخوان الذين لا يؤمنون بالديمقراطية إلا مرة واحدة في العمر وهي المرة الأولي والأخيرة التي يصلون فيها إلي سدة الحكم وبعدها انسي الدنيا وريح بالك.. فالشعب المصري أمام خيارين لا ثالث لهما.. إما الدولة المدنية أو الدولة الدينية الإخوانية.. والخيار أمامكم.. وكل شعب يستحق حكامه.. وهذه مقوله مجربة ومعروفة.. ولا عزاء للثوريين إلا بعد أربع سنين.