محمد بغدادي
أطماع «الإخوان».. بين الطفولة الثورية.. والأخطاء السياسية
يبدو أننا شعب سيىء الحظ.. وليس له فى الطيب نصيب كما يقول المثل الشعبى.. ويبدو أن ثورتنا العظيمة محسودة.. فكلما تعافت واستردت صحتها.. تصاب بانتكاسة تدخلنا جميعا فى نفق مظلم من جديد.. وعادة ما يطلق تعبير «بين المطرقة والسندان» عندما يقع الإنسان فى مأزق الاختيار بين شيئين كلاهما مُر.. وهذا ما قد ينطبق على الشعب المصرى الآن عندما يُخيَّر بين رئيسين كلاهما لا يرضى طموحات وآمال الشعب وهما شفيق ومرسى ولكننا للأسف بعد الأحكام التى صدرت ببراءة مساعدى حبيب العادلى وجمال وعلاء.. والمؤبد لمبارك والعادلي.. وحدث ما نراه على شاشات التليفزيون وفى الشارع المصرى من ردود فعل حادة ومنفعلة وعنيفة فنحن بذلك لسنا بين «المطرقة والسندان» فقط.. بل نحن تدق رءوسنا يوميا تحت ثلاث مطارق وسندان الزمن الردئ الذى نحياه الآن..
والمطارق الثلاث تتلخص فى ثلاث قوى رئيسية هى اللاعب الأساسى فى حلبة الصراع الدائر اليوم.
فالمطرقة الأولى: هى جماعة الإخوان المسلمين بكل ما أصيبت به من حمى الطمع والنهم والشبق السياسى للاستيلاء على كل مفاصل الدولة.. وتفكيك وتدمير ما لم تطله ذراعاها من أجهزة الدولة.. بما فيها القضاء التى تسعى لإدانته ثم اسقاطه القلعة تلو القلعة.. فمن محاولات الغاء دور محكمة القضاء الإدارى.. إلى المحكمة الدستورية العليا.. إلى الجمعية التأسيسية «باعتبارها أعلى هيئة تشريعية ستقوم بكتابة دستور الثورة الجديد».. إلى إدانة القضاء والدعوة لتطهيره.. رغم أن القضاء المصرى أقدم وأعرق قضاء عرفته البشرية منذ بدء الخليقة.. ويكفى أن الآلهة «ماعت» إلهة العدل والحق والنظام فى الكون كله.. إذا كانت الإلهة «ماعت» تضع على رأسها ريشة العدل وبيدها اليمنى صولجان الحكم وبيدها اليسرى مفتاح الحياة.. وكانت هذه الريشة هى ميزان العدل فى محاسبة الموتى كما يعتقد المصريون القدماء.. ولذلك يقال فى المثل الشعبى «هو أنت على رأسك ريشة» أى أنت «إله العدل» أى لا تخضع للمساءلة.. فكيف لدولة أقامت العدل وبنظام قضائى شامخ منذ فجر التاريخ يتهم قضاؤها بالفساد ويطالب بالتطهير كما يدعى الإخوان المسلمين ويرفعون هذه الشعارات فى كل مكان وفى جميع أجهزة الإعلام.. وبالطبع السبب واضح وضوح الشمس.. وهو إحلال المحاكم الشعبية التى تعمل الآن على قدم وساق فى القرى البعيدة عن المركز.. فى محاولة لتثبيت أركان الدولة الدينية بمنهج الإخوان المسلمين.. ومن ثم يسقط القضاء المصرى بشموخه ويحل محله قضاء الإخوان.. وقد شهدت ذلك بعينى رأسى وأنا أحقق فى أحداث «أبوقرقاص» بالمنيا سنة 1989 -1990» عندما وقعت أحداث الفتنة الطائفية عندما وجدت المواطنين حتى المسيحيين منهم عندما يتعرضون لحادثة سرقة أو اعتداء يتوجهون لأمير الجماعة للفصل فى مظالمهم.. وعندما سألت المضارين عن السبب وعن عدم ذهابهم إلى الشرطة واللجوء للقضاء.. فقالوا لي: من يذهب للشرطة يعاقب من أمير الجماعة فهو المسئول عن هذا الحى أو تلك المنطقة.. أما الشرطة فهى تخاف أن تحرر محضرا للمواطنين لأن الضباط يتلقون تهديدات من الجماعات الإسلامية بخطف أطفالهم وزوجاتهم لو حاولوا التدخل بينهم وبين «رعاياهم»!! وقد نشرت ذلك بالمستندات والصور فى مجلة «صباح الخير» آنذاك.. لذلك فإن الإخوان على استعداد لإسقاط كل شىء فى الدولة ليخلو لهم الجو فينفردوا بالشعب المسكين الذى انتخبهم.. ليقمعوه باسم الدين كما شاء لهم القمع.
وثانية المطارق: فهى الأخطاء السياسية المتوالية التى يقع فيها عن قصد وغير قصد المجلس الأعلى للقوات المسلحة.. وهى تتمثل فى ثقته العمياء بالإخوان المسلمين منذ اليوم الأول لإدارته للبلاد.. عندما ارتمى فى أحضانهم باعتبارهم هم الفصيل الأقوى والقوى السياسية الوحيدة المنظمة والجاهزة لتسلم السلطة.. فأعطاهم فى غفلة من الزمان كل شىء.. وأولها لجنة كتابة التعديلات الدستورية التى وضعت الدستور فى ذيل القائمة.. حيث بدأت بالانتخابات.. ثم اللجنة التأسيسية للدستور التى تلكأت وتماحكوا فى تشكيلها حتى الآن انتظار لما تسفر عنه انتخابات الرئاسة فإن جاءت «بمرسى» أعطوه من الاختصاصات ما يحلوا لهم.. وإن جاءت «بشفيق» نزعوا عنه كل الاختصاصات.. أما ثالث الأخطاء السياسية التى ارتكبها المجلس الأعلى من فرط ثقته بالإخوان أنه تغاضى عن كل تجاوزاتهم فى الانتخابات البرلمانية على وعد منهم بأنهم لن يأخذوا أكثر من 30٪ من مقاعد البرلمان فخدعوه وأخذوا 76٪ من المقاعد.. ووعدوه بأنهم لن يترشح أحد منهم للرئاسة فترشح أبوالفتوح وأبوإسماعيل والعوا والشاطر وتابعه مرسى.. فكانت النتيجة أن الإخوان والمجلس العسكرى أوقعونا الآن فى مأزق الاختيار بين المر والأمر منه.. وهم يعلمون أن هناك اعتراضات على هذا وعلى ذاك.. فكلاهما لم يحقق أكثر من 25٪ من أصوات الناخبين.. أما الخطأ السياسى الذى قصم ظهر البعير فه الأحكام التى صدرت ضد مبارك ورجاله فعلى الرغم من أن هذه أحكام تاريخية إلا أن تأجيل إعلان هذه الأحكام كان هو الأفضل وهذا المستشار «أحمد رفعت» قاض عظيم فهو حكم بما توفر لديه من مستندات.. وقد أدان مبارك بمادة لم تستخدم من قبل فى أى محكمة فى العالم وهى جريمة الامتناع عن وقف جريمة قتل المتظاهرين.. وهى جريمة سياسية بدون أدلة.. حيث إن أدلة الإثبات كانت قد تم إتلافها وهى التهمة التى سيحاكم عليها رئيس جهاز أمن الدولة الذى سيظل محبوسا على ذمتها رغم صدور الحكم عليه بالبراءة.. لأن الأدلة لم تدنه وهو بذلك قاض عادل.. أما الخطأ السياسى فهو التوقيت وكان من الممكن تأجيل جلسات النطق بالحكم إلى ما بعد الانتخابات حتى لا يصاب المواطنون بالارتباك وتقع البلاد فى الفوضى التى يشهدها الشارع المصرى.. وكأننا كان ينقصنا مزيداً من المظاهرات الإضرابات والاشتباكات.
وثالثة هذه المطارق: هى الطفولة الثورية التى تتمتع بها النخب السياسية والثقافية المصرية الذين.. أرادوا أن يعبروا عن استيائهم وعدم رضاهم عن أحكام مبارك وأعوانه.. وأرادوا أن يعبروا عن عدم رضاهم عن المرشح أحمد شفيق باعتباره سيعيد إنتاج نظام مبارك «وهذا مستحيل» لأن الزمن لن يعود إلى الوراء فماذا فعلوا لطفولتهم الثورية.. ذهبوا ليتضامنوا مع مرشح الإخوان.. وكأنهم «المستجير من الرمضاء بالنار».. وكأنهم كالفراش الساذج الذى يفر من الظلام ليسقط فى وهج النار يحترق.. ظنا منه بأنه يلجا إلى النور.. ولا يعرف أنه سيلقى حتفه فى أحضانه.. فهنيئا للطفولة الثورية فى أحضان اللهب.










