محمد بغدادي
الحكومة الربانية بين أبوتريكة.. وإسماعيل هنية
لم أندهش كثيرًا منذ أن أعلن اللاعب الكبير نجم الكرة الأفريقية «محمد أبوتريكة» عن انحيازه لمرشح الإخوان المسلمين «محمد مرسي».. فهذه خياراته وكل مواطن مصري له مطلق الحرية في اختيار مرشحه.. والدعوة له بكل الوسائل المتاحة.. وعلي الرغم من أنني لست كروياً ولا أفهم في الكرة.. ولكنني أحب «أبوتريكة» لموهبته وأخلاقه الكريمة وإخلاصه وعبقريته الفذة في الكرة.. فهو فخر مصر وأفريقيا وكل اللاعبين العرب.. ولأنني لا أفهم في الكرة فلم أتبرع بالفتوي في هذا المجال.. فأنا بعيد كل البعد عن كرة القدم.
وبالتأكيد «أبوتريكة» أفضل مني مليون مرة في فهمه لكل ما يتعلق بفنون الكرة.. وانحيازه لمحمد مرسي أحييه عليه.. وأثمن موقفه المبدئي من الإخوان منذ أن كشف «تي.شيرت» المنتخب في كأس الأمم الأفريقية بعد أن سجل هدفًا رائعًا في مرمي السودان عام 2008.. وبعدها وجدنا تحت «تي.. شيرت» المنتخب عبارة «تعاطفًا مع غزة» تضامنًا مع الشعب الفلسطيني المحاصر بطوق عسكري من العدو الصهيوني المتغطرس.. ويومها صفقنا له جميعًا.. ولكن حكم المباراة أشهر في وجهه الكارت الأصفر.. ليس لأنه (حكم صهيوني) متعاطف مع الإسرائيليين.. ولكن لأنها قواعد لعبة كرة القدم التي وضعها الاتحاد الدولي (الفيفا).. ووافقت عليها كل الاتحادات الكروية وكل النوادي والمنتخبات في العالم.. فكرة القدم خلقت لدعم السلام بين الشعوب.. وأهم مبادئها نبذ الانحياز.. وترسيخ الحياد.. وانحزنا جميعًا كمصريين ــ وأنا أولهم ــ لموقف أبوتريكة الرجولي.. واستنكرنا موقف الحكم رغم أنه علي صواب.
والآن طالعتنا الصحف بأن أبوتريكة كان يدعو علي طائرة المنتخب المتجه إلي غينيا كل زملائه إلي انتخاب محمد مرسي.. وحدثت مناقشات مطولة بينه وبين زملائه ما بين مؤيد ومعارض وفي محاولة لإقناع اللاعبين قال لهم:
«إنها ثورة ربانية.. ونتيجتها إلهية وستظهر قريبًا».. وكل شيء يقوله الكابتن أبوتريكة نوافق عليه بلا أدني تحفظ، إلا أن يقول لنا إن «النتيجة إلهية.. والثورة ربانية».. فالثورة حتي الآن لم تفرز لنا قيادة واحدة.. أو جبهة موحدة.. أو ائتلافًا ثوريًا واحدًا يمكن أن نطلق عليه: «هذا الائتلاف هو قائد الثورة».. بل إن الثورة تمت سرقتها.. وإعادة إنتاجها من داخل معطف جماعة الإخوان المسلمين والسلفيين.
وإذا كنت أنا لا أفهم في الكرة.. فأيضًا علي أبوتريكة أن يترفق بنا وهو يتحدث في السياسة.. وخطورة هذا التصريح (الرباني).. سيحيلنا بعد قليل إلي رئيس (رباني).. وبرلمان (رباني).. وحكومة (ربانية)!! وهنا تكمن الخطورة.. ولدينا تجارب سابقة استخدمت نفس الشعار.. وصكت نفس المصطلح.. عندما شكلت (حماس) حكومتها برئاسة إسماعيل هنية في غزة.. فإن إسماعيل هنية في أول تصريح له بعد تشكيل الحكومة أطلق علي حكومته نفس المصطلح وقال إن حكومته (حكومة ربانية).. وربانية أي أن كل قراراتها تهبط عليه من (السماء).. فيما نعلم جميعًا أن النبي محمد - صلي الله عليه وسلم - هو آخر الأنبياء.. وخاتم المرسلين.. ومنذ أن توفاه الله (عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم).. انقطع الوحي عن أمة محمد.. فكيف تكون حكومات حماس (ربانية).. ومن خلال (ربوبيتها) فعلت بخصومها السياسيين من جميع الفصائل الأخري ما عجز الصهاينة عن أن يفعلوه طوال فترة الاحتلال لمدينة غزة والضفة الغربية منذ عام 67.
لقد قام رجال إسماعيل هنية بإلقاء شباب «فتح» و«الجبهة الشعبية».. و«الجبهة الديمقراطية» من الدور الخامس.. وضربوهم بالرصاص وصفوا عدداً كبيراً من زينة شباب الثورة الفلسطينية المنتمين لمنظمة التحرير الفلسطينية.. ونحن نعرفهم بالاسم.. حتي إن شاباً من «فتح» طلب من رجال حماس أم يمهلوه ليصلي ركعتين لله قبل إن يلقي ربه.. وهم يضعون في رأسه (الكلاشينكوف).. فركلوه بالأحذية.. وقالوا له: «وهل أنت تعرف الصلاة أيها الكافر».. وما أن خر ساجدًا علي الأرض وهو بين يدي الله إلا وكانت دفعة كاملة من الرصاص تغربل رأسه وجسده.. هكذا كان يتم تنفيذ الأحكام (الربانية) من رجال حماس في حكومة إسماعيل هنية.. فبعد انقطاع الوحي.. ووفاة أشرف الخلق وخاتم النبيين.. لا توجد حكومات (ربانية).. يا أبوالكباتن.
وأنا هنا لا ادعو الناس لئلا ينتخبوا مرسي أو أحرضهم علي انتخاب شفيق ولكن لابد من ضبط المصطلحات في هذه اللحظات التاريخية الحساسة في مستقبل مصر السياسي.. ونحن لا نخشي أن يأتي الصندوق بمرسي أو شفيق.. فإن جاء شفيق فنحن سنعارض بعد جلوسه علي مقعد الرئاسة ليوم واحد.. حتي لو كنا سننتخبه.. فالصوت الذي سيذهب إلي شفيق ليس لسواد عيونه.
ولكن لأنه سيبقي علي الدولة المدنية.. أما إذا جاء مرسي.. فهو سيقضي علي الدولة المدنية وسيقيم الدولة الإخوانية (الربانية).. التي لو عارضته.. فأنت تعارض أوامر جاءت من السماء.. فأنت بالتالي لست معارضاً.. بل أنت (كافر) والكافر يستحق القتل.. وعلي الرغم من ذلك فلا خوف ولاجزع ولا فزع من الإخوان ومن دولتهم (الربانية).. فقد عاني الشعب المصري علي أيدي حكامه الطغاة أشد من ذلك وأكثر.. وجاء وقت علي المصريين الغلابة أنهم طلبوا فتوي من الأزهر لأكل لحوم الحمير من شدة الجوع والضرائب وبطش المماليك وجبروتهم.. ولكن الخوف كل الخوف من التدخل الأجنبي.. فإذا حكم الإخوان مصر.. واستولوا علي مفاصل الدولة المصرية وفككوها لصالحهم.. ففي جميع الأحوال سيقع ظلم وغبن علي كل القوي الوطنية المخالفة لهم في الرأي.. وبالتالي سيقع هذا الظلم علي الليبراليين والاشتراكيين.. ومنهم أقباط مصر.. وهنا تكمن الخطورة.. فإذا شعر الأقباط بالغبن ستتحرك كل المنظمات الحقوقية في العالم لرفع الظلم والاضطهاد عنهم.. وفي هذه الحالة ستتحرك أمريكا بموجب قانون حماية الأقليات الذي أقره الكونجرس الأمريكي.
ومن هذا الباب الواسع ستتدخل الولايات المتحدة الأمريكية في شئون مصر الداخلية.. فالأمريكيون لا يحلون مشكلة أحد.. ولكنهم يخلقون المشكلة لتكون ذريعة للتدخل في شئون الآخرين.. وهذا توجه أساسي ممنهج في السياسة الأمريكية.. فإذا تدخلت أمريكا.. فنحن سنقسم بلادنا كصينية البسبوسة.. سيصبح لدينا (دولة نوبية) في الجنوب.. ودولة (قبطية في الصعيد).. ودولة مسلمة في (الدلتا).. ودولة أمازيغية في الصحراء الغربية (سيوة، الوادي الجديد، والواحات).. وإمارة إسلامية في سيناء يتم التلويح بها بين الحين والآخر.. وهنا سيتم ترحيل الشعب الفلسطيني من غزة إلي شمال سيناء بمن فيهم إسماعيل هنية وحكومته الربانية.. وعندئذ سيبكي بدل الدموع دم.. وهكذا المخطط ليس بجديد علي من يعمل في السياسة.. ويجيد قراءة خطط المخابرات المركزية وخارطة الشرق الأوسط الجديد.. الذي تسعي إسرائيل لتطبيقه.. لإضعاف كل شعوب المنطقة فتكون هي أقوي كيان ديني وعرقي في الشرق الأوسط.. وساعتها لن يستطع أي منكم أن يفتح فمه لا في مواجهة التدخل الأمريكي.. أو في وجه الحكومة (الربانية).. إنني لست متشائمًا إلي هذا الحد.. ولكنها مأساة من لا يجيد قراءة الواقع أو يستشرق آفاق المستقبل.. وما أكثرهم فهم دائمًا مصابون بمرض عمي الألوان السياسي.. أو مصابون بالطفولة الثورية.






