السبت 4 يوليو 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
احمد باشا
عن الدراما.. والمسئولية الوطنية!

عن الدراما.. والمسئولية الوطنية!

أغلب الظن أن الفنانين من صناع الدراما فى التليفزيون المصرى؛ سيتوقفون طويلا - بالنقد والتحليل - أمام تداعيات رجع الصدى فى الإحساس الجمعى المصرى والعربي؛ عما قدموه للمُشاهد من وجبات فنية على مائدة الإبداع فى شهر رمضان هذا العام؛ مع الأخذ فى الحُسبان أن ارتفاع نسبة المشاهدة الإجبارية؛ جاءت فى ظل حصار الضيف الثقيل» كورونا« على البيت المصرى والعربي؛ تحقيقا للمثل المتداول والسائد الذى يقول: «مكره أخاك.. لا بطل»!



والذى يهمنى فى هذا الصدد؛ هو معرفة الرأى والرؤى الانطباعية لرجل الشارع العادى - قبل رأى المثقف الواعى أو الفنان المتخصص - لأنه بالضرورة هو المستهدف بالمواد المتعددة التى تُقدم إليه : تراجيدية أو كوميدية أو ترفيهية؛ واستبيان مدى تأثيرها الإيجابى المُتوقع أو المُنتظر فى إشباع ذاته الفنية وإثراء ثقافته المعرفية وذائقته الجمالية؛ وإلا ستكون هذه الوجبات الفنية المعروضة - فى رأيى ورأى المُشاهد - محض هواء تذره الرياح إلى العدم!

وعلى ضوء المشاهدة والرصد واستقراء رد الفعل فى الواقع المحيط بدائرة معارفي؛ فلن أتوقف عند المثالب - وما أكثرها - حتى لانُتهم باصطيادها والإضاءة عليها؛ والتغافل عن الإشادة بجودة» بعض «ماتم تقديمه والتفت حوله الجماهير بكل الشغف والمتابعة الراصدة؛ خاصة ماتلامس منها مع أوتار المشاعر الوطنية المُرهفة فى «الاختيار» واستعراض مسيرة أبطال معارك الكمائن على الحدود شرقا وغربا؛ ضد قوى الإرهاب ومناصريهم من الذين لا يعرفون قيمة الوطن وقدسية ترابه؛ ورأينا كيف انهمرت الدموع الجارفة الصادقة من عيون الأطفال الصغار قبل الكبار؛ عند مشاهدة لحظات الاستشهاد المجيدة للأبطال من الضباط والجنود؛ فى سبيل الكرامة ومحاولة صد المعتدين عن تلك الكمائن؛ واستطاعت تلك المشاهد - التمثيلية - الرائعة أن تكتسب المزيد من التعاطف الروحى والوجدانى بعقد مقارنة ذهنية لحظية بين روعة الأداء التمثيلى الذى انتزع الدموع الحارة من المآقى.. وبين الدهشة والسؤال الذى ينفجر تلقائيا: مابالنا بمشاهد بطولات المعارك الحقيقية التى تمت على أرض الواقع؟!

إننى هُنا أسوق مثالا واحدا لما يجب أن تكون عليه وقائع أحداث الدراما فى الأعمال التليفزيونية المصرية والعربية؛ ربما تكون بمثابة الرد العملى على منتجى ومروجى مسلسلات الإسفاف والترهل التى تشى بالإفلاس الفكرى؛ وهم الذين يتشدقون بالمقولة التى تجاوزتها الأيام والأحداث الجسام على أرض الواقع؛ وليتهم يتوقفون عن ترديد الجملة غير الأمينة بأن»: الجمهور عاوز كده« !

لقد أثبت الوعى الجمعى : المصرى والعربى أن تلك المقولة محض افتراء وتجن بالباطل على الذائقة الرفيعة للغالبية من الشعب؛ ومع كل هذا - وللإنصاف - فإننا لا ننكر وجود» شريحة« مغيبة داخل المجتمع؛ تلك الشريحة التى نبتت فى أحضان تربة  العشوائيات المليئة بديدان الفكر المتطرف الإرهابى؛ وكانت دائما لقمة سائغة فى يد من يقومون باستغلالها- لفقر الحال ماليا وفكريا - ضد مصالح الوطن وأهدافه العظيمة المرجوة؛ فكان الحتمى هو العمل الدءوب على انتشال تلك الشريحة من بؤرة الجهل والتخلف وحمايتها من التردى والانزلاق فى اعتناق الأفكار المتطرفة؛ ويتم ذلك عن طريق التعريف بأهمية الفنون الجادة والأعمال الدرامية التى تدرس وتناقش وتضع الحلول الناجحة لمشكلات وأزمات المجتمع التعليمية والاقتصادية والسياسية؛ والتى من مهامها الأساسية أن تغرس بذور الانتماء الحقيقى للوطن؛ وليُدرك المواطن - بكل القناعة - أن المبادىء الوطنية السامية لا.. ولن تتجزأ؛ ولا مساومة عليها بكنوز الأرض مجتمعة.

لا بد لنا أن نعترف - نحن فصائل القوى الناعمة المصرية - بمسئوليتنا تجاه الأجيال الصاعدة من النشء والشباب؛هذه المسئولية التى تحتم ضرورة الارتقاء بالمفاهيم الواجب الالتزام بها نحو الوطن.

فالمسئولية الوطنية هى ميثاق الشرف غير المكتوب، إنها لكبيرة إلا على المؤمنين برسالتها وأهدافها ؛ لأن بنودها ومحدداتها لاتخضع إلا للضمير الوطنى الخالص والنقى من كل شوائب التبعية وتطبيق أجندات من يؤصلون لتمييع الهوية والشخصية المصرية؛ والقضاء على كل ماينتمى للتراث الخالد لتاريخ مصر منذ وجودها على خريطة العالم.

هذه المسئولية تنطوى على الدفع بتغيير وتحديث الواقع إلى الأفضل والأنفع لبنى جلدتنا؛ وهى الإيمان بالوطن الذى يقارع ويضاهى الإيمان بالدين والعقيدة.. فمن لايؤمن بوطن يبذل فى سبيله كل رخيص وغال من الدماء والأرواح؛ لا عقيدة له ولا إيمان.

نحن نناشد الجميع أن نلتقى فى العام المقبل مع دراما تمدنا بالطاقة الإيجابية؛ ولا تصدر لنا ثقافة الإحباط والدموع والمشاهد التى تزرع الكآبة فى النفوس.. وليتنا نجد موسما ثانيا ممتدا لتستمر الملاحم البطولية فى الأذهان لاتنطفئ وتدخل طى النسيان فما أحوجنا إليها كقدوة ونموذج طارد للغث والمعيب مما يقحم على درامانا المسكينة.. فالفن والدراما تحديدا وسيلة للتحليق فى عوالم من الصفاء الروحى والوجدانى فلا تشوهوه رفقا بنا وبه!

أستاذ ورئيس قسم الإنتاج الإبداعى بأكاديمية الفنون